د. سعدي الابراهيم
اشتدَ عليه المرض وقرر ان يراجع الطبيب … على هذا الاساس خرج الحاج ابو علي منذ الضياء الاول ، او منذ الغبشة الى الشارع العام في قريته النائية ، لعله يظفر بسيارة رخيصة الاجرة تأخذه الى المدينة او لربما شاهده احد اقاربه الذاهبين بنفس المسار فيصحبه معه دون ان يكلف جيبه الفارغ شيئا . ابو علي قبل ان يخرج من البيت قام ببعض الاعمال المستعجلة ، فهو اب لثلاثة بنات يافعات ، اثنان منهن يدرسن في الصف الخامس من الثانوية اما الثالثة فهي طفلة في الصف الثاني الابتدائي ، ومنذ ان توفيت امهن بسبب وباء كورونا وهو يقوم بمقامها ، ينهض من فراشه منذ الفجر ، يوقد المدفئة في حال توفر الوقود ، ثم يتوجه قنينة الغاز يحركها ذات اليمين وذات الشمال حتى ترتفع درجة حرارتها ، فهي تتجمد بسرعة كونها خارج الدار وترتبط بالطباخ بخرطوم طويل . اذا نجح في تسخينها اشعل النار تحت (قوري) الشاي ، واذا فشل في هذه المهمة فيجب عليه ان يقوم بعمل اصعب ، وهو ان يسرع الى المزرعة المهجورة الموجودة في منطقة قريبة من النهر الذي يبعد عن داره ما يقارب النصف كيلو متر ، يحمل معه سكينة حادة وكبيرة وكذلك كيس من النايلون ، وما ان يصل حتى يبدأ بتقطيع القصب ولملمة الاوراق التي اسقطها الخريف من الاشجار ، يجمعها في الكيس ويعود مسرعا الى الدار ، ثم يجلب احجارا كبيرة يثبتها في احدى زوايا المنزل ، يدس الخشب والاوراق في وسطها ويوقد النار ويبقى ينفخ عليها حتى يتخدر الشاي . بعدها يدخل مسرعا الى المطبخ ويفتح الثلاجة ، يستخرج منها الخبز وشيئا من الطماطة ، ويخطف بيده الصحن المعدني ، يغسله ويصب فيه قليلا من الزيت ، ويضعه على النار ، ويركض الى بيت الدجاجات (الكن) يدخل رأسه فيه تدور عينه في ارجائه بحثا عن بيضة ، كان محظوظا هذا اليوم فقد عثر على بيضتين ، رجع الى النار قطع الطمامة الى اوصال صغيرة اضاف لها البصل والبيض وبقي يقلب بها حتى نضجت. صب الشاي في ثلاثة استكانات من النوع الكبير ، ورتب ارغفة الخبز و وضعها فوق الصحن ودخل بها الى الغرفة الكبيرة (الهول) ، ترك الفطور على الارض ، وبدأ ينادي بناته لتناوله ، مذكرا اياهن بان موعد المدرسة قد اقترب ، يا حنان يا وداد يا جنات (بسرعة بسرعة كومن ترى راح الوكت) ، نهضت البنت الكبرى ثم الوسطى واخيرا المدللة جنات ، وهي اخر العنقود . عندما بدأت البنات بالافطار ، اسرع ابو علي الى غرفته الخاصة ارتدى دشداشة صيفية لا يملك غيرها وخرج الى الشارع العام. لكنه تذكر لاحقا، بانه لم يوصي بناته بارتداء ملابس شتوية فالجو ممطر، فعاد مسرعا وجسده مبلل بالكامل.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة