الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم : العبث الاجتماعي

د. سعدي الابراهيم : العبث الاجتماعي

فطرَ الله الانسان على العمل، وربط العمل بالحاجة. فبدون الحاجة يموت الاندفاع ويكون العمل متقطعا. والحاجة هنا لا يشترط ان تكون مادية، بل قد تكون معنوية ممثلة بتحقيق طموح معين سواء بنيل شهادة علمية او ممارسة وظيفة ما. لكن في بعض الأحيان تصاب الشعوب بأمراض مختلفة تفقدها البوصلة، وتجعلها تراوح في مكانها، عندما لا تحركها الحاجة للعمل وفي الوقت عينه لا تمتلك الطموح للتقدم نحو المستقبل. وهذه الحالة ستدفعها نحو اللاجدوى والعبث، ومن صورها ان ينشغل الناس بالأمور غير المهمة التي لا تضيف لهم شيئا. قديما كانت عملية الانشغال بالأخبار اليومية التي تحدث هي الملهاة التي تدور حولها افكار الناس وأحاديثهم، ونادرا ما يكون هناك حدث كبير يهز الشعب بأسره، أو العالم. اما اليوم فأن الأمر بات مختلفا تماما، حيث أن الثورة المعلوماتية قد وفرت للشعوب والمجتمعات فيها مصادر أخرى للعبث، فنرى الناس تضيع أوقاتها بمناقشة حادثة مرت بها الدولة المعينة، هذه الحادثة قد تكون وهمية او انها تمس حياة فرد واحد، لكنها سرعان ما تتحول إلى قضية رأي عام. والعجيب في الامر ان القضايا الجيدة لا تلاقي اهتماما مجتمعيا، فنحن لا نركز على الشخصيات الناجحة ولا على المشاريع الناجحة، لكن يثر فضولنا الامور المخالفة والشاذة ، نبرزها ونفسرها ويتحدث عنها كبارنا وصغارنا، بل قد يصل الحال ان يقودنا الاختلاف حولها الى حالة من الصراع البيني، والامثلة كثيرة على ذلك، ففي المجتمع العراقي قد تهتم الناس بكلمات اغنية شعبية او شخصية مطرب معين جاء بشيء جديد ربما انه مخالف للعرف المجتمعي. كما قلنا اعلاه ان وجود فراغ في حياة الناس يجعلهم مضطرين الى سده بأي شيء، هذا الانشغال بالحوادث غير المهمة وغير المفيدة، طبعا هنا لا نقصد الاساءة او الانتقاص من اي فنان او اي اغنية، لكن نقصد حجم الاهتمام الشعبي ما هو الا عبث ومضيعة للوقت. وهنا يأتي دور النظام السياسي في توجيه الشعوب نحو الاعمال النافعة، فبدلا من تضييع الاوقات والانشغال في امور لا تنفع ، من الاحسن ان ترسم السياسات العامة التي تكون مفصلة بحسب طاقات الشعب وقوته، بحيث يكون لكل طبقة او شريحة دور فيها، الفتيان والشباب والنساء والرجال. وهنا ستكون هناك منافسة مفيدة وسباق مربح للجميع من اجل النهوض بالواقع وتحسين الاحوال، واذا لم تفعل الانظمة السياسية شيئا لتدرك العبث ومنعه، فأنه سيصبح مع مرور الوقت ثقافة مجتمعية وسلوكا عاما يصعب اذا ما قلنا مستحيل تغييره. العبث ليس حكرا على الدول المتأخرة، بل هو موجود حتى في الدول المتقدمة، والسبب ان تلك الشعوب وصلت الى كل شيء وبالتالي صارت هي الاخرى تعاني من الفراغ والملل.

?>