الجمعة , مايو 1 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / د. سعدي الابراهيم : اليوتيوبر الذكي

د. سعدي الابراهيم : اليوتيوبر الذكي

قسمتِ الادوار بين البشر منذ بداية الخليقة، فأعطي للبعض منا دور التوجيه والقيادة، وقرر البعض الاخر ان يأخذ دور الانقياد والاستجابة. وفي معظم الاحيان، يكون عدد القادة والموجهين اقل من المنقادين، الذين قد تصل اعدادهم الى الملايين، ويسمون بعموم الناس او الرأي العام. قادة الرأي العام في هذا الزمان يختلفون عن سواهم. قديما كان المؤثرون، يدعون المثالية والكمال، فيصدقهم الناس ويسيرون خلفهم، أو ان يأتي قائد بما لم يأتي به أحدا قبله، من فلسفة او فكر او اختراع، او ان يكون المؤثر قائدا بطلا، يتقدم المجتمع ويضحي من أجله فيحبه الناس ويتبعونه، بمعنى ان يكون القائد افضل من غيره على الاقل من الناحية النظرية وان ينال رضى او اعجاب او تقبل او حتى خوف من قبل ابناء جلدته . وهكذا نجد ان العقل البشر انقاد الى الأنبياء والفلاسفة والعلماء .والقادة العظام في شارق الارض ومغاربها. الا ان هذه الطريقة من التأثير قد تغيرت، فلم يعد المثالي او من يدعي المثالية هو الشخص الأفضل او الأكثر تأثيرا ولا العالم والمخترع، ولا حتى الابطال، المؤثرين في الحياة اليوم هم القادرين على ادخال الراحة النفسية الى قلوب البشر، الذين كانوا يقولون ويفعلون ما لم يقوله الناس او يفعلوه مع انهم (اي الناس) يتمنون قوله وفعله. وطبعا ان الوسيلة التي يوصل بها المؤثرون الى الرأي العام تأثيرهم أيضا اختلفت، التقنية المعاصرة ، أو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي قد اتاحت للمؤثرين ان يوصلوا محتواهم الى ابعد نقطة من المجتمع، فصاروا يسمون باليوتيوبر، وهو مصطلح قادم من اليوتيوب او هو الشخص الذي يستخدم اليوتيوب للوصول الى الناس واحداث تأثير فيهم. واليوتيوبر يختلف عن المؤثرين التقليدين اعلاه، فهو ليس فيلسوفا وليس بطلا ولا يدعي المثالية، بل في الغالب هو شخص ذكي يعرف ما يحتاجه الناس وما يفكرون فيه ويفعله، وبالتالي ينال اعجابهم ، حتى لو كانت المادة التي يقدمها بسيطة وساذجة وغير مفيدة، لكنها من ناحية اخرى مرغوبة وتتناغم مع مزاجيات الناس واهوائهم. ونحن هنا لا نستطيع ان نلوم اليوتيوبر على ما يقدمه، لانه يمثل استجابة لرغبات المجتمع، الرأي العام هو الذي طلب منه ذلك كشرط للانقياد له وفي حال جاء بشيء جاد لن يعجب به احد . والدليل ان الكثير من الاشياء التي يقدمها المثقفون والمتميزون لا تلقى الترحاب ولا الاعجاب المجتمعي فيضطر اصحابها الى الانسحاب. ولعل ان ظاهرة اليوتيوبر هي ليست محصورة في مجتمعاتنا فحسب، بل هي عالمية ، تعرفها كل الشعوب. مع ذلك ليس كل اليوتيوبرية على النحو الذي طرحناه ، بل يوجد البعض ممن يقدم بضاعة او مادة مثالية ومهمة وينال اعجاب الناس واستجابتهم.

?>