صلاح الحسن
حدثني الصديق (حامد عبد الله سويد) عن الاقتصاد العالمي من حيث المعطيات فقال في شرح وافر واقتصادي بان اليابانيين يوفرون الكثير. إنهم لا ينفقون الكثير من المال. كما أن اليابان تصدّر أكثر بكثير مما تستورد. لديها فائض تجاري سنوي يُقدّر بأكثر من ١٠٠ مليار دولار. ولكن رغم ذلك فالاقتصاد الياباني يعتبر ضعيفاً بل وفي حالة انهيار. فالأمريكيون ينفقون كثيراً ويوفرون قليلاً. كما أن الولايات المتحدة تستورد أكثر مما تصدّر ولديها عجز تجاري سنوي يقدر بأكثر من ٤٠٠ مليار دولار. ولكن رغم ذلك فالاقتصاد الأمريكي يعتبر قوياً وموثوقا بأنه سيصبح أقوى. ولكن من أين للأمريكيين الحصول على المال لإنفاقه؟ إنهم يستدينون من اليابان والصين بل وحتى الهند. عملياً، الآخرون يدخرون من أجل أن ينفق الأمريكيون. المدخرات العالمية غالباً تستثمر في الولايات المتحدة بعملة الدولار الأمريكي. فالهند ذاتها تحتفظ بأصولها من العملات الأجنبية التي تفوق ٥٠ مليار دولار في صيغة ضمانات أمريكية. الصين كذلك استثمرت أكثر من ١٦٠ مليار دولار في ضمانات أمريكية. وحصة اليابان من الضمانات الأمريكية تبلغ التريليونات. فالنتيجة: الولايات المتحدة أخذت من العالم أكثر من ٥ تريليون دولار. إذاً، فإن العالم أثناء إذخاره المال من أجل الولايات المتحدة، الأمريكيون هم من ينفقه بحرية. واليوم، للإبقاء على الاستهلاك الأمريكي مستمراً، حتى يدوم الاقتصاد الأمريكي، الدول الأخرى يجب أن تودع ١٨٠ مليار دولار في كل ربع سنوي، ما يعادل ٢ مليار دولار يومياً، في الولايات المتحدة!. اقتصادي صيني سأل سؤالاً ظريفاً. من الذي استثمر أكثر في الآخر، الولايات المتحدة في الصين أم الصين في الولايات المتحدة؟ الولايات المتحدة استثمرت أقل من نصف ما استثمرته الصين في الولايات المتحدة. فالحالة ذاتها هي الحاصلة مع الهند. لقد استثمرت أكثر من ٥٠ مليار دولار في الولايات المتحدة. ولكن الولايات المتحدة استثمرت أقل من ٢٠ مليار دولار في الهند. لماذا نجد العالم لا يزال وراء أمريكا؟ فالسر يكمن في الإنفاق الأمريكي فهم نادراً ما يدخرون. في الواقع، إنهم يستخدمون بطاقاتهم الائتمانية لإنفاق دخلهم المستقبلي. كون الولايات المتحدة تنفق هو ما يجعلها جاذبة للتصدير إليها. لذلك فالولايات المتحدة تستورد أكثر مما تصدّر عام بعد الآخر. النتيجة: العالم يعتمد على الاستهلاك الأمريكي من أجل نموه. بثقافتها الاستهلاكية المتعمقة، الولايات المتحدة كيّفت العالم لتغذية الاستهلاك الأمريكي. ولكن بينما الولايات المتحدة تحتاج المال لتمويل استهلاكها، العالم يوفر ذلك المال. إن الأمر كما لو أن صاحب متجر يوفر المال لزبونه لكي يواصل الزبون الشراء من المتجر. إن كان الزبون لا يشتري فإن المتجر لن يكون فيه حركة شراء إلا في حالة أن صاحب المتجر يموله. الولايات المتحدة هي مثل الزبون المحظوظ والعالم كصاحب المتجر المموِّل العاجز. من هو صاحب المتجر الأكثر تمويلاً لأمريكا؟ اليابان بالطبع. إلا أنها اليابان هي التي تعتبر ضعيفة في هذه الحالة. الاقتصاديون المعاصرون يشتكون من أن اليابانيين لا ينفقون، لذلك لا يوجد نمو في اقتصادهم. لإجبار اليابانيين على الإنفاق، الحكومة اليابانية بذلت الكثير وخفضّت معدلات فائدة التوفير، بل وصل الأمر أنها غرّمت الموفرين. رغم ذلك كله فاليابانيون لم يزد إنفاقهم (العادات لا تتغير حتى مع الضرائب، أليس كذلك؟). مدخراتهم البريدية وحدها تفوق ١.٢ تريليون دولار. وبذلك فالمدخرات بدلاً من أن تكون قوة لليابان أصبحت ألمها الدائم. بالتالي، ما هو الدرس؟ هو أن الدول لا تنمو إلا إن كان الناس ينفقون ولا يدخرون. ليس فقط إنفاق بل استدانة وإنفاق معاً. وهذا قد يساعد الهند في منحنى النمو. وهو أحد أسباب إتيان الشركات متعددة الجنسيات إلى الهند، لكي يروا إنفاق المستهلكين. الإدخار رذيلة والإنفاق فضيلة“ ولكن قبل أن تتبعوا هذه النظرية الاقتصادية الجديدة، عليكم بإيجاد أحد ليدخر لكم حتى تتمكنوا من الاستدانة منهم والإنفاق!!!. فالعالم يعيش فوضىً اقتصادية!.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة