خلقَ الانسان وخلقت معه المشاكل، ومنذ يومه الاول وهو يسعى للوصول الى الكمال لكن دون جدوى ، نفق الحياة المظلم يبدو ان ليس له ضوء في اخره ، بل قد يكون نفقا دائريا ، أي اننا ندور في نفس الحلقة . ليس في زماننا الحاضر فقط ، بل هي سنة وديدن الاولين ايضا ، فلم يذكر لنا التاريخ ولا لمرة واحدة ان الحياة في الدنيا قد استقرت بشكل كامل ، دائما يكون النقص رفيق الكمال، والفشل اخو النجاح، والتراجع رديف التقدم، والانهيار نهاية البناء، والحزن الوجه الاخر للفرح ، والضحك يقابله البكاء. هذه المعادلة تنطبق على حياة الفرد نفسه : الاغنياء والفقراء ، الكبار والصغار والرجال والنساء . وكذلك على صعيد الحياة الجمعية لكل البشر وفي مختلف الازمان والاماكن ، فبالرغم من الثورة التنموية التي يعيشها الغرب ، الا ان المشاكل لم تزول ، والدليل ان مشاكل الانتحار والكأبة والملل والسطو والسرق ، سارية بشكل يومي. يبذل العقل الانساني مجهودا كبيرا من أجل اختراع الأجهزة لكي يحل مشاكله واذا بالأجهزة تتحول إلى مشكلة بحد ذاتها ، وينفق الزوجين اموالا طائلة في سبيل الإنجاب، وعندما يتحقق المراد سرعان ما يكبر الابن وقد يصبح مشكلة تزعج من كان يحلم بوجوده في الدنيا. ان استمرار المشاكل على سطح الارض وعدم تمكننا من حلها بصورة نهائية هو ليس أمرا عبثيا بل ان خلفه حكمة عظيمة ، هي سر الوجود. المتناقضات تولد الحركة ، الليل والنهار يتعاقبان لكي نعمل في النهار وننام ليلا والحرارة والبرودة ينتج عنها اشياء جديدة ، القطب السالب والموجب يصنع التيار الكهربائي ، والمد والجزر، والامثلة كثيرة. اذا وصلنا إلى المرحلة التي لا مشاكل فيها، سنصاب بالملل، ولن يكون لوجودنا غاية عظيمة. ولن تتحقق عندها الارادة الربانية من الخلق وهي اعمار الارض ، لأن الأعمار يأتي بعد الخراب ، فإذا انتهى الخراب لن يوجد ما يعمره البشر. ولربما ان وجود الجنة في مرحلة ما بعد فناء الدنيا، لهو دليل اخر على ان السعادة الكاملة التي ليس فيها مشاكل لا وجود لها في هذا الكون، وبالتالي فأن المعنى المعاكس هو صحيح أيضا، اي اننا كتب علينا الصراع السرمدي مع المشاكل. وينبغي ان نعمل من أجل الوصول إلى ذلك الفضاء الشاسع الذي لا يمكن لنا ان نتصوره، ويكفي ان نصفه بالمكان الذي ليس فيه مشاكل. وبالتالي ينبغي ان يكون سعي الانسان مصحوبا بالرضى والقبول ، والايمان بأن المشاكل والمنغصات لا تنتهي ابدا ، وان التفكير بحلها او القضاء عليها قد يكون بحد ذاته مشكلة ، لأنه سيؤرق بالنا ويتعب صحتنا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة