الحضارةُ هي عصارة ما قدمه الانسان من إنجازات مهمة في الماضي . وبالرغم من ان التاريخ صنعه البشر في كل مكان على الأرض، الا ان هناك بعض الامم والشعوب قد كان لها إضافات اكثر من غيرها، كما هو حال الحضارات العراقية والمصرية والفارسية واليونانية . ومن المسلمات المتفق عليها ان الحضارات اذا ما توقفت فأنها ستخسر الكثير، اذا ما قلنا بأنها ستختفي وتندثر ، لأن غيرها سوف يسبقها ويقودها الى قيمه ومراميه في الحياة . وعندما تفقد الحضارة مركزها مرة سوف يصعب عليها ان تستعيده بسهولة ، وقد لا تستعيده بتاتا. ومجرد اعادة قراءة التاريخ سوف يتضح لنا أين انتهى التنافس ما بين الحضارات، من هي الحضارة التي توقفت وصارت تابعة لغيرها واي الحضارات واصلت العطاء وصارت قائدة في يومنا الحاضر. كما أشرنا أعلاه فأن الأشياء المهمة التي صنعها الانسان في الماضي مقسمة ما بين اربعة حضارات رئيسية : العراقيين القدماء والمصريين القدماء والايرانيين الأوائل وكذلك اليونانيين القدماء. لكن الذي حدث هو توقف عجلة البناء والتطوير الحضاري عند العراقيين وكذلك المصريين والايرانيين ايضا، وعلى العكس من ذلك تقدم اهل اليونان اشواطا كبيرة الى الامام. ان الاسباب التي خلقت هذا التفاوت كثيرة ومتشعبة، لكننا نستطيع أن نجملها بالاتي :
- نوع المنتج الحضاري : ان نوع ما انتجته الحضارة قد يكون السبب الأول في فنائها او بقائها . فعندما يترك الانسان فكرا معلوما ومكتوبا ، فإن هذا الفكر سيعيش أطول من البناء المادي ، وهنا تكمن الاختلافات، ففي الوقت الذي تركت الحضارات العراقية والمصرية وحتى الايرانية شواخص معمارية مادية ، من مسلات واهرامات وتماثيل ، فإن اليونانيين تركوا فضلا عن ذلك افكارا وفلسفات تصلح ان تطبق في كل زمان ومكان، وليس هذا فحسب بل لقد حفر فلاسفة اليونان القدماء ، افلاطون وارسطو وسقراط ، اسمائهم في الذاكرة الجمعية للإنسان، في حين لم يستطع العراقيون ولا المصريون وعلى نحو اقل الايرانيين ان يقدموا للعالم مفكريهم وفلاسفتهم.
٢- الفرق الاخر الذي جعل اهل اليونان يسبقون غيرهم ، أو لنقل ان يخلدون حضاراتهم ، هو وجود من اخضع مخلفات تلك الحضارة للتطبيق ، بحيث لم تبق نظرية ، بل صارت واقعا معاشا، فالنهضة الاوربية والامريكية ماهي إلا استمرار وتراكم للحضارة اليونانية، تمت عملية تسخير منجز الماضي لخدمة الحاضر ، طروحات ارسطو وافلاطون وسقراط ، صارت القاعدة التي بنيت فوقها الدول والنظم السياسية والمؤسسات الغربية. على العكس من الحضارات العراقية والمصرية وغيرها، فلم تستثمر بل بقيت مجرد تاريخ ليس لها علاقة بالحاضر. حرمت من وجود أجيال تطبيقها وتنتفع بها. وبالتالي انقطع التواصل معها. وهذا الانقطاع اضرها كثيرا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة