يومي 14 و 15 تموز عام 1958
شامل عبد القادر
عرض و تقديم جعفر لبجة
هو ذا الأستاذ الخبير التراثي الموسوعي الفاضل شامل عبد القادر قد طلع علينا بكتاب غزير في صفحاته ومضامينه وما أستجد من احداث كانت خفيه ومبهمة وغير معروفة لبعض المهتمين بذلك العلم الذي اصبح كل يوم له خطوة لدى المتتبعين والمهتمين الذين ينهلون كل مستجد في عالم التراث بكافة مستوياته والذي يشمل الارض بما عليها ظاهراً وباطناً وكذا البشر ممن لهم الاهمية القصوى في حياتنا منذ آدم (ع) والى يومنا هذا احياء واموات فالتراث لا يعرف السكون فهو في حركة دائمة دؤوب. لا يمكن ان تقف عند حدها… فالتراث سواء كان كائن حي او ميت له ما للزمن من استطالة والارض لم تعرف بواطنها بعد فهي مليئة بالعجائب والغريب من نفائس الاولين التي مرت بها ان الارض ستبقي بكراً مهما امتد الزمن ومهما استمرت الحفريات فالارض ليس لها زمن محدد وهي ممتدة عبر اجيال لا يعلمها الا الله عز وجل…. ومع ذلك فان الإنسان مُجدٌ في بحثه ولذا نرى أنه في كل يوم هنالك اكتشافات تدل على عظمة الإنسان… وأستاذنا القدير شامل عبد القادر نذر نفسه وجهده في البحث والتنقيب عن كل جديد وكانت بحوثه شمولية رائعة رغم عمره المديد الذي تجاوز السبعين لكنه ابي الا ان يكون شاباً لا يعرف الاستكانة فقضى معظم سنوات عمره المديدة اطال الله في عمره يبحث عن كل ما يجذب الانظار في كتبه ومجلاته ومقالاته في الصحف فكان بحق يبحث عن الشمولية إِذْ رفد مكتباتنا بكل نتاجاته الرائعة والتي لا يمكن للمتتبع الا ان يقتني كل ما يصدر عنه.. أما سيرته الذاتية فهو من مواليد مايس 1949 في البصرة الفيحاء لكنه اكمل دراسته الابتدائية في كركوك أما المتوسطة ففي الكاظمية المقدسة والاعدادية في ثانوية الشعب في الكاظمية ايضاً ثم رحل إلى البصرة ليدرس في كلية القانون ثم عاد إلى بغداد ليكمل السنة الاخيرة من دراسة القانوني وليتخرج سنة (71- 1972)… وعندما كان طالباً في كلية القانون نشر العديد من المقالات في مجلات (الثقافة- الطليعة- الغد- وعي العمال- والمنار- والثورة). أما احترافه للعمل الصحفي فكان عام 1975 وصدر له أكثر من ثلاثين كتاباً منذ عام 1980.. هذا بعض مما تضمنته سيرته العطرة والذي يعرف الأستاذ شامل يدركُ أنه لا يدون الا الحقائق وهو بعيدٌ عن الطائفية المقيتة لذا فأنه معتدل وقيادي وهذه صفات لابد للكاتب ان يتحلى بها والا اصبح في عداد المنافين والمنتفعين. ان (قصة مصرع العائلة المالكة ونوري السعيد يومي 14- 15 تموز عام 1958) وهذا هو عنوان الكتاب الذي وضع فيه الأستاذ الباحث التراثي عصاره جهده كي يظهر الينا بالمظهر اللائق من أستاذ تخصص في مثل هذه المواضيع التي تشد القارئ وتجعله لا يرفع عينه عن سطوره لأهمية العائلة المالكة وللمأساة المروعة التي مرت بها دونما مبرر اللهم الا لجهل وتعامي عن الحقائق بعد ان استسلمت تلك العائلة المسالمة وهي مجردة من السلاح فمن هذا الذي انجرف نحو تلك المذبحة و بأمر من هذا ما يوضحه وبشكل دقيق الأستاذ الفاضل عبد القادر…. كتابنا هذا هو الطبعة الاولى – بغداد- 2021 مكتبة المجلة عسى ان ينال رضاكم ويستهوي افئدتكم. وفي تمهيد للمؤلف ذكر مقارنة بين الحكم الملكي والحكم الجمهوري بعد ان كثرت المناقشات في وسائل التواصل الاجتماعي بين محب او مبغض لجمهورية قاسم وكذا للعائلة المالكة لكن الأستاذ ذكر حقائق لا يمكن دحضها فذكر عدد القتلة والمعدومين في زمن الملكية وعددها في زمن الجمهوريات الخمسة فكان البون شاسعا بين الطرفين ففي زمن الجمهوريات سالت انهار من الدماء بسبب الحروب المفتعلة والتي دمرت الإنسان والبنى التحتية أما الاعدامات فحدث ولا حرج ولا نتحدث عن المقابر الجماعية ودفن البشر وهم احياء واشياء كثيرة واقعية بينها الأستاذ بكل مهنية. وحينما نتطلع إلى مقدمة الكتاب نجد انه كتاب قائم بذاته فهنالك وقائع لم نطلع عليها من قبل ولقد أقدم الأستاذ المؤلف إلى كشفها بكل جرأة وهذا قد لا يرضي مثلما يفرح البعض، لقد طرح الأستاذ المؤلف تساؤلات لا يمكن التغاضي عنها ونحن هنا ليس باستطاعتنا ذكر من وقف مع ثورة تموز 1958 هكذا سؤال الذي لا بد لنا من تبيانه هو لماذا لم تتحرك القوات الجوية البريطانية لقمع الثورة مثلما فعلت عام 1941 مع حركة رشيد عالي الكيلاني؟! ولِمَ لم يتحرك حلف السنتو (حلف بغداد) الذي كان العراق عضو بارز فيه وكان نوري السعيد هو عراب الحلف؟ ولماذا لم يتحرك الملك حسين لانقاذ ابن عمه الملك فيصل الثاني؟ فهل كان هنالك اتفاق بين الاطراف انفة الذكر لانجاح الانقلاب؟ وهل اصبح الحكم الملكي عبئاً على بريطانيا والغرب؟! وما علاقة الكويت بذلك الانقلاب بعد أن أنزلق لسان نوري السعيد في اخريات ايامه عن الكويت وعائديتها؟ ويذكر المؤلف باستناده إلى شخصية عراقية بأن عبد الكريم قاسم ونوري السعيد كانا يمثلان المدرسة البريطانية بينما كان عبد السلام عارف امريكي الهوى ومن انصار جمال عبد الناصر القومي لذا فان بريطانيا لعبت دورها في كيفية تحريك بيادقها ونجحت نجاحاً باهراً وهذا ما بينه المؤلف.. أما عبد الاله فكان امريكي الهوى وهو محق لمَ امتلكت امريكا قوة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية… لذا استعلت المؤامرات بين كل اولئك وخاصة بين عبد الاله ونوري السعيد ومن ثم بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف لكنه كان صراعاً فنياً نجح به قاسم وسلام في انقلابهما الدموي لكنه لم يستمر بعد مقتل قاسم في مؤامرة غادرة بعد ان عفا الزعيم عن عارف أكثر من مرة…. ومنذ ذلك الحين والموت والخوف والرعب يكبل العراقيين والملاحظ ان لن يبق احداً ممن قتل العائلة المالكة فكلهم قتلوا بشتى الاساليب والا فما ذنب تلك العائلة المالكة التي استسلمت وطلبت الخروج من العراق بكل هدوء لكن ملوثو العقول امثال عبد الستار العبوسي وغيره ممن لا شرف ولا غيرة ولا إنسانية يجرأون على مثل هذا القتل الشنيع لشباب ونساء واطفال وهناك من يقول لهم (عافرم) (أي عفيه) وهو عبد السلام عارف الغادر كذلك قاسم التقى بـ (النقيب مصطفى عبد الله) الذي كان مصاباً وهو احد المشتركين في مصرع العائلة المالكة. لقد سحلوا نوري السعيد وعبد الإله حتى ان ملامحهما لم تعرف فما هذا العرف اللإنساني الذي جعل من اولئك اشد من الوحوش مع ان للوحوش غريزتها وهذه هي طبيعتها التي جيلت عليها بإرادة الخالق وحينما نتطلع إلى فهرست الكتاب نجد هنالك فصول عشرة ففي الفصل الاول الذي كان عنوانه (على هامش الاحداث) اعتمد الكاتب على كتاب غربين كدير اندون روبرت كينغ مؤلف كتاب (المخابرات الامريكية وثورة 14 تموز 1958 في العراق) وله اراء مهمة في عبد الكريم قاسم ونوري السعيد ورفيق عارف وكيف وشى نوري السعيد بقاسم وتجاوز عن سلوكياته التآمرية… كذلك تطرق المؤلف إلى الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل نقلاً عن الأستاذ محسن حسين جواد وكما هو معلوم وكما ذكر الصحفي الكبير هيكل ان الجمهورية العربية المتحدة كانت تقف إلى جانب عبد السلام في صراعه مع قاسم كذلك ذكر المؤلف الرسالة التي بعثها هيكل إلى قاسم والمنشورة في صحيفة الاهرام القاهرية بتاريخ 17/12/1958 وهي رسالة جديرة بالاطلاع لما لهيكل من باع طويل في تحليل الاحداث وفي هذا الفصل احداث مهمة وطويلة لا يمكن لنا ان نشغل لها مكاناً في مقدمتنا الموجزة هذه أما الفصل الثاني وعنوانه (العائلة المالكة) ففيه ذكر للسيرة الذاتية لكل حاشية الملك رجالاً ونساءً، طباعهم، اخلاقهم، تعنتهم، علاقة الملك بالشعائر الحسينية كونه ينتمي إلى بني هاشم وهم ممن لا يمكن ان يجاريهم لا احداً في اخلاقهم وخلقهم الذي حباهم الله به دون سائر البشر منهم ممن يحسبون على عترة رسول الله (ص)، لكن المؤلف ذكر حادثة في غاية المأساوية حينما جرت محاورة بين نفيسة وأم يونس السبعاوي وأن نفيسة كما يذكر السيد المؤلف على انها كانت على ثقافة كبيرة جداً ومع ذلك رفضت توسلات ودموع ام يونس السبعاوي الذي اعدمته العائلة المالكة مع نخبة من الضباط وكان الابن الوحيد لها فلم تعرها الملكة نفيسة ايما اعتبار كذا ذهبت إلى عبد الاله حين كان في موكبه والقت بنفسها على سيارته لكنه ضربها على جنبها الايمن فسقطت على الارض بعدها ذهبت إلى مسجد ابي حنيفة النعمان وشقت الطريق بين المصلين وبعد ان تعرفوا على شخصيتها ضج المسجد بتكبيرات (الله أكبر ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم)… وقبل ان انهي هذا الفصل لابد لي ان اذكر بعضاً من المحاور التي جرت بين الملكة نفيسة وبين ام السبعاوي إِذْ قالت للملكة وهي تبكي متوسلة…. أنتِ أم قبل ان تكوني ملكه ولك ابن واحد (وهو عبد الاله) شأنك شأني… الخ ولقد رزقت بولد بعد ان فقدت قبله ثلاثة عشر ولداً اناشدك باسم الامومة ان تبادري إلى انقاذ ولدي من حبل المشنقة… ولكن الملكة وكأنها كانت في وادٍ اخر إِذْ لم تهتز لها أي مشاعر وقبل ان تخرج الام مكلومة قال للملكة.. أسال الله ان يكون مصير ولدك كمصير ولدي… فكان وكما قالت فمات عبد الاله ميتة قتلاً وسحلاً وتعليقاً وهكذا تنبأت الام المظلومة بما سيكون … ولو عَنَّ لي ان اتحدث عما كتبه الأستاذ القدير شامل لكلفني الكثير من حيز الصحيفة التي ليس لي منها الا الجزء القليل ولكن لابد لي هنا ان اذكر واقعاً لا بد لي منه وهو ان الأستاذ الشامل قد اغرق نفسه في ثنايا العائلة المالكة بشكل لم يسبقه احداً اليه، وهذا ليس اغراقاً مني في المديح بقدر ما هو واقعاً قد عرف به الأستاذ القدير الذي كيّف حياته وقلمه وذهنه في سرد احداث قد لم يسبقه احداً اليها فكان وكانه قطعة من امجاد سومر واور واكد والتي ملات الدنيا بعجابها والتي لم تنته بعد… أما باقي الفصول الثمانية فمنها ما فيها من العجب العجاب اذ استنفر الأستاذ الكاتب التراثي كل ما لديه من طاقات للولوج إلى كل ما يمت للعائلة المالكة مستنداً إلى كل من عاصر تلك الحقبة الدموية التي اساءت إلى الإنسانية ووصفت بالوحشية والسادية المفرطة ولو كان لي حيزاً في تلك الصحيفة لما تركت مهمة الا وذكرتها لان هنالك احداثاً لم يسبق لي ولكثير من المتبعين ان يطلعوا عليها… لكن الأستاذ المؤلف ذهب بعيدا في البحث والتنقيب والترجمة إلى العربية من بعض المصادر الكردية والاجنبية وهذا ما اعطى الكتاب اهميته القصوى… أما الخاتمة التي أختتم بها المؤلف كتابه فذكر طفولته في عهد الملكية ثم مشاهدات الجمهورية فذكر بعد أن وعى واصبح ناضجاً وراى ما رأى من مجازر دموية جعلته يتمتع بذاكرة قل نظيرها فلم تتجاوزه مذ ذلك ادتى صغيره فكان بحق موسوعة ولما اطلعت على المصادر التي استند اليها في اظهار كتابه إلى الملأ لادركت الجهد الذي بذله هذا المؤلف الشامل الشامخ… ولسوف يظل هذا المؤلف الكبير نبراساً للاجيال ورافداً للمكتبات الوطنية وعنواناً للمعرفة بكل اطيافها وانني اذا ما قلت بأنني قد احطت بكل مفردات هذا الكتاب فأنني اكون قد تجاوزت الحقيقة فالكتاب مليء بالاحداث التي لم يسبق لي او لغيري ان يطلع عليها وهذا ما يحسب للكاتب الكبير الأستاذ شامل عبد القادر السياسي والباحث والتراثي أطال الله في عمره… واسبغ عليه من نعمه مواهب تقر بها أعين القراء… والله ولي التوفيق.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة