اللحنُ ابلغ من الكلمات واهم حتى من صوت المطرب. هو عمود الاغنية الفقري، وبدونه لن تستطيع الاغاني مخاطبة النفس البشرية او التأثير فيها. العراق الذي هو مهد الموسيقى والغناء، معروف عنه الالحان الشجية الساحرة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن لهذا البلد هويته اللحنية الخاصة، ولربما انه الدولة العربية الوحيدة التي تمردت على المدرسة المصرية في التلحين، فللعراق الحانه المميزة التي لا يشاركه فيها احد. ومن الجميل جدا ان جيل السبعينيات والثمانينيات قد ترك لنا ارثا كبيرا ومهما، كما هائلا وعظيما من الالحان الجميلة التي لا يغير جودتها الزمن. لكن في السنوات التي تلت عام ٢٠٠٣، مرت الاغنية العراقية بأزمة لحن. فلم تعد تجذب الأرواح إليها ولم يعد لها ذاك التأثير الذي احترمتها الدول الأخرى من أجله. ان هذه الردة التي تعيشها اغانينا، وقفت وراءها اسباب كثيرة، مثل:
- اقتصار التلحين على الرجال، دون النساء، فلحد الان لا توجد ولا امرأة مختصة بالتلحين
- الحزن لم يعد ينسجم مع العصر، فكما هو متعارف عليه، ان الحزن هو السمة الأساسية في الاغنية العراقية، وهذا ما درجت عليه اغاني السبعينيات. لكن في هذه المرحلة لم تعد الناس تتقبل الحزن وباتت تبحث عن الفرح والسعادة. لذلك انصرفت انظارها عن الاغاني القديمة وتعلقت بالأغاني المبهجة ذات الالحان الصاخبة.
- تغير المزاج العام للناس لكل جيل مزاجه الخاص. جيل المرحلة السبعينية كان يهوى الاغنية الطربية، وهذا الهوى هو ثقافة عامة يشترك فيها الناس. أما الجيل الحالي، فقد اختلف حاله، وصارت ذائقته متعلقة بالأغنية السريعة، وهذا الأمر لا يتعلق بالعراق فحسب، بل هو مزاج عالمي.
- غياب الرقابة على الاغنية، قديما كانت الدولة تهتم بالأغاني. وتراقبها وترعاها، عن طريق تشكيل لجان لفحص النصوص والألحان. وتعاقب كل من يسيء إلى الذوق العام.
- سهولة صنع الاغنية، قديما كانت عملية صناعة الاغنية يحتاج إلى جهد كبير، بالأخص مسألة اختيار اللحن المناسب. أما الآن فإن عملية التلحين باتت سهلة، وذلك لتشابه الالحان وبساطتها.
ومن الممكن ان تكون الآليات الآتية مفيدة، في إعادة الروح اللحنية للأغنية العراقية:
- تشريع القوانين الخاصة بحماية الذوق العام، وفي هذه الحالة ستتخذ إجراءات قانونية بحق كل شخص لا يختار لحنا جيدا لأغانيه.
- إعادة الحياة إلى اللجان المعنية بفحص الاغاني، كونها ستدعم الالحان الاصيلة وتمنع الركيكة منها.
- العمل على خلق ملحنات عراقيات، فلعل النساء العراقيات تصنع الحانا جديدة، لم يصلها الرجال.
اذن، لا بد من فعل شيء للحفاظ على الهوية اللحنية العراقية.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة