الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة الاولى: مشاهير القراء.. أصوات من السماء

الحلقة الاولى: مشاهير القراء.. أصوات من السماء

إعداد: إبراهيم عبد المنعم إبراهيم

يأتي شهرُ رمضان المعظم وتتلألأ أصوات مشاهير القراء، حيث تضم مدرسة التلاوة المصرية العديد من الأسماء البارزة التي تعدت شهرتها حاجز الزمان والمكان.. أصوات من الجنَّة تشدو على الأرض، يمتازون بحلاوة الصوت ووضوح المخارج والتمكن من الأحكام والضوابط، فمصر هي مهد التلاوة، وغالبية مشاهير القراء مصريون علموا العالم الإسلامي أصول و«فن» التلاوة بأصوات عبقرية متفردة، وأرسى العديد منهم أسس التلاوة، وكانت تلاوتهم لآيات القرآن الكريم مثار إبهار وتعظيم لكل من استمع إليهم، واستمد من أصواتهم شغفا لفنون التلاوة والإنشاد الديني الجميل.

 

  • الشيخ علي محمود.. مقرئ ومنشد مصري، وصاحب مدرسة عريقة في التلاوة والإنشاد، ولد الشيخ سنة 1878م بحارة درب الحجازي التابع لقسم الجمالية بحي سيدنا الحسين بالقاهرة لأسرة على قدر من اليسر والثراء، وأصيب بحادث أودى ببصره كاملاً. حفظ القرآن على يد الشيخ أبو هاشم الشبراوي بكُتّاب مسجد فاطمة أم الغلام بالجمالية، ثم جوّده وأخذ قراءاته على الشيخ مبروك حسنين، ودرس علومه صغيراً ثم درس الفقه على يد الشيخ عبد القادر المازني، وذاع صيته وقرأ في مسجد الحسين فكان قارئه الأشهر، وعلا شأنه وصار حديث العامة والخاصة، ودرس بعد ذلك الموسيقى على يد الشيخ إبراهيم المغربي، عرف ضروب التلحين والعزف وحفظ الموشحات، على يد محمد عبد الرحيم المسلوب، كما أخذ تطورات الموسيقى على يد الشيخ التركي عثمان الموصلي واستفاد منه في الاطّلاع على الموسيقى التركية وخصائصها. صار الشیخ علي محمود أحد أشهر أعلام مصر قارئاً ومنشداً ومطرباً، وأصبح قارئ مسجد الإمام الحسین الأساسي، وبلغ من عبقریته أنه كان یؤذن للجمعة في الحسین كل أسبوع أذاناً على مقام موسیقي لا یكرره إلا بعد سنة. كما صار منشد مصر الأول الذي لا یعلى علیه في تطویر وابتكار الأسالیب والأنغام. ومن أشهر النوابغ الذين اكتشفهم الشيخ علي محمود القارئ العملاق الشيخ محمد رفعت الذي استمع إليه الشيخ سنة 1918م وتنبأ له بمستقبل باهر. كان للشيخ علي محمود بطانته في الإنشاد الديني منهم الشيخ طه الفشني، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ محمد الفيومي، والشيخ عبد السميع بيومي، وإمام الملحنين الشيخ زكريا أحمد. قال عنه الشيخ عبد العزيز البشري أحد شيوخ الأزهر الشريف “إن صوت الشيخ علي محمود أحد أسباب تعطيل حركة المرور في الفضاء، لأن الطير السارح في الفضاء يتوقف إذا استمع إلى صوته، ورحل الشيخ علي محمود إلى جوار ربه في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1946م تاركاً عدداً غير كثير من التسجيلات التي تعد تحفاً فنية رائعة.

 

  • سئل ذات مرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عن رأيه في أصوات القراء وهم: الشيخ محمود خليل الحصري والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد رفعت؟ فقال: إن أردنا أحكام التلاوة فالحصري، وإن أردنا حلاوة الصوت فعبد الباسط عبد الصمد، وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فمصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعاً فهو محمد رفعت. ولد في عام 1882م بحي المغربلين بالقاهرة، وفقد بصره وهو في سن الثانية من عمره، وحفظ القرآن في سن الخامسة، حيث التحق بكتاب مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب ودرس علم القراءات وعلم التفسير ثم المقامات الموسيقية على أيدي شيوخ عصره. توفي والده محمود رفعت، وهو فى التاسعة من عمره، وتولى القراءة بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب سنة 1918م وهو في سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة عظيمة، وافتتح بث الإذاعة المصرية سنة 1934م، وذلك بعد أن استفتى شيخ الأزهر محمد الأحمدي الظواهري عن جواز إذاعة القرآن الكريم فأفتى له بجواز ذلك، فافتتحها بتلاوة من أول سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)، ولما سمعت الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) صوته أرسلت إليه وطلبت منه تسجيل القرآن، فرفض ظناً منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، فاستفتى الإمام المراغي فشرح له الأمر وأخبره بأنه غير حرام، فسجل لهم سورة مريم. اتسمت طريقته بتجسيد المعاني الظاهرة في القرآن وتجلي بواطن الأمور للمستمع، فقد كان يبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والبسملة والترتيل بهدوء وتحقيق، وبعدها يعلو صوته، فهو خفيض في بدايته ويصبح بعد وقت ليس بالطويل «عاليا»، ويسرد الآيات بسلاسة وحرص منه واستشعار لآي الذكر الحكيم، فنفذ صوته الى أعماق الناس فأبكاهم وأشجاهم، وكانت طبقات صوته ونغماته حقيقية مأخوذة من واقع الناس ومن فنونهم ومن أسواقهم وندواتهم وأفراحهم البسيطة وأحزانهم. ترجع الغالبية العظمى من الأشرطة التي تذاع اليوم للشيخ إلى عشاقه الذين لم يكونوا على صلة صداقة أو معرفة به بل دفعهم الاعتراف بعبقرية صاحب الصوت إلى تسجيل كل سور القرآن الكريم للاحتفاظ بتسجيلات الشيخ. لقب بعدد كبير من الألقاب مثل (المعجزة – قيثارة السماء – الروحاني – الرباني – القرآني – كروان الإذاعة – الصوت الذهبي – الصوت الملائكي – صوت عابد – سوط عذاب وصوت رحمة). أصيب الشيخ رفعت عام 1943م بمرض سرطان الحنجرة وتوقف عن القراءة، وبرغم أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج إلا أنه اعتذر عن قبول أي مدد أو عون وكانت كلمته المشهورة “إن قارئ القرآن لا يهان”، وانتقل إلى جوار ربه عام 1950م.

 

  • يعد أحد أبرز أعلام قراء القرآن المصريين، ولد في قرية “شعشاع” مركز أشمون بمحافظة المنوفية في 21 مارس 1890، وكان والده محفظاً للقرآن، فحفظ القرآن على يديه، ثم انتقل إلى مدينة طنطا ليأخذ علم القراءات على المتخصصين من أبناء هذا البلد معقل علم القراءات. “ونظرا لتفوق الشيخ وتميزه بصوته العذب نصحه المشايخ بالسفر إلى القاهرة والالتحاق بالأزهر الشريف ودرس هناك القراءات على يد الشيخ بيومي والشيخ علي سبيع، عام 1914، وسكن بحي الدرب الأحمر، وذاع صيته بين أساطين التلاوة. تميز بالصوت الندي، والتجويد والترتيل حتى أن البعض وصفه بأنه عمدة فن التلاوة في عصر الرعيل الأول للقراء في مصر والعالم العربي. وكان ثاني قارئ يقرأ بالإذاعة المصرية بعد افتتاحها عام 1934م، وعين قارئاً لمسجد السيدة نفيسة ثم مسجد السيدة زينب عام 1939. حج الشيخ الشعشاعي بيت الله الحرام، وقرأ القرآن فيه على مسامع عشرات الآلاف من الحجاج، ويعد أول من تلا القرآن الكريم بمكبرات الصوت في مكة والمسجد النبوي ووقفة عرفات عام 1948. وللشيخ الشعشاعي لون خاص في التلاوة فهو لم يقلد أحدا من القراء الذين سبقوه، وتوفي الشيخ عام 1962 عن عمر يناهز الثانية والسبعين وكانت حياته حافلة بالعطاء وخلف وراءه تراثا قيما.

 

  • الشيخ مصطفى إسماعيل، أبرز شيوخ التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، وأول قارئ يسجل في الإذاعة المصرية دون أن يمتحن فيها، وصاحب قدرات صوتية مميزة فقد جمع بين عذوبة الصوت وقوة الأداء، ومزج بين علم القراءات وأحكام التلاوة وعلم التفسير وعلم المقامات.. فكان يستحضر حجة القرآن في صوته ويبثها في أفئدة المستمعين لاستشعار جلال المعنى القرآني. اختاره الملك فاروق قارئا للقصر الملكي، كما كرمه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر واصطحبه معه السادات في زيارته للقدس، بينما كان أعظم ما قام به هو أن ترك خلفه 1300 تلاوة لا تزال تبث عبر إذاعة القرآن الكريم. ولد في قرية ميت غزال، مركز السنطة، محافظة الغربية في 17 يونيو 1905 م. حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر في كتاب القرية ثم التحق بالمعهد الأحمدي في طنطا ليتم دراسة القراءات وأحكام التلاوة. ذاعت شهرته في أنحاء محافظة الغربية والمحافظات المجاورة لها، ونصحه أحد المقربين منه بالذهاب إلى القاهرة، وبالفعل ذهب إلى هناك والتقى بأحد المشايخ الذي استمع إليه واستحسن قراءته وعذوبة صوته ثم قدمه في اليوم التالي ليقرأ في احتفال تغيب عنه الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي لظرف طارئ وأعجب به الحاضرون، وكان ذلك بداية تعرف جمهور القاهرة على صوت الشيخ مصطفى إسماعيل عام 1943، وعين قارئا للسورة بالجامع الأزهر قبل اعتماده بالإذاعة فكانت أول سابقة في ذلك الأمر. استمع الملك فاروق لصوت الشيخ مصطفى إسماعيل في الحفل الذي نقلته الإذاعة من مسجد الإمام الحسين فأعجب به وأصدر أمراً ملكياً بتكليفه ليكون قارئاً للقصر الملكي لإحياء ليالي رمضان بقصري رأس التين والمنتزه بمدينة الإسكندرية، كما كان الرئيس السادات يحبه كثيرا و يعشق صوته. تلقى الشيخ إسماعيل العديد من الدعوات والطلبات من دول عربية إسلامية للقراءة فيها، فلبى تلك الدعوات حيث زار نحو 25 دولة عربية وإسلامية، وقد زار الشيخ إسماعيل القدس 3 مرات، إحداها كانت عام 1960 وقرأ في المسجد الأقصى في ليلة الإسراء والمعراج، كما زارها مرة أخرى عام 1977 ضمن الوفد الرسمي المصاحب للرئيس السادات في زيارته للكنيست الإسرائيلي. حصل الشيخ على العديد من الأوسمة والتكريمات المحلية والعالمية، من بينها وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1965 بمناسبة عيد العلم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يمنح فيها الرئيس وساما لأحد المقرئين في تلك المناسبة، ووسام الفنون عام 1965 ووسام الامتياز عام 1985 من الرئيس الأسبق حسني مبارك، في حين حصل على وسام الأرز من رئيس وزراء لبنان تقي الدين الصلح 1958، ووسام الاستحقاق من سوريا، كما حصل على أعلى وسام في ماليزيا ووسام الفنون من تنزانيا عام 1978، و توفى في 22 ديسمبر 1978.

 

  • يعتبر الشيخ طه حسن مرسي الفشني، أحد أعلام قراءة القرآن والمنشدين المصريين بالعالم الإسلامي عامة والدولة المصرية خاصة، ولد سنة 1900م بمركز الفشن بمحافظة بني سويف، وحفظ القرآن الكريم ثم تعلم القراءات، كان والده تاجر أقمشة من ميسوري الحال، اختار لابنه أن يكمل تعليمه بعد أن دخل الكتاب وحفظ القرآن وحصل على مدرسة المعلمين سنة 1919م، وفي دراسته في تلك المدرسة اكتشف ناظر المدرسة عذوبة صوت الشيخ طه الفشني وأسند إليه القراءة اليومية للقرآن في الطابور وحفلات المدرسة، لكن كان طموح والده أن يكمل ابنه دراسة القضاء الشرعي وبالفعل ذهب الشيخ طه إلى القاهرة للالتحاق بمدرسة القضاء الشرعي إلا أن ثورة 1919 كانت مشتعلة‏، وحالت الأحداث دون استقراره فعاد مرة أخرى إلى بلده الفشن وذهب يحيي السهرات في المآتم كقارئ للقرآن في بلدته والقرى المجاورة له. حضر الشيخ طه إلى القاهرة، وأقام بحي الحسين وكان قريبا منه في السكن الشيخ على محمود ملك التواشيح الدينية، وكان للشيخ على محمود فرقة تواشيح خاصة فعرض على الشيخ طه الفشني أن ينضم لبطانته، استدعاه رئيس الإذاعة وقال له “يا شيخ طه بكرة لازم تكون عندنا في الإذاعة المصرية، وصوتك لازم يأخذ فرصته ويستمع له الناس في كل بر مصر”، وفي اليوم التالي ذهب الشيخ طه للإذاعة وأجرى اختبارا، والتحق بالإذاعة المصرية سنة 1937م، قدرت لجنة الاستماع صوته بأنه قارئ من الدرجة الأولى الممتازة وكان مخصصا له قراءة ساعة إلا ربع في المساء في الإذاعة المصرية. عين قارئًا لجامع السيدة سكينة سنة 1940م وحتى وفاته، اختير رئيسًا لرابطة القراء خلفًا للشيخ عبد الفتاح الشعشاعي سنة 1962م، ومن أشهر التواشيح كانت ميلاد طه “يا أيها المختار”، “حب الحسين”. وابتهالات مثل “السلام عليك يا شهر رمضان”، أنشأ فرقة خاصة به للإنشاد الديني عام 1942 مع استمرار عمله كمقرئ. الشيخ الفشني أول من ظهر بالتليفزيون المصري حين نشأته، كذلك أصبح رئيس رابطة القرآن الكريم بعد وفاة الشيخ الشعشاعي، كما اختير لإحياء الليالي الرمضانية بقصري “عابدين” و”رأس التين”، وصار القارئ المفضل للرئيس جمال عبدالناصر، وسافر العديد من البلدان لإحياء ليال بها، وكُرم من العديد من الرؤساء. تعامل الفشني مع عدد من كبار الملحنين، الذين رأوا فيه طاقة صوتية غير عادية، وعلى رأس هؤلاء الشيخ زكريا أحمد، ومرسي الحريري، وسيد شطا.. كما أدى الفشني أعمالا من تلحين المشايخ علي محمود، ودرويش الحريري، ومحمود صبح، وإسماعيل سكر، وغيرهم. توفى الشيخ الفشني بديسمبر 1971.

 

  • محمد صديق المنشاوي إمام من أئمة التلاوة، أوصل كلمة الله بصوته المؤثر الخاشع إلى مشارق الأرض ومغاربها، فكان خير داعية إلى الله وكتابه ودينه على مستوى العالم. ولد في مركز “المنشأة” محافظة سوهاج سنة 1920م، في بيت علم وفضل واهتمام بتلاوة القرآن الكريم وتدارسه، فوالده صديق السيد كان من القراء المجيدين، اشتهر في مصر، وله تسجيلات ما زالت تبث بإذاعة سوريا ولندن، التحق بكتـّاب القرية، وعمره أربع سنوات، وأتم ختم القرآن الكريم وهو في سن الثامنة، وانتقل إلى القاهرة ليتعلم علوم القرآن ونزل في ضيافة عمه، وعندما بلغ الثانية عشرة درس علم القراءات على يد الشيخ محمد مسعود الذي أعجب به، وأخذ يقدمه للناس في السهرات، حتى بلغ الخامسة عشرة فاستقل. ظل يقرأ في المساجد والمحافل حتى اشتهر أمره وصار قارئاً معتمداً لدى الإذاعة، حاملاً لقب “مقرئ الجمهورية المصرية المتحدة”، لبى دعوة رؤساء بعض الدول للقراءة في الخارج، كدعوة الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو، برفقة نظيره الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، فبكى أثناء تلاوته لبكاء الجمهور المتواصل. وقد منحه سوكارنو وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا، أصيب الشيخ بدوالي المريء منذ سنة 1966 حتى اختاره الرحيم لجواره الكريم، ليتوفاه عام1969م.

 

  • الشيخ أبو العينين شعيشع أحد عباقرة المقرئين ورائد من رواد التلاوة في العصر الذهبي لقارئي القرآن الكريم في مصر، قرأ في الروضة الشريفة‏‏ والحرم المكي‏ وفي أهم مساجد العالم‏ في ضيافة الملوك والرؤساء‏،‏ فكرموه جميعا‏‏ ومنحوه الأوسمة‏‏ لكنه لم ينس لحظة أنه خادم للمصحف الشريف. من مواليد سنة 1922 بمركز “بيلا” محافظة كفر الشيخ، وذات مرة سمعه الشيخ يوسف شتا، شيخ الكتاب وقتها وهو يدندن مع الأطفال بالقرآن، فتنبأ له بمستقبل عظيم، وفي المدرسة كانوا ينتدبونه لتلاوة بعض آيات من القرآن في المناسبات، وكان محاطاً من الجميع بالتشجيع والتعاطف مع صوته، ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره ذاعت شهرته في بلده كفر الشيخ والبلاد المجاورة. في عام 1939م دُعي الشيخ شعيشع لإحياء مأتم الشيخ الخضري- من كبار العلماء-، وكانت تربطه به صلة مصاهرة، فلما حضر الليلة وكان موجوداً بها الشيخ عبد الله عفيفي وكان شاعراً، بالإضافة إلى كونه إمام الملك في ذلك الوقت، طلب أن يقدمه للإذاعة، فذهب الشيخ أبو العينين شعيشع لمقابلة سعيد لطفي باشا مدير الإذاعة المصرية، وكذلك مستر فيرجسون المدير الإنجليزي، وحدد له يوم الامتحان أمام لجنة مكونة من كبار العلماء منهم: الشيخ أحمد شوريت، وإبراهيم مصطفى عميد دار العلوم، والشيخ المغربي والأستاذ مصطفى رضا مدير معهد الموسيقى، وفي ذلك الوقت كانت الإذاعة متعاقدة مع الشيخ محمد رفعت، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، وتم التعاقد معه أيضا، وكان يعد أصغر قارئ للقرآن، إذ كانت سنه سبع عشرة سنة. يعد الشيخ أبو العينين شعيشع أول قارئ للقرآن الكريم يسافر إلى الدول العربية، وذلك في عام 1940م بدعوة من إذاعة الشرق الأدنى ومقرها فلسطين، فتعاقدت معه لمدة ثلاثة أشهر، وكان يقرأ قرآن صلاة ظهر الجمعة من المسجد الأقصى وتنقلها إذاعتا الشرق الأدنى والقدس على الهواء مباشرة. في عام 1952م استدعته الإذاعة المصرية ليقوم بتكملة أشرطة الشيخ محمد رفعت بعد وفاته، وكان الشيخ أبو العينين في ذلك الوقت يرتدي الكاكولا والطربوش، مخالفاً بذلك الزي التقليدي للمشايخ القراء ولكنه اضطر إلى خلع الطربوش عندما زار تركيا. في بداية الستينات أصيب الشيخ بمرض خطير أثر على أحباله الصوتية فلم يستطع القراءة, ولكن الشيخ استطاع بالصبر والتوكل على الله أن يهزم المرض, وعاد إلى القراءة من جديد, وكان يسافر كل عام إلى الخارج ليقرأ في ليالي رمضان المبارك في كثير من بلدان العالم الإسلامي، كما كان للشيخ جولات واسعة في ريف مصر لاكتشاف المواهب الجديدة. توفي عام 2011م بعد أن ترك إرثاً ضخما من التسجيلات القرآنية الخالدة في الماضي الجميل الذي عاشه المصريون وسعدوا به.
?>