صلاح الحسن
حدثني الأستاذ (سمير الشيخلي) عن العراقيين كلاما ما لم يقله ابن خلدون في مقدمته، فهم أمة مختلطة الأصول، أفرادها متفاوتو القِدم على ارض بلادهم العراق، بعضهم يسكن هنا منذ ٧٠٠٠ عام، وبعضهم جاء مع المسيحية، فيما جاء آخرون مع الفتح الاسلامي، وتوالوا على سكنها حتى ذروة فترة التجانس عندما كانت بغداد عاصمة الامبراطورية العربية الاسلامية، فسعى اليها الناس من كل بقاع الامبراطورية كنوع من الرغبة بالسكن والتجارة والدراسة فيها، او للقرب من مركز القرار. وهذا الخليط اليوم لا يمكنك التمييز بين أفراده، لا يمكنك التمييز بين هذا وذاك، منذ رسمت الحرب العالمية الاولى حدود البلاد وهم ينصهرون ببعض، برغم انهم يتحدثون لهجات مختلفة عديدة، ولغات عديدة ايضاً، لكنهم عراقيون فقط. فالعراق كان دائما جسرا للغزاة وهذه الأمة العراقية المعروفة بعنادها وعدم اكتراثها لغضب اعدائها، أرقت جيرانها طويلاً مذ بزغت، فهي لا تستقر أبداً مع وجود تهديدٍ قريب، يمكن لها ولشعبها ان يضرب دولةً أخرى او يهددها او يحرق مصالحها او حتى يغزوها بالكامل، اذا تعرضت لكرامته بشيء.. ولهذا، عانى العراقيون طويلاً من عقدة غضبهم السريع، برغم انهم لا يكترثون احيانا لتلك المعاناة، المهم، إنّا ضَرَبنا!. هؤلاء برغم ما يقال عنهم أنهم سريعو الغضب، لكنهم سريعو الدمع أيضاً، هم متطرفون في كل شيء، فقصائدهم الحزينة تصيب القلوب بعواصف الالم، وأغانيهم الحماسية تلهب الصدور وتلقم السلاح، يبكون دماً لعصفورٍ مذبوح، ويجزون رؤوس اعدائهم بلا رحمة، يعشقون بتطرف، وتعشق نسائهم بجنون، يحبون امتصاص نخاع الحياة، ويقفزون الى الموت في أول مناسبة، كل ذلك في وقتٍ واحد.. فالعراقيون قوم لا يفهمهم الا من عاشرهم، شبابهم جميلو الخلقة، فتياتهم يذبحن العيون جمالاً، أعينهم تشع حسناً، وأصواتهم عذبة على المسامع، لكنهم في الوقت نفسه، عكرو المزاج، شديدو الحزم، سريعو التدخل، ويلجؤون للقوة كحلٍ مناسب دائماً.. ليس بين بيتٍ عراقي وآخر فرق، لو دخلت لوجدت نفس مذاق الطعام، لأن الروح نفسها تطبخ هنا او هناك، ولوجدت اماكن تعليق المناشف ذاتها، وصور الائمة نفسها، وآيات القرآن ذاتها على الجدران وبنفس الترتيب، لانهم انصهروا معاً منذ الاف السنين، دون جدران او حواجز.. ويظن العراقيون دائماً انهم اسياد من حولهم، ولذا فهم شديدو الاعتزاز ببلادهم، اما لماذا، فيقولون لأنهم اهل مُلكٍ وثروة ومساحة وإرثٍ وتاريخٍ وقوةٍ وعدد، ولأنهم معروفون بسطوتهم الجبارة مدى التاريخ، لذا فهم يشعرون بالظلم مع اول انتقاصٍ منهم، ويثورون ضده. قد يشتم العراقي بلاده في ساعة غضب، لكنه قد يقتل غريباً شتمها، فالعراق في نظرهم يأت بعد الله في القداسة، يعلّمون صبيانهم ان يحبوه، وبناتهم ان يتغنين به، حتى لا تكاد ترى اثنين يتحدثان الا والعراق حديثٌ بينهما. هؤلاء قومٌ يعرف عنهم اللا انكسار ولا هزيمة، تمر بهم الظروف لا تُطاق، وبعد سنوات، تجدهم أعزةً، بعزة العراق. وقيل فيهم:
علّقتُ روحي بنداً في أسنّتهم..
لا تبدأ الحربُ إلا وقتَ هُدنَتِهِم..
جازاهم اللهُ خيراً عن مُعَنّتهِم..
هُم الذينَ دهتني رؤيةُ ابنتهِم.
فكانَ سعداً على المدهيٍّ والداهي. وهو القائل
حذاري يا صاحبي إن الهوى شَرَكُ..
لم ينجُ من يدِهِ عبدٌ ولا مَلِكُ..
أهلُ العراقِ شموسٌ مالهم فَلَكُ..
هم غيروني تماماً منذُ أن تَرَكوا..
وأسكنوا في مرايا البيتِ أشباهي. هم العراقيون فخر ورفعة رأس.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة