نادي فرناس الجوي (أنموذجاً)
الكابتن زياد عبد الكريم ا
أمين سر نادي فرناس الجوي
أولُ بادئ ذي بدء قد يراودنا السؤال التالي… لماذا رياضات الطيران؟ وما الفائدة منها؟ وهل هي فعلاَ مظهر من مظاهر الترف والرفاهية؟ وهل تقتصر ممارستها بأبناء الميسورين؟! أو ان بالإمكان ان تكون رياضة شعبية يمارسها الجميع؟ وهل بالامكان ممارستها تحت هذه الظروف الامنية والسياسية الحالية؟ وأسئلة كثيرة اخرى من حق أي قارئٍ لبيب أو متتبعٍ لهذا الشأن ان يطرحها. وقبل الاجابة عن هذه الاسئلة وإضافة الكثير من الايضاحات الاخرى التي قد تمر مرور الكرام على غير ذوي الاختصاص الرياضي الجوي فلا بد من نبذةٍ تاريخية عن هذا المجال في العراق واعرج على البدايات التي عاصرت السني الاولى لتأسيس الدولة العراقية الفتية وتحديداَ بعد صدور الارادة الملكية بذلك حيث اسست جمعية الطيران العراقية (نادي فرناس الجوي حالياَ) بتاريخ١٩٣٣/٥/٢٤م وليأخذ هذا الكيان شكله الفعلي بتاريخ ١٩٣٣/٦/١٨م وصاحب المبادرة والامتياز الاول في هذا هو المغفور له جلالة الملك غازي الاول ملك العراق وقد اسلفت في مقالات سابقة عن مدى شغف هذا الرجل وحبه للطيران والى كل ما يمت للسرعة والمغامرة بصلة وكان لهذه المؤسسة العريقة ان تحمل على عاتقها – حتى قبل اعلان تأسيسها الرسمي – وان تضطلع بكثير من المهام التي كان ابرزها دعم الجيش العراقي والقوة الجوية بالاساس، مادياَ (من خلال حملات التبرعات) ومعنوياَ من خلال إقامة الحفلات والمهرجانات اضافة الى نشر الوعي الجوي بين شرائح المجتمع لا سيما فئة الشباب. وقد نجد بعض ملامح التأثر بمؤسسة قرينة أخرى هي (جمعية الطيران التركية) التي اسست عام ١٩٢٥م والتي هي بدورها قد تأثرت ايضاَ بمؤسسة اخرى هي (نادي الطيران الالماني) والذي كانت فكرة تأسيسه انذاك هي لتدريب الطيران للشباب ومحاولة الاتفاف على معاهدة (فيرساي) التي فرضت قيوداَ عسكرية جائرة على المانيا بعد خسارتها الحرب العالمية الاولى كان منها على صناعة الطيران.. فهي اذاَ مؤسسات ظل الغرض منها تقديم الدعم غير المباشر او المباشر للمؤسسات العسكرية وتعبئة الشباب في هذا المجال عبر ادخالهم في الكثير من الدورات والبطولات والتدريب المكثف وترشيح النخبة المتميزة منهم فقط لدخول المؤسسات الجوية العسكرية والمدنية. وفعلاَ فأن جهود تأسيس هذا الكيان (جمعية الطيران العراقية) قد آتت اكلها فقد تمخضت حملات التبرعات التي قادتها الجمعية عن شراء الكثير من الاسلحة والطائرات وساهمت في كسر احتكار السلاح من بريطانيا. وكانت المبالغ التي استطاعت الجمعية استحصالها من التبرعات والحفلات الخيرية والمهرجانات ويانصيب الطيران وحملة (شارة الطيار) اضافة الى الانشطة الاخرى ما مجموعه (١٣٥الف دينار) حتى عام ١٩٤٩م هذا ما عدا شراء ثلاث طائرات مقاتلة من طراز (اوداكس /نسر) سنة ١٩٣٥م قدمت للقوة الجوية الملكية العراقية في جو احتفالي مهيب كان بحضور الملك غازي حيث سميت هذه الطائرات بأسماء الالوية (المحافظات) التي تبرعت بمبالغها بغداد والحلة والعمارة وهي الالوية التي سبقت غيرها في جمع التبرعات حيث كان المبلغ (٢٤٩٥٠) دينارا وما ان توفر مبلغ كافٍ لدى الجمعية فقد استطاعت الحصول على قطعة ارض صغيرة نسبياَ من الحكومة انشأت عليها المقر العام في منطقة الباب الشرقي وفي المنطقة التي عرفت فيما بعد بـ(ساحة الطيران) وبقيت هذه البناية قائمة الى اوخر سني السبعينات حيث ازيلت بعد افتتاح شوارع جديدة. وحملات تبرعات شعبية ساهمت بشراء (٢٠) طائرة ايطالية المنشأ (٥) طائرات قاصفة (سافوياماركيتي) و(١٥) طائرة مقاتلة (بريدا) اضافة الى ثلاث طائرات من نوع (دراكونرابيد) اسست من خلالها الخطوط الجوية لجمعية الطيران العراقية بتاريخ ١٩٣٨/٥/١٨م (استمرت هذه الحملة من١٩٣٣حتى ١٩٣٩م) حتى احيلت ادارة هذه الخطوط الجوية الى مصلحة السكك الحديد عام ١٩٤٦م لتكون فيما بعد النواة الاولى للخطوط الجوية العراقية الحالية. اما من الجانب المعنوي فقد اصدرت الجمعية العدد الاول من مجلتها (الطيارة) في ١٩٣٧/٣/١م – ولعلها قد تكون اول مجلة عربية في هذا المجال – حيث شهدت اقبالاَ كبيراَ على شرائها من مختلف فئات الشعب وساهمت اقلام بارزة في كتابة مقالاتها متعددة المواضيع كان ابرزهم كل من الطيار حفظي عزيز والطيار موسى علي واقلام نسائية ورجالية كانت تنشر تحت اسماء مستعارة والاستاذ عبد المسيح وزير وغيرهم وكان رئيس تحريرها انذاك المحامي حميد يوسف البياتي نائب رئيس الجمعية وأدى ذلك الى رفع منسوب الوعي الجوي بشكلٍ عام. واستمرت الجمعية بادوارها الوطنية البارزة المهمة بوتيرة فعّالة بالرغم من كل التحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت على العراق والقت بظلالها على هذه المؤسسة وانشطتها بالإيجاب احياناَ وبالسلب احياناَ كثيرة اخرى وكانت اولى القرارات هي النظرة الشمولية للحزب الحاكم بعد عام ١٩٦٨م حيث حولت من منظمة مجتمع مدني مستقلة الى مؤسسة حكومية تعبوية هدفها تعبئة وتحشيد الشباب لزجهم في القوات المسلحة وذلك بموجب القانون ٢١٥ في ١٩٧٠م وضمها الى وزارة الشباب باسم (مؤسسة جمعية الطيران العراقية) وعاد هذا القرار على الجمعية بضررين بليغين أولهما فقدان الجمعية لاستقلاليتها كمؤسسة تخصصية ودخولها في أتون البيروقراطية الادارية لدوائر الحكومة والثانية هي ترشيح الكثيرين لتولي ادارتها ممن هم خارج قطاع الطيران من ذوي الرتب الحزبية وهما سببان كافيان لتدمير اي مؤسسة من هذا النوع وتحييدها عن دورها الرئيسي. ادى ذلك ايضاَ الى كثير من التحولات في مسارها القانوني والاداري حيث حول اسمها الى المؤسسة العامة لتدريب الشباب بموجب القانون ٥٦لسنة ١٩٧٦م ومن ثم ضمت جميع امكانات هذه المؤسسة الى نادي فرناس الجوي والحق بديوان وزارة الدفاع بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل ذي العدد ٤٣٥ في ١٩٨٧/٦/٢١م لتعاد بعدها لمنظمة غير حكومية واسمها الحالي (نادي فرناس الجوي) بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل ذي العدد ١٩٩ في ١٩٩١/٦/٢٤م واستمر الحال حتى عام ٢٠٠٣م حيث انتخبت هيئة ادارية جديدة. وبعد هذه السياحة التاريخية التي لا استطيع من خلالها ابراز جميع الادوار التي لعبتها هذه المؤسسة لضيق المقام وعظم حجم المنجزات بالرغم من تعدد تسمياتها وعناوينها ولإسهاماتها في تأسيس مؤسسات جوية اخرى كاتحاد الطيران والمظلات مثلاَ (الاتحاد الجوي حالياَ) فقد دربت هذه المؤسسة المئات من الطيارين الشباب والمظليين من الذكور والاناث وخرجت اول امرأة بشاهدة طيران هي الكابتن جوزفين حداد سنة ١٩٤٩م اضافة الى المساهمة في تدريب القوات الخاصة العراقية على القفز المظلي حيث كان النادي هو المؤسسة الوحيدة المخولة حكومياَ بالتدريب منذ عام ١٩٩١م اضافة الى عشرات الميداليات والالقاب والاوسمة لبطولات محلية وعالمية كان ابرزها فوز الكابتن الطيار دلال كاظم سليم ببطولة الطيران الدقيق في بريطانيا عام ١٩٨١م ولعلها تكون اول امرأة عربية تحوز على هذا اللقب!..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة