الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 64: الفخ الرئاسي للرفاق

الحلقة 64: الفخ الرئاسي للرفاق

حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

 شامل عبد القادر

إحسان وفيق السامرائي: لقد أثارنا تواجد رجال المخابرات والقوات الخاصة بكامل أسلحتهم في ممرات قاعة الخلد

 قتل من مجموع 33 سجينا 14 رجلا من التعذيب والجوع

أما الاسلوب الذي اتبعه صدام حسين وأجهزته الامنية معنا فقد الغىت الاسس والمبادئ الاخلاقية  كلها عندما اعتقالنا في الاول في 22 تموز 1979 ولغاية اطلاق سراحنا في 26 أذار 1983  الى الابادة والتعذيب حين القى بنا الى زنزانات انفرادية مغلقة وسلمنا الى قطيع من الكلاب المسعورة التي لم تتوقف عن تعذيبنا وتجويعنا واذلالنا “ليلا ونهارا.. صيفا وشتاء..”. استعملوا فيها شتى الاساليب من “احراق وخنق بالحبال وتعليق من الاكتاف واستعمال صوندات محشوة بالحديد وهراوات كهربائية ومكاوير وأسياخ معدنية وتعفن ..” إضافة الى حرماننا من النوم والرقاد والحلاقة والاغتسال ودخول المرافق الصحية الا مرة او مرتين في اليوم “حسب مزاج الحراس” ولمدد لا تتجاوز الدقيقتين  تحت تهاطل السياط  فاق كل ما عشناه في عهود سابقة.. وقد قتل من مجموع 33  سجينا 14 رجلا “من التعذيب والجوع” وخرج من ذلك الجب  “19” سجينا يحمل كل منهم أثار تلك الوحشية من عاهات وكسور وأمراض نفسية وجسدية. اربع سنوات ونصف في زنزانات انفرادية مغلقة مثل الصناديق  الحديدية بلا نوافذ او مراوح وعلى أرضية من الكونكريت المسلح. أما المرة الوحيدة التي تم وضعنا سوية و”تحت المراقبة” فكانت لثلاثة أسابيع بعد صدور الاحكام ولاسباب لا نعرفها ثم أعادونا بعدها الى زنزانات انفرادية لحين اطلاق سراحنا.

المشهد (5)

لقد كنا كقيادة لفرع الحزب في البصرة  قد تلقينا تبليغا من مكتب أمانة سر القطر صبيحة يوم 17 تموز 1979 بالحضور الى محافظة الكوت لوجود اجتماع طارئ لقيادات “الناصرية والعمارة والكوت والبصرة”. وفي مبنى شعبة الكوت بادرنا .. “حكمت العزاوي” عضو القيادة القطرية “مسؤول مكتب تنظيم الجنوب قائلا: ان الرفيق “ابو هيثم” احمد حسن البكر أمين سر القيادة القطرية ورئيس الجمهورية  قرر التنازل عن مسؤوليته الحزبية والادارية ليلة البارحة بسبب  مرضه  للرفيق صدام حسين والمطلوب منكم أبلاغ جهازكم الحزبي فورا دون تأخير او مناقشة.. كان القرار مثيرا للتساؤل بسبب مخالفته لنظام الحزب الداخلي الذي ينص على ضرورة عقد  مؤتمر قطري استثنائي يأخذ على عاتقه انتخاب البديل (علما بان أعضاء المؤتمر القطري البالغ عددهم “96” عضوا والذين انتخبوا في المؤتمر الثامن للحزب “لهم وحدهم حق الموافقة أو الرفض” إذ لا يجوز لاية سلطة حزبية أن تنيب عنهم كما  حصل في قرار “تاميم النفط ودخول الجيش الى سوريا في حرب تشرين”. لقد أثارتنا التغيرات التي أبلغنا بها فلم يكن من المعقول وقوعها ونحن في المرحلة الاخيرة من مفاوضات الوحدة بين العراق وسوريا وقد أثار ذلك لغطا بين الحاضرين الا ان “حكمت” امتنع عن الرد على تساؤلاتنا لان الوقت كما قال لا يسمح بذلك. وفي عودتنا للبصرة كان حوارنا مستمرأ حول التغييرات الا أننا لم نشكك في التغييرات في مثل هذه الفترة الدقيقة علما بان صدام  كان  قد التقى بنا  في ندوة حزبية للقطر العراقي  قبل شهر تقريبا لاستقراء رأينا حول الوحدة بعد ان شاع في  الجهاز الحزبي  من يقول.. واين سيكون موقع صدام بعد الوحدة؟

المشهد (6)

صبيحة يوم السبت  21 تموز 1979 أبلغنا هاتفيا  من الرفيق ” زهير القادري” مدير مكتب أمانة سر القطر بدعوة أعضاء المؤتمر القطري الثامن الى اجتماع طارئ ولم يكن في البصرة قد بقى غير اثنين هما “الرفيق علاء وانا”. بعد ساعة طلبوا اضافة وحضور أعضاء فرع البصرة  للاجتماع وما ان بلغت الساعة الثامنة مساء حتى أضيف أعضاء الشعب للاجتماع في قاعة الخلد في “الساعة الثامنة فالتاسعة من صباح يوم الاحد 22 تموز 1979”. وفي حدائق القاعة التقينا بالرفيق “ب” عضو القيادة القطرية الذي بادرنا بسؤال غريب.. ما موضوع الاجتماع؟

– اجتماع طارئ للجهاز الحزبي لعموم القطر.

– قال.. لقد كنا حتى الساعة الحادية عشرة من الليلة الفائتة في اجتماع للقيادة القطرية فلم نبلغ بذلك. واضاف.. الا انني تلقيت نداء في السابعة من صباح اليوم للحضور الى اجتماع قاعة الخلد!!

– ولكننا تبلغنا بالاجتماع صباح السبت 21 تموز “البارحة”! عند ابتعاد عضو القيادة سألني رفاقي..

– شيء غير معقول.. كيف لا يعرف عضو القيادة بهذا الاجتماع؟ ولكن حين راينا الرفيق “خ . د” احد مسؤولي المخابرات و” أ.د ” عضو  المكتب العسكري وكلاهما عملا في البصرة سابقا توقفت تساؤلاتنا خصوصا وان  “خ ”  كان يلح  بوجوب حضورنا  وليمة أقامها على شرفنا في بيته وانه سينتظرنا حتى  نهاية الاجتماع. عندما دخلنا مكان الاجتماع بدأت المفاجآت فقد كانت القاعة ممتلئة بشكل غير مألوف وقد وصل الهرج ذروته.. لان الدعوة شملت أيضا أعضاء المكاتب الحزبية من مدنين وعسكريين باستثناء “الكادر النسائي”، وقد أثارنا تواجد رجال المخابرات والقوات الخاصة بكامل ثيابهم وأسلحتهم في الممرات على خلاف التعليمات التي لا تجيز دخول غير الاعضاء الى الاجتماعات الحزبية المغلقة.. وبعد دقائق دخل وزير الدفاع وأعقبه وصول صدام حسين يتبعه مرافقه “صباح مرزا محمود” ولاول مرة نراه.. متغطرسا متعاليا وعابسا يمشي بأنفة ظاهرة وقد استقبل بالهتافات والتصفيق وهي حالة مرفوضة وغير مألوفة في الحزب وزاد حضور “المرافق” الشك بوجود ما يريب فكان تساؤلنا هل نحن في اجتماع حزبي او ندوة جماهيرية؟ بعد دقائق ترك الفريق عدنان خير الله وزير الدفاع القاعة فنهض صدام وردد الشعار ثم توجه ليسأل مسؤولي الفروع والشعب عن أسباب غياب البعض من الاجتماع وهي ايضا ظاهرة غير مسبوقة في الحزب وحين انتهي من استجوابه صعد للمسرح ووقف “خلفه” ليبدأ حديثا كأنه أعد سابقا عن الحزب ودوره النضالي وصراعاته.. حيث كان الحزبيون مناضلون حقيقيون وقد تساقط الكثير منهم بسبب الخلافات  التنظيمية وهذا حال التنظيمات في الاحزاب كلها الا أن  حزبنا أستمر.. ثم قطع  حديثه متلفتا الى صدر القاعة وقد رفعت صورة البكر وظلت صورة صدام على الجانب الايسر.. فقال عابسا. من رفع صورة البكر؟ أننا في القيادة القطرية قد أصدرنا قرارا بابقاء صورة البكر مع صورة صدام حسين في المؤسسات الحزبية والادارية مدى الحياة..! ارتفعت الهتافات والتصفيق.. ثم عاد لكلامه.. وتعرفون بان الانشقاقات والتكتلات لا تمزق الاحزاب أنما تمزقها ألخيانة والغدر وقد اكتشفنا مؤخرا وجود ذلك  في حزبنا من قبل بعض القياديين الذين كانوا يعدون مؤامرة كبرى للقضاء على الحزب في وقت كنا مرشحين لتولي السلطة في قطر اخر.. ويقود هذا الانحراف “محمد عايش” بالتنسيق مع  “حافظ اسد” في سوريا  والتمهيد  لدخول لواء مظلي سوري لتنفيذ الانقلاب واعتقال صدام حسين وبقية الرفاق وتعين عبد الخالق السامرائي رئيسا للجمهورية.. توقف صدام عن الكلام واخرج منديلا من جيبه و بحركة مصطنعة راح يمسح الدموع من عينيه فارتفعت هتافات مستنكرة لتتحول القاعة الى مناحة. ثم نهض “علي حسن المجيد” دون اذن  بالكلام وأمسك  بشاربه قائلا: سيدي الرئيس.. ما دام عبد الخالق السامرائي حيا فلن نحظى بالاستقرار ولن تتوقف المؤامرات الا باعدامه..! كانت لحظات مثيرة لا تنسى عندما اختلط الزعيق بالبكاء والصراخ فتحول الاجتماع الى فوضى ولم يتحرك صدام لايقاف التمثيلية..

?>