حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
إحسان وفيق السامرائي: أنزلونا إلى قاعة الإعدام وقالوا: اعترفوا.. ولا نعرف عن أي شيء نعترف؟
في الثامن من آب 1979 أصدرت المحكمة الخاصة قرارها على 32 “مجرما” بالسجن لمدد مختلفة
ارتفعَ الهرج والاضطراب بين الجميع ولا اذكر بعد ذلك غير الانهيار الروحي والاعياء ومشهد رذاذ الدم على يدي وقميصي وقد هيمن الذهول على الجميع .. أصحيح ما راينا..؟ من وسط الضجة والظل لمحت الرفيق “محمد محجوب” وقد تحول شعره الى اللون الابيض.. يخاطب” س . ش.. عندما فوجئ برؤية صهره “رياض قدو” واقفا بيننا….
– أبو رعد.. تره أني مشايف رياض.. ولا يعرف شيئا..؟
ويبدو ان مدير المخابرات تلك اللحظة كان مشغولا في اختيار ضحاياه وقد أهاجته رائحة الدم.. فلم يلتفت للصوت.. بعد بضعة دقائق أعادونا الى أقفاصنا.. ثم عادوا فانزلونا مرة ثانية الى قاعة الاعدام..! فرايت مشهدا اكثر ضراوة.. رجال ممددون على وجوههم وقد نفذ فيهم حكم الموت وتيبس الدم على الخرق التي عصّبوا بها عيونهم.. كان احدهم كما تخيلت “الرفيق بدن فاضل” الذي لم تفارقني ضخامة جسده وملامحه وهو منكفئ على وجهه!! وبدا لي وجه “ن .ح” وهو يتفرج علينا مستمتعا بالاضاحي مثل أي قصاب أنجز مهمته بلا أسف ولا ندم مرددا: اعترفوا والا ستلحقون بهم.؟ ترى عن أي شيء نعترف وهل التفكير بالتغيير الداخلي في الحزب يحتاج الى مؤامرة وقتل.. لقد كانت المرة الاولى في حياتي التي أحضر فيها تنفيذ حكم بالاعدام فظلت الصورة مخيفة قذرة.. منها رحت احاول استذكار المشهد المفزع.. رفاق يعدمون رفاقهم بلا دليل ولا محاكمة.. (رحت أستذكر “ن .ح” وهو يعود خائبا مرة في الناصرية عندما أرسل للتفاوض مع مجموعة متمردة من رجال العشائر.. فظهر أمامه فجأة رجل اسود اللون عار الجسد “يتوزر” بعباءة صوفية سوداء وبيده كلاشنكوف. يهزج.. بوجهه…)
وشلون يسلم لفته وعبد الكاظم لابن الحايك والحداد..
الهوامش التعريفية بالاسماء
1- نعيم حداد.. عضو القيادة القومية.
2- سعدون شاكر مدير المخابرات العامة.
المشهد (2)
كان الدافع لاستذكار ذلك اليوم هو ما ذكرني به وما نشره.. السيد شامل عبد القادر.. في “كتابه مجزرة تموز 1979” الذي روى فيه الاحداث الدامية التي وقعت باعتماده على آراء منقولة عن أشخاص لم يعايشوا التجربة من الداخل فكانت عبارة عن اجتهادات وتكهنات. وارى ان أي تحقيق لا يبنى على وقائع حقيقية لا يمكن ان يوصلنا الى الحقيقة التي ظلت بعيدة عن أذهان الراي العام، وقد وجدت نفسي كشاهد حقيقي عاش التجربة من الداخل أن أبدا في أعادة الذاكرة لما وقع من أحداث وقتل وتعذيب.. وللامانة أقول بان رفاقنا الذين فوجئوا بمؤامرتنا التي أختلقها صدام واجهزة مخابرته ظلوا يعتقدونها حقيقية ويعتقدون باننا السبب في عرقلة تنفيذ الوحدة العراقية السورية. لقد تحملنا فترة الاعتقال وبعد أطلاق سراحنا من رفاقنا ما لم نتحمله من المواطنين العاديين من معاكسات بسبب هذا الشعور فقد كان الكثير منهم قبل الاحتلال يفرون من رؤيتنا لكوننا “متامرين على صدام حسين” واصبحوا بعد الاحتلال يشيرون لنا لكوننا من جماعة صدام حسين؟ لقد أصاب رهاب الخوف.. صدام حسين.. من الحقيقة التي طمرت مع الرفاق لخوفه من ضياع السلطة من قبضته ومن الذين ذبحهم باسم الخيانة وعلى راسهم الرفيق “محمد عايش ومحي عبد الحسين” فمزق الحزب وعبث بمصير الامة العربية وفتح ارض العرب للشعوبية والحركات الدينية المتطرفة وللقوة الامبريالية.. وما زالت في ذاكرتي العشرات من الاسئلة والاجوبة التي أتمنى ان يتحقق الامل في طرحها يوما ليعرف كل مواطن الحقيقة المرة!. لقد حاولت بعد شفائي من الجروح والاصابات والجروح النفسية أن التزم الصمت خلال إقامتي شبه الجبرية التي امتدت عشر سنوات حتى عام 1999 الا انني خاطرت بكتابة بضع صور شخصية عن المحنة خوف النسيان وعدت بعد الاحتلال 2003 لنشر بعضها في الصحف العالمية مثل “الواشنطن بوست” في 8 أيار 2003 و”النيويورك تايم والاومانتيه” التي نقلت عنها بعض الصحف العربية والعراقية بتصرف غير مسؤول مغالطات أساءت إلى الحقيقة وعرضّتني إلى مخاطر عدة عندما أخذت طابعا عشائريا وطائفيا من قبل شرذمة تلبست اليسار بعد احتلال البلاد.
- هوامش “جريدة الواشنطن بوست ” عدد 8 أيار 200 للصحفي الامريكي بيتر سليفن
المشهد (3)
لقد أوعز صدام حسين لمجلس قيادة الثورة بتشكيل محكمة خاصة بموجب قرار “رقم 967” لعام 1979 لمحاكمة المتآمرين برئاسة.. “نعيم حميد حداد” عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي وعضوية كل من.. سعدون غيدان وتايه عبد الكريم وحسن علي نصار وسعدون شاكر وحكمت إبراهيم وعبد الله فاضل.. وفي الثامن من آب 1979 أصدرت المحكمة الخاصة قرارها على المجرمين المدرجة أسماؤهم بالسجن للمدد المبينة إزاء كل منهم وفق الفقرة “1” من المادة “175” من قانون العقوبات واعتبار جريمتهم عادية مخلة بالشرف ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.. وهم: 1- حسن محمود طه 15 سنة. 2- غسان مرهون محمود 12 سنة. 3- كردي سعيد عبد الباقي الحديثي 10 سنوات. 4- إحسان وفيق عبد الله السامرائي 10 سنوات. 5- علي فتحي علوش 10 سنوات. 6- بدر محمد عبد الله ظاهر 10 سنوات. 7- محمد مناف ياسين محمد أمين 10 سنوات. 8- محسن محمد رضا الذهب 10 سنوات. 9- جعفر محمد رضا الذهب 10 سنوات. 10- احمد أبراهيم صالح العبيدي 10 سنوات. 11- صالح فليح كامل الساعدي7 سنوات. 12- عبد المنعم هادي صالح القيسي 7 سنوات. 13- عبد الواحد الحاج معيدي الباهلي 7 سنوات. 14- حامد جاسم طاهر الدليمي 7 سنوات. 15- فارس حسين شهد القره غولي 7 سنوات. 16- سليم شاكر حسن الامامي 7 سنوات. 17- محمد عبد اللطيف محمد علي 7 سنوات. 18- مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي 15 سنة. 19- شكري صبري احمد الحديثي 10 سنوات. 20- طاهر حبيب علي الربيعي 15 سنة. 21- حميد عبد اللطيف وحيّد السامرائي 5 سنوات. 22- صالح عبد الكريم الحمداني 5 سنوات. 23- زهير قاسم شكري 5 سنوات. 24- عبد القادر عبد عثمان الكبيسي 5 سنوات. 25- حمد عايش حمد 5 سنوات. 26- معز كاظم الخطيب 3 سنوات. 27- رياض عبد الرزاق القدو 3 سنوات. 28- طالب حمودي عباس الحمداني 3 سنوات. 29- فاضل عبد الرزاق العبيدي 3 سنوات. 30- علي جعفر حسين 3 سنوات. 31- عدنان يوسف كوشان 3 سنوات. 32- عدنان إبراهيم عبد 1 سنة.
المشهد (4)
في قوانين العالم الوضعية كلها يتعرض المتهم الى التحقيق عن جريمته “السياسية او العادية” فاذا ما أدين خضع السجين الى انظمة السجن الاعتيادية التي تتضمن أسلوب الحياة اليومية من رعاية طبية ومقابلات وغيرها..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة