صلاح الحسن
حدَثني زميل لي عن مصلحة نقل الركاب حيث يقول ان القصة: تعود الحادثة لسنة 1973، حيث كنت وقتها في الصف الأول المتوسط في (الغربية المتوسطة) الواقعة في باب المعظم.. والتي ما زالت لحد الآن في مكانها.. كنت آتي إليها بالباص ذي الطابقين والذي كانت مواعيده مضبوطة بالدقيقة.. كان يمر من منطقتنا في الساعة 7 والثلث صباحا بالضبط. في أحد ايام الشتاء.. كان الجو بارداً.. أعطتني والدتي حفظها الله قبعة من الفرو تغطي أذني كي اتقي بها البرد واوصتني أن لا اضيعها… ولكنني ضيعتها… نسيتها في الباص… كنت مشغولا باللعب والركض في الطابق الثاني مع اصدقائي ونسيتها على الكرسي.. والحقيقة أنني لم اتذكرها نهائيا.. وحينما رجعت إلى البيت سألتني الوالدة (أين القبعة)… حينها فقط تذكرت أني أضعتها في الباص. سيل من التعنيف واللوم صبّته والدتي عليّ، ولم يخلصني من ذلك إلا والدي رحمه الله.. حيث قال لها (بسيطة.. باجر انرجعها). في اليوم التالي توجهنا أنا ووالدي إلى مبنى مصلحة نقل الركاب الكائن في باب المعظم في وقتها امام وزارة الدفاع سابقا ودخلنا المبنى وشرح لهم والدي أنني اضعت قبعة في الباص ذي الرقم 56 صباح البارحة. ملأ والدي استمارة معينة وبحث الموظف في سجل ما ليجد القبعة قد تم تدوينها كمادة ضائعة تم العثور عليها في الباص المذكور، بعدها قادنا الموظف إلى غرفة مكتوب عليها (الأمانات).. فتح قفلها وقال.. (فتشوا عنها هنا( كانت غرفة كبيرة بأبعاد 10 متر × 10 متر أو اكبر… تتكدس فيها أغراض كثيرة جدا، منها الكبير ومنها الصغير… حقائب ومعاطف وأمور أخرى.. أغراض كلها تم ايجادها منسية في الباصات التابعة لمصلحة نقل الركاب. أخذت قبعتي وحافظت عليها إلى أن تهرّأت. إلى هنا تنتهي قصتي… ولكن… أتدرون ما الجميل فيها؟؟ إنه الزمن الجميل الذي كانت تسود فيه الأخلاق والقيم النبيلة لدى المجتمع، لم يأخذ القبعة اي من الركاب.. ولم يسرقها أحد.. ولم يدعِ أحدٌ أنها ملكه…. بل سلّمها مَن وجدها بكل امانة إلى (الجابي) وهو الذي كان يجمع (الكروة) من الركاب، الجابي… ذلك الموظف الحكومي… لم تدنِ نفسه من هذه القبعة برغم تفاهتها.. ولم يحتفظ بها لنفسه برغم ان الأمر هو (لا مِن شاف ولا مِن درى)… ولكنها أمانة الموظف في أن لا يأخذ لنفسه المال العام. الدائرة المعنية… لم تنظر إلى القبعة كمادة تافه لا يستوجب الاحتفاظ بها.. بل ادخلتها في سجلاتها بانتظار صاحبها أن يأتي ليأخذها. أذكر ان والدي رحمه الله سأل الموظف… (منذ متى وهذه الأغراض مكدّسة هنا)، فأجابه الموظف… (بعضها يعود لسنتين او أكثر) فأي نظام كان يسود الدوائر الرسمية في حينها؟!. كانت الحقوق لا تضيع… وكان الأمان هو السائد… لذلك.. كانت الحياة جميلة.. بل جميلة جدا تذكرت هذه الحادثة وقارنتها بالوضع الحالي في بلادنا (المنهوبة) من أولها إلى آخرها.. من شمالها لجنوبها.. فهل يرجع العراق كما كان قبل قرابة النصف قرن؟ لا اعتقد… ومَن يتصور أن حال العراق يمكن أن يصبح كحال زمن القصة التي رويتها فهو حلم.. أتمنى منه ان يستيقظ من حلمة الجميل. هذا عراقنا آنذاك واليوم عراقكم متى يستيقظ!! انا لمنتظرون.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة