حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
عندما اعتقل إحسان السامرائي كان في بداية العقد الثاني من عمره عام 1963
إحسان السامرائي: إن انتقاداتي لأسلوب عمل البعث أدخلتني في مشاكل مع النظام
أصعبُ اللحظات بالنسبة لإحسان وفيق السامرائي، الذي كان مسؤولا بارزا في حزب البعث بمدينة البصرة، كانت في (تموز) 1979 عندما القي القبض عليه وامر بالاعتراف، برغم انه لم يبلغ بالجريمة التي كان مطلوبا منه الاعتراف بارتكابها. يتذكر إحسان انه كان يقف مذهولا مع رفاقه القادة في حزب البعث الذين لم يدركوا في ذلك الوقت ان حملة صدام حسين للتطهير بغرض التخلص من خصومه لم تبدأ بعد. دخل بصورة مفاجئة ضابط بأحد اجهزة الامن وهو يقتاد شخصا معصوب العينين وقال ان هذا الشخص ايضا «لم يعترف بذنبه». قال السامرائي انه سمع الاوامر بقتل الشخص المعصوب العينين «اطلقوا الرصاص عليه». ثم شاهد الحارس وهو يوجه بندقيته الكلاشنيكوف الى عنق المعتقل. شعر السامرائي بالدم والبارود على وجهه وقال ان الحراس اعدموا ثلاثة اشخاص خلال ثلاث دقائق. عند ذلك ابلغ الضابط في جهاز الامن بقية المعتقلين قبل إعادتهم الى زنزاناتهم بأنهم سيواجهون نفس المصير اذا رفضوا الاعتراف. لم يتوقع إحسان السامرائي، الذي كان يؤمن بقوة بأفكار حزب البعث، ان يكون هذا مصيره خصوصا انه انخرط في صفوف الحزب منذ ان كان طالبا في المرحلة المتوسطة عام 1956. وعندما وقع انقلاب 1958 على الحكم الملكي كان السامرائي مراهقا، وكان في بداية العقد الثاني من عمره عندما اعتقل عام 1963 مع مجموعة تابعة لحزب البعث حاولت الاستيلاء على محطة البث الاذاعي في مدينة البصرة خلال اعمال المقاومة ضد الحكومة العسكرية التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت. التقى السامرائي في السجن صدام حسين الذي شاع في ذلك الوقت تورطه في محاولة لاغتيال الرئيس العراقي السابق عبد الكريم قاسم. لم تكن ظروف الاعتقال في ذلك الوقت قاسية وكان المعتقلون يناقشون السياسة باستمرار. اما السامرائي، فقد ابدى اهتماما بوجوده الى جانب البعثي الشاب الذي كان متهما بالتورط في محاولة لاغتيال رئيس البلاد. صدام من جانبه كان يتذكر الاسماء وابدى اهتماما خاصا بالكوادر الدنيا في اوساط الناشطين البعثيين. يتذكر السامرائي قائلا ان صدام، الذي اصبح نائبا للرئيس، قد خصه بهدية ارسلها له مع نادل خلال مؤتمر لحزب البعث عقد في السبعينات. يقول السامرائي ان الرسالة وراء تلك الهدية كانت واضحة وهي انه (السامرائي) يعتبر شخصا مفضلا بالنسبة لصدام وانه يجب ان يشعر بالفخر ازاء اهتمام صدام به خصوصا انه اصبح شخصا مهما في الدولة. ويضيف السامرائي ان الهدية كانت ايضا بمثابة رسالة للآخرين كي يصوتوا لصالح صدام. ويقول السامرائي ان التعامل بينه وبين صدام بات مختلفا تماما بعد ذلك بعد ان بدأ صدام ينظر اليه بصورة مختلفة عما كان عليه الحال في السابق، اذ يعتقد السامرائي ان صدام حسين يعاني من ازدواج الشخصية. كان السامرائي قائدا للواء عسكري بمدينة البصرة عندما استولى البعثيون على السلطة عام 1968. وخلال فترة الـ11 عاما التالية حتى اعتقاله تقلد عدة مناصب في حزب البعث على المستوى المحلي وحصل على عدة ألقاب لكنه يشعر بالحرج في ما يبدو في سردها الآن. كان السامرائي عضوا في المجلس الحاكم ورئيسا لتحرير الصحيفة الرئيسية بمدينة البصرة ومسؤولا عن تحرير مجلة رئيسية فضلا عن كونه مديرا لمحطة البث الاذاعي بالمدينة ونائب قائد ميليشيات حزب البعث، حيث كان مسؤولا عن الاستخبارات. وكان السامرائي شخصية بارزة بالفعل على مستوى المدينة. ويقول سكان البصرة الذين يتذكرون السامرائي انه كان شخصا مهابا وكان مسموحاً له بالإطلاع على وثائق وملفات سرية وعلى صلة وثيقة بقيادة الحزب في بغداد. كما انه لا ينكر انه كان جزءا من جهاز الحزب الذي كان معروفا بوحشيته وقسوته، لكنه اشار الى انه ظل باستمرار يحاول النأي بنفسه عن التجاوزات التي يرتكبها جهاز الحزب. وفي واقع الامر يعتقد السامرائي ان سجنه عام 1979 كان بسبب شكاوى تقدم بها حول خط الحزب. وأضاف قائلا انه كان من الصعب عليه الموازنة بين مشاعره الحقيقية وواجباته. ويقول انه فكر في التخلي عن دوره الحزبي والسفر الى ألمانيا الشرقية سابقا لإجراء دراسة متقدمة في الادب، لكنه لم يواصل دراسته. ويرى انه في ذلك الوقت على وجه التحديد بدأ يشعر بوجود هوة واسعة بين الشعارات المرفوعة والواقع وبين المثل وما امكن انجازه بالفعل. وفي عام 1977 شكا السامرائي من أن المتحف الجديد لحزب البعث في بغداد كان يولي اهمية زائدة للاحداث التي تجري في العاصمة ووسط العراق على حساب المناطق الاخرى، وطالب بأن تكون مدينة البصرة ممثلة ايضا وقدم الكثير من مآثر الجنوب واعماله البطولية. ووصلت آراء السامرائي الى احمد حسن البكر، الذي كان رئيسا للعراق في ذلك الوقت، ووافق فيما يبدو على ما ورد فيها من نقاط، الا ان صدام، الذي كان وقتذاك الرجل الثاني في العراق، استدعى إحسان السامرائي الى مكتبه، فمن الواضح ان البكر ابلغ صدام بتخصيص مكان للبصرة في المتحف، لكنه ابدى غضبا تجاه هذه الفكرة. وطبقا لاعتقاد السامرائي، فإن صدام شعر بأن ثمة تحدياً لسلطته. اعتبر السامرائي ما حدث بعد ذلك بمثابة نقطة تحول في مهنته، فصدام عندما يشعر بما يضايقه فإنه يختزن هذه الشعور ويحمله الى الابد. ودخل السامرائي مع صدام في نزاع اخر، فقد كتب له مطلع عام 1978 خطابا اورد فيه انه من «المخجل» ان يوزع الحزب معلومات مشبوهة واردة من مخبر حول عضو قيادي في الحزب، بل ان السامرائي هدد بالاستقالة وقضى الاسبوع التالي معتكفا في بيته. وقال السامرائي ان مسؤولين في الحزب ارسلوا من بغداد لحمله على العدول عن رأيه، لكنه قال لهم انه يعارض في الاساس مثل هذه «التكتيكات القمعية» وابلغهم بأن «استخدام المخبرين والابتزاز وتكتيكات الضغوط اسلوب فاشي»، بيد ان هذه العبارة صارت ملتصقة به وكأنها ادانة له. واصبح صدام رئيسا للعراق في 16 يوليو (تموز) 1979، وبعد اربعة ايام تلقى السامرائي وزملاء له في البصرة تعليمات بالتوجه ليلا الى بغداد للمشاركة في اجتماع حزبي طارئ، ووصلوا الى العاصمة ليجدوا خليطا من المشاركين بينهم ضباط عسكريون وأعضاء قياديون في الحزب وزعماء عشائر. ودخلت قاعة الاجتماعات مجموعة من الجنود وأحاطت بالمشاركين قبل ان يظهر صدام ويبدأ في إلقاء خطاب حول وجود «مخطط يستهدف الحزب والعراق». اعتقد السامرائي ان الامر لا يعدو ان يكون مجرد عبارات لا معنى لها تستخدم فقط للاستهلاك في مثل هذه المناسبات، إلا ان صدام بدأ في قراءة اسماء من قائمة كانت معه. واقتاد الجنود من داخل القاعة كل من ورد اسمه في قائمة صدام. قرأ صدام اسم السامرائي واقتيد الاخير معصوب العينين الى مبنى في بغداد تعرض فيه المعتقلون للضرب ووصفوا بأنهم «خونة»، بل طلب منهم. «الاعتراف» دون اي نقاش. إلا ان المعتقلين لم تكن لديهم ادنى فكرة عما هو مطلوب منهم الاعتراف به.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة