الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة التاسعة عشرة والأخيرة : منيف الرزّاز.. فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

الحلقة التاسعة عشرة والأخيرة : منيف الرزّاز.. فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

فايز الخفاجي                                                    

 قدرته على الجمع بين الطب والسياسة

لم يرَ منيف أي تعارض في المضمون بين مهنته كطبيب ودوره السياسي. ولكنهما في الواقع تعارضا كثيراً. فكان مرضاه يفتقدونه في عيادته في شارع (بسمان) كلما انتهى به الأمر إلى المعتقل أو اللجوء خارج الوطن. ولكنه مارس الطب حتى في معتقل الجفر حيث كان يستعان به في مستشفى (معان الحكومي) كلما كثرت حالات المراجعين. ولاحقاً سكنا جميعاً في العيادة مقابل البريد في شارع (السلط) حتى يتسنى له معالجة مرضاه وهو تحت الإقامة الجبرية (1963-1965) وهذه من طرائف الحياة السياسية والعلاقات غير المأزومة التي امتاز بها الأردن عن الدول المجاورة. المذهل لنا كأسرة كانت قدرة الوالد على التعامل مع الكبوات والهزائم بنفس رباطة الجأش التي تعامل فيها مع النجاحات، واستعداده للقبول بالنتائج طالما لم يساوم على قناعاته. يذكر مؤنس رحمه الله في بعض كتاباته كيف كان الوالد، عندما يسمع بأن حملة اعتقالات جارية وسوف تطوله، كان وبكل هدوء يعد شنطته بأدويته وملابسه الداخلية ويودع الوالدة ويودعنا ويقف على الباب حتى إذا ما جاءت الدورية يكون حاضراً بانتظارها!.

 

الخاتمة

لقد برز في تاريخ الأردن المعاصر العديد من الشخصيات السياسية التي أدت أدواراً مختلفة تبعاً للتباين فيما بينها من حيث القوة والعزم والتفكير، وكان منيف الرزاز واحداً من هؤلاء، لكونه أمتلك من المقومات ما أهله للوصول إلى منصب أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث في الأردن عام 1959 وهو أعلى منصب حزبي، كذلك شغل منصب أمين سر القيادة القومية لحزب البعث عام 1965 وهو المنصب الأول في قيادة الحزب على مستوى التنظيم القومي. ومن خلال ما بذلناه من جهد متواضع في تتبع سيرة وتاريخ هذه الشخصية خلصنا في كتابنا إلى عدد من النتائج التي يمكن أجمالها على النحو الآتي:

1- أفرزت فصول هذا الكتاب أن منيف الرزاز هو سليل أسرة عريقة استوطنت سوريا ونزحت إلى الأردن عام 1925 وأدت أدواراً واضحة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الأردن فيما بعد ومن هذه الأسرة نهل منيف الرزاز المزايا الحسنة والصفات الحميدة، الأمر الذي ترك آثراً واسعاً في أفاق شخصيته وتفكيره السياسي لاحقا.

2- نشأ منيف الرزاز وهو يدافع عن حرية التعبير عن الرأي ويحمل كرهاً شديداً للاستعمار وسيطرته على البلاد العربية، إذ تجلى ذلك عندما كان طالباً في الثانوية في عمان عندما كان يدعو إلى نهضة الشباب العربي في الدفاع عن هذه الأمة، واشترك في العديد من الندوات عندما كان طالباً في القصر العيني في القاهرة.

3- لم تكن حياة منيف الرزاز بالحياة المستقرة والهادئة إذ كانت مملوءة بالمشكلات السياسية منذ نشأته بسبب نشاط والده السياسي ومعارضته للسلطة الفرنسية وتأييده لثورة 1925 في سوريا، ومن ثم دخوله معترك الحياة السياسية بسبب الاتجاهات الفكرية التي امتلكها من خلال دراسته في عمان والقصر العيني – جامعة القاهرة في مصر واختلاطه بالكثير من الشخصيات والأفكار المختلفة، ولذلك فقد كان لمنيف الرزاز أفكاره الخاصة به، والتي كانت تلاقي الكثير من المعارضة سواء في داخل الأردن أو خارجـه, بل في داخل حزب البعث وخارجه على حد سواء. فكانت حياة منيف العائلية هي المنافي والسجون والإقامة الجبرية تؤازره زوجته المناضلة لمعة صالح بسيسو.

4- لم يكن منيف الرزاز على وفاق سياسي مع الرئيس صدام حسين على الرغم من أنه لم يعرفه عن قرب إلاّ بعد قدومه للعراق عام 1977, وجاء عدم الوفاق بسبب اختلاف منهجية التفكير السياسي لكليهما.

5- كان الدكتور منيف الرزاز يجهل طبيعة عنف البعثيين في العراق لذلك كان منتقداً لبعض سياسات حزب البعث في العراق, وبسبب هذا الجهل والإفراط في انتقاد شخصية صدام حسين أدى إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية.

6- لم يتم إعدام الرزاز بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية عام 1979 وذلك لأن صدام أعدم قبل الرزاز كوكبة كبيرة من قادة الحزب فيما عرف بأحداث (قاعة الخلد) عام 1979, وإذا أقدم على هذه الخطوة سيخسر تأييد البعثيين العرب في خارج العراق والذين تجمعهم بمنيف الرزاز علاقات قديمة, فضلاً أن هؤلاء كانوا على وفاق مع صدام حسين, وهو كان أحوج إلى تأييدهم إعلامياً في حربه التي كان يخطط لها لشنها على إيران.

7- عُرفت شخصية الرزاز بأنها شخصية ناقدة لأي خطأ ومنها الأخطاء التاريخية التي ارتكبها حزب البعث في مراحل تاريخية مختلفة فخلقت هذه الانتقادات أعداء كثر له.

8- كان أهم كتاب سبب لمنيف الرزاز مشاكل سياسية بين البعثيين وخلق له عداوة مع بعضهم هو كتابه (التجربة المٌرة), وكان صدام حسين بالذات ممتعضا من هذا الكتاب, لما أحتوى من نقد جارح لفكر حزب البعث وتجربته.

9- على الرغم من متانة العلاقة الشخصية التي جمعت الملك الحسين بن طلال وصدام حسين إلاّ أن الأخير رفض وساطة الملك الحسين بن طلال لإطلاق سراح منيف الرزاز, لأن صدام كان لديه حدس بأن الملك حسين لن يستطيع أن يمنع الرزاز في الأردن من التصريح ضده, أو يكبح جماحه, لكون الرزاز شخص لا يخاف وانتقد صدام أمامه, فكيف أذا أصبح طليقاً, فضلاً على أن الملك حسين لم ينجو من انتقادات الرزاز له ولنظامه, فسجنه في الأردن عدة مرات ووضعه أيضاً تحت الإقامة الجبرية ولكن كلها كانت دون جدوى فكيف سيضمن الملك حسين سكوت الرزاز عن صدام وهو لم يضمن سكوته عن انتقاده له ولنظامه وكان واضحاً أن إصداره لأكثر من عفو بحق الرزاز لم تمنعه من الجهر بآرائه المعارضة للنظام الملكي الهاشمي في الأردن.

10- ترك منيف الرزاز تراثاً فكرياً قيماً متمثلاً بكتبه ومقالاته التي كتبها ودّون فيها آراءه السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أشر فيها على مواطن الخلل في المشروع السياسي والفكري العربي, محاولاً تقديم الإصلاح لمظاهر البؤس في المجتمع  العربي.

?>