محمد حسن الجابري
كل خطوة خطاها أستاذنا الكبير حسين علي محفوظ, ملأت عقول تلاميذه علما وفكرا… فالرجال على طول طريق العلم والثقافة والمعرفة, وقفوا ويقفون تحت إجلال وإكبار, لذلك الإنسان الذي وهب نفسه للمعرفة وخدمة الأجيال… فتابعت خطاه… وتابعت كل كلمة تفوه بها… دونتها في دفتري, فكان لدفتري أثر مهم في نفسي, وكنت أطمح أن يأتي الزمن المناسب لطباعة ما في هذا الدفتر من ملاحظات ومدونات. وكان كتابا وبعد مرور ما يقرب من خمسين عاما… فكانت من أسمى المبادئ التي يحياها الفرد هي الأمانة والوفاء… وهذا ما كنت وسأبقى عليه من أمانة ووفاء لكل أساتذتي في كلية أصول الدين, الذين زرعوا فينا نوايا الخير, تلميذا في كلية أصول الدين رأت صورا وألوانا من هذا النوع, ظهرت بين الأساتذة المدرسين وبين تلاميذهم… إنها كانت مسوح التنسك وقوة الخير ودوافعه وانتصار النفوس المؤمنة المجاهدة, فذلك وعد الله ولن يخلف الله وعده. والوعد الذي كان بين الأساتذة وتلاميذهم هو وعد الأمانة والوفاء… الوفاء الذي هو شجرة وارفة من صنع الله, أراد لها أن تكون فكانت… كانت زرعا يانعا قد زرعها أستاذنا الكبير حسين علي محفوظ, كانت دراية في علم الحديث وأصوله, وهو علم يبحث فيه عن متن الحديث وطرقه… وموضوعه:
ما يقبل من ذلك ليعمل به وما يرد منه ليجتنب عنه… هذه المواضيع أملاها علينا ونحن تلاميذه في كلية أصول الدين لأربع سنوات. وهنا كان اللقاء… لقاء الناطقان باسم مشروع ثقافي, وباحثان عن الحقيقة, وكاشفان لها, حسين علي محفوظ وكلية أصول الدين. أما نشأت الكلية وتحت عنوان “كلية أصول الدين” فالغاية كانت تتمثل في طبيعة المجتمع الذي اخذت تنقصه الدراسات الدينية المنهجية في علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعقيدة الإسلامية, مما دفع للمعنيين بهذه العلوم إلى تأسيس هذا الصرح العلمي لسد هذا النقص والبحث عن أسباب هذا الدمار الذي تمثل بالمد الفوضوي الذي أحذ يتسرب من وراء الحدود وبقيادة أحزاب فوضوية وأحزاب مزيفة للشعارات متحللة أخلاقيا وفكريا ووطنيا, وأخذ هذا المد يجرف قسما من الشباب تحت رايات وشعارات عدة وذلك نتيجة الفراغ العقائدي الكبير وابتعاد الشباب عن العقائد الإيمانية وقلة وجود مرشدين تسلحوا بعقائد الصدق الوطنية المنبعثة من إرادة أمة حملت رسالة الخلود, لهذا كله تأسست “كلية أصول الدين” مبرة بمناهجها عن ضمير ووجدان أمة لخلق شباب مؤمن صامد تجاه كل الأفكار الفوضوية والغوغائية الإرهابية ليحملوا رسالة التسامح والمحبة والسلام الذي تدعو إليه عقيدة الإسلام.
وضعت الكلية شروطا لا بد من الأخذ بها لقبول الطلاب, على أن يخضع هذا الطالب عند قبوله في الكلية كأحد تلامذتها أن يتصف بحسن سلوكه الإيماني والأخلاقي وأن يتكفل قبوله من قبل وجهاء معروفين لدى إدارة الكلية, لهذا كان طلاب الكلية جميعهم يتصفون بثقافة عالية وبمعرفة بعلوم الحياة, فكانت العلاقة ما بين أساتذة الكلية وطلابها بمستوى لا يتمثل في أي مؤسسة علمية أو معهد علمي بما تمتاز من حسن التعامل والاحترام المتبادل, لأن أساتذة الكلية كانوا ممن امتازوا بعلو العلوم والمعرفة وحسن التعامل مع طلابهم داخل الكلية من هذا كله خرجت الكلية كوادر علمية امتازوا بالإبداع والتطور الفكري لخدمة مجتمعهم ووطنهم ورسالة أمتهم.
ولي الحق أم أتشرف بأساتذتي الذين كان ممن قال الله فيهم: (ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا). رحم الله أولئك الأساتذة, بدءا من عميد الكلية السيد مرتضى العسكري إلى الأساتذة ومنهم الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم وشقيقه السيد محمد باقر الحكيم, والشهيد الشيخ محمد باقر ألخالصي والشيخ علي الصغير, والشيخ مهدي السوداني, والدكتور إبراهيم السامرائي, والدكتور أحمد حسن الرحيم, والدكتور عبد الله الفياض, والدكتور عناد غزوان, والدكتور حسين علي محفوظ, رحمهم الله جميعا, هؤلاء وغيرهم ممن درسوا في الكلية وكانوا ممن اصطفاهم الله وكانوا من السابقين في الخيرات رحم الله الجميع وخلدت ذكراهم عند تلاميذهم, وبخاصة وفائي لأستاذي الدكتور حسين علي محفوظ… من خلال أربع سنوات من تدريسنا مادة علم دراية الحديث, كنت أسجل كل ملاحظة وكلمة يرويها في دفتر خاص أثناء ما كان يروي محاضراته التي يلقيها إلينا… ففي نهاية السنة الأخيرة واجهت أستاذنا.. قلت له.. دكتور هذا الدفتر الذي أحمله سجلت فيه كل ما كنت ترويه لنا في محاضراتك وخلال أربع سنوات مضت… أجابني مبتسما.. أخاف تكون مثل تلاميذ سيبويه, عندما سجل كل ما كان يرويه على تلاميذه من معلومات, وأخيرا سرقها تلاميذه واعتبروها من تأليفهم… أجبته: لا والله دكتور.. سأبقى محافظا عليها باسمك حتى إن مرت أربعين سنة عليها باسمك.. ابتسم وقال: بارك الله فيك يا ولدي.
كان الدكتور حسين علي محفوظ, مصدرا تنبعث منه كل التعاليم والقيم السامية الكريمة… ولد في مدينة الكاظمية المقدسة, وتعلم في مدارسها ومدارس بغداد, وتخرج من دار المعلمين العالية, وحصل على بكالوريوس آداب في اللغة العربية سنة 1948, ونال الدكتوراه في الآداب الشرقية من جامعة طهران سنة 1955م. اطلع على أصول التاريخ والأدب والثقافة في بيته, وقرأ مقدمات المنطق والأصول, وطالع شيئا من كتب علوم القرآن وعلم الحديث والتفسير والفقه والأدب واللغة والأخلاق والفلسفة والفلك وغيرها في خزائن مكتبة أسرته. اهتم بالحديث منذ الصغر وحرص على رواية الأحاديث, وقد استجاز العشرات من المراجع والمجتهدين والفقهاء والعلماء والمحدثين, على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم, لا يفرق بين المذاهب. وله (جنى الجنتين) في إجازة المراجع والمجتهدين العلماء والطالبين, كتبها سنة 1419هـ. وله إجازات خاصة لكثير من تلامذته في رواية الحديث والأخبار, تاريخها 22 شهر ذي الحجة سنة 1421هـ. تخرج عليه مجموعة كبيرة من أساتذة وفضلاء, إضافة لأعداد غفيرة من المثقفين وأصحاب القلم. ترك العلامة محفوظ عشرات الكتب القيمة ومئات المقالات العلمية, وأن اغلب كتبه ام تنشر بعد, وهي ما زالت مخطوطة.
والدكتور محفوظ عالم في الأنسكلوبيديا, شامل, تشهد له الكثير من دول العالم, ولبحوثه ودراساته الصدارة وكل ما يتصل بالبحث العلمي, فقد ضمت أفكاره وآراؤه التي نالت إعجاب الكثير من المثقفين العرب والأجانب ممن كتبوا في تراث أمة العرب العريقة كما أنه نال إعجاب وإكبار المستشرقين, ولهذا أسبغ عليه أحد المستشرقين السوفيت لقب أستاذ المستشرقين كما أنه كان أحد أعمدة المجالس الثقافية في بغداد, وكان له الدور في تأسيس العديد منها… إنه شيخ بغداد في العلم والمعرفة والشعر والأدب والتاريخ عضو المجامع العربية والأجنبية, فهو عضو المجمع المصري والسوري واللبناني والإيراني والهندي والجمعية الأدبية في لندن وموسكو وأذربيجان… لقد تعلمنا من محفوظ الحب أجمل ما نعطي وأجمل ما نأخذ وبكل ما تعني هذه الكلمات. وأن مكتبته التي ورفها عن أسرته العريقة الكريمة تعرضت للاعتداء والنهب سنة 1972م, من أجهزة الأمن الصدامية, يقول الدكتور محفوظ عن هذه الحادثة الكارثية لمكتبته: “سرقوا المخطوطات, وسلبوني سلبا, وقد تعرضت للنوبة القلبية لما اعتدوا على البيت. وأخذوا المخطوطات غصبا, وسرقوا عينتها ونهبوها نهبا وسلبوها سلبا في عام 1972, وما زلت عليلا مريضا مهيضا, منذ ما يزيد على ثلاثة عقود, ولله الحمد”. وهكذا كان عمل الغوغاء المهازيل الذين كانوا يحتاجون أما إلى العطاء وأما إلى التأديب.. لأنهم زعانف مرتزقة ليس لهم من أخلاق, ولا حفظا لتراث. توفي الدكتور حسين علي محفوظ في مستشفى ابن البيطار ببغداد مساء يوم الاثنين 19/1/2009, 22 محرم 1430هـ, وشيعته الجموع, صباح اليوم الثاني من مغتسل الكاظمية إلى الصحن الكاظمي الشريف, وأنزل إلى ملحودة قبره في إيوان طارمة المراد, يسار الداخل إلى الرواق من الباب الرئيس, كل ذلك بوصية منه.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة