الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة الخامسة عشرة : منيف الرزّاز فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

الحلقة الخامسة عشرة : منيف الرزّاز فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

فايز الخفاجي

ويَرى الرزاز أنه ليس ثمة طبقة يمكن أن تزعم أنها تقوم بالثورة من أجل مصالحها هي فحسب، وإلا قضت على ثورتها بنفسها، وإنما هي تزعم أنها تقوم بثورتها من أجل مصلحة (المجتمع) كله، لذلك تستمد القوة من جميع الطبقات غير المتلاحمة مع الطبقة المتحدية. كذلك، يندر أن تكون هناك ثورة صافية موجهة نحو غرض معين بذاته، من دون أن تداخله أغراض أخرى مرتبطة به، وتداخل هذه الأغراض يدفع فئات كثيرة وطبقات متعددة، غير  الطبقة  المعنية بالذات إلى الاشتراك بالثورة أو مع الثورة، كما يدفع بعض فئات الطبقة المعنية إلى الابتعاد عن الحركة التاريخية لطبقتها. ومن ناحية أخرى، لأن الثورة حركة تاريخية عنيفة وسريعة، وهي بذلك متسارعة التطور والتغير والتبدل، قبل الثورة وأثناءها وبعدها، فإن تركيب حركة التحرر القومي معرَّض للتغير في كل مرحلة من مراحل الثورة، قبل الثورة وأثناءها وبعدها. إن كثيرا من أسباب التحضير للثورة يقوم بها المثقفون، ولكن المثقفين قلّما يبدأون ثورة، وقلّما يكونون في صميم قوتها الضاربة العنيفة، هم في المقدمة أثناء التمهيد للثورة، وفي الصفوف الجانبية بعد قيامها أما الفلاحون، فهم قد يبدون في البلاد المتخلفة أكثرَ الطبقات استسلاماً، لكنهم، في الواقع، أكثر الطبقات قابلية للاشتعال، فهم يخوضون حركات عصيان عفوية من دون تردد كبير، وهم سرعان ما يصبحون، إذا ما عمت الثورة، أول من يطرح استسلامه الظاهري، وأول من يستجيب إلى العنف الثوري ليصبحوا وقود الثورة الحقيقي وسندها القوي.

هذا القانون العام، صادق وحقيقي في أساسه، إلا أن (الشعب) في هذا القانون يبقى، بنظر الرزاز، مادة التغير في الحركة القومية. والشعب هنا، بحسب الرزاز، غير الأمة. فالأمة تجمع كل من ينتمي إلى الرابطة القومية، بينما الشعب هو ذلك الجزء من الأمة المعادي للاستعمار والتخلف. كما أن كلمة (الشعب)، إنما هي تعبير تاريخي. وهي بذلك لا تمثل بالضرورة الجزء نفسه من الأمة في جميع مراحل نضالها. وإنما هي تعبير يطرأ على معناه التغير بتغير مراحل النضال. الشعب بهذا المعنى الجامع الواسع، هو طرف المعادلة في التناقض مع الاستعمار. فالاستعمار ليس موجهاً ضد طبقة بالذات في المستعمرات، وإنما هو يصيب الشعب، بكل طبقاته، بالاغتراب والتمييز العنصري وبقية خصائص الاستعباد والاستغلال, فالشعب، بكل طبقاته، مضطهَد، والشعب باستثناء شريحة عليا صغيرة، كله محروم، وكل اقتصاده تابع للمستعمِر. ولقد أدرك (ماوتسيتونغ)، وهو يقود الثورة الصينية ضد الاستعمار وضد التخلف، هذه الحقيقة، فالشعب الصيني، مثله مثل أي مجتمع طبقي في الدنيا، يمكن أن يقسَّم إلى طبقات. لكن ماوتسيتونغ أدرك أيضاً أن ما يجمع بين هذه الطبقات في تناقضها مع الاستعمار أكثر بكثير مما يفرق بينها، باستثناء الشريحة العليا، البرجوازية الكبيرة، التي لا يمكن على الإطلاق أن تنسجم أهدافها مع أهداف الثورة الوطنية، وهي، منذ البدء حتى النهاية، تقف مع الإمبريالية وتشكل الركيزة الأساسية لأعداء الثورة.

إن الحركة القومية التحررية، وبعد أن تحقق الاستقلال السياسي وتطرد الاستعمار، لا يجوز لها بنظر الرزاز، أن تتوقف عند هذا الحد، وإنما يجب عليها أن تستهدف التحرر الاقتصادي والمالي والعسكري، وأن يكون لها محتوى طبقي. ذلك أن الاستقلال السياسي للبلدان المستعمرة، خلق طبقة برجوازية جديدة اعتمدتها الإمبريالية، وربطتها بمصالحها، وأتاحت لها كل الفرص لتتسع وتعمق جذورها, فخلقت ما يسمى (البرجوازية الطفيلية) وسلّمتها مسؤولية الدفاع عن أهداف الإمبريالية ومصالحها في مستعمراتها السابقة، في ظل شعارات قومية ودينية وديمقراطية وتنموية، تغطي الأساس الاستغلالي والاستعلائي لغاياتها الطبقية، والمصالح الإمبريالية حليفتها. بهذا، يتجذر الوعي السياسي والاجتماعي عند الجماهير الشعبية في مرحلة الاستقلال السياسي، ويصبح الصراعُ بين هذه الطبقة الكادحة من جهة، وبين البرجوازية الطفيلية المحلية والبرجوازية الاستعمارية المتحالفة معها من جهة أخرى. هذه الوضعية تحتم على الحركة القومية التحررية إنهاء البنية الرأسمالية التي أوجدها الاستعمار وتطبيق الحل الاشتراكي، حيث أصبح من الصعب على الحركة القومية التحررية الإبقاء على الاستقلال من دون طرح الاشتراكية بوصفها مهمة أساسية. هكذا وُلدت الحركة القومية، فأصبحت، في نظر الرزاز، تستهدف تحرير الاقتصاد القومي وتحرير الثروة القومية، بالقضاء على الطبقة البرجوازية المرتبطة بالنظام الرأسمالي، عبر جماهيرها الكادحة، وهي مضطرة إلى ذلك حتمياً، لكي تعيد النظر في نظامها الاجتماعي. ذلك أن التحدي هنا لم يعد داخلياً محضاً، ولم يعد التحدي خارجياً محضاً، وإنما التحمَ التحديان ليصبحا تحدياً واحداً ذا وجهين متداخلين أشد التداخل، مندمجَين كل الاندماج، وأصبحت معركة التحرر بذلك داخلية خارجية في آن معاً، وأرتبط التحرر القومي بالتحرر الاقتصادي بالتحرر الاجتماعي ارتباطاً يجعلها جميعاً معركة تحرر واحدة ذات وجوه مختلفة، ولكن ملتحمة مندمجة كذلك كل الالتحام وكل الاندماج، وبذلك يصبح الصراع صراعاً طبقياً قومياً واحداً لا انفصام فيه بين ما هو قومي وما هو طبقي. من كل ما تقدم نستطيع القول إن فهم منيف الرزاز للصراع القومي، أتخذ طابعاً طبقياً موجَّهاً ضد البرجوازية والاستعمار المختبئ وراءها، فالاستعمار وظهور الإمبريالية، عاملان حاسمان في بروز كل من الصراعين الطبقي والقومي. إن الصراع الطبقي موجود أصلاً في المجتمع، إلا أن الإمبريالية جاءت ونقلته إلى وضع جديد، بتحديد مهمته حمايةً لمصالحها الاحتكارية، بحيث أصبح هذا الصراع (الطبقي) أساسياً وعدائياً لا يمكن تأخيره. في ضوء ذلك، فإن الحركة القومية التحررية في فلسفتها، عند الرزاز، حركة تغيير ثوري للمجتمع على طريق الاشتراكية في سبيل إنجاز مهمتها التاريخية في التحرر القومي والاجتماعي، وبهذا فإن الرزاز أخذ الماركسية، خصوصاً ماركسية (ماوتسيتونغ) القومية، ماركسية معادية للاستعمار والإمبريالية، إنها فلسفة قومية ماركسية تحررية. في جميع البلدان التي تعرضت للاستعمار بشكل مباشر أو غير مباشر الرفض الأول والأساسي موجه ضدّ الاستعمار فالتحدي الاستعماري هو العامل الأساسي الذي حرك المجتمع الراكد منذ مئات السنين وخلق فيه ردّ الفعل على التحدّي. من هنا كان التناقض الأساسي في مثل هذه البلدان هو بين الاستعمار والقوى المناضلة ضدّ الاستعمار أي أن الصراع في أساسه هو صراع قومي؛ فكان بالنتيجة النضال مجسداً لحركة قومية مناضلة ضدّ الاستعمار. في عصور التخلف الطويلة تضيع الهوية وفي النضال ضدّ الاستعمار الواضح الهوية يجب أن تتضح هوية المناضل ويطرح الشعب المناضل على نفسه السؤال: من نحن؟ ما هويتنا؟ ولقد أجابت ظروف الصراع التاريخي نفسها على هذا السؤال: نحن عرب وكانت وحدة اللغة والتاريخ والأرض الأساس الذي بنيت عليه وحدة الأمة العربية. ووحدة المصالح الاستعمارية على رغم اختلافات دول الاستعمار الجزئية فرضت على الأمة العربية الوعي على وحدتها فوحدة العدو كانت السبب في إدراك وحدة الذات وحدة المعركة: معركة المصير الواحد.

إن معركة النضال ضد العدو المشترك سلخت مسألة وحدة الأمة من مستواها النظري لتضعها في مستوى النضال الثوري الإيمان بوحدة الأمة لم يعد إذاً مسألة نظرية لقد أصبح هدف النضال هو الوحدة العربية وأصبحت وسيلة النضال هي النضال العربي المشترك. ختم الدكتور منيف الرزاز فلسفة التحرر القومية بمواجهة التحدي الاستعماري. ومن المؤكد أن الأممية التي تلغي دور القومية المتحررة ليست طريق تحقيق العالم الواحد، وإنما طريق العالم الواحد، طريق الأممية الحقيقية، هي طريق القومية المتحررة المناضلة ضد أي تدخل تعسفي من أية قوة عالمية في شؤون الشعوب المتطلعة إلى الحرية. فإذا أخفق العالم حتى الآن في الوصول إلى طريق تحقيق العالم الواحد، فلأن حلم البرجوازية بهذا العالم يتضمن نقيضه، ولأن التطبيق الاشتراكي أغضى عن الحقائق التي تخلق يومياً أمام  عينية. فالعالم الواحد لا يتحقق مع وجود الاستعباد والاستغلال، كما لا يتحقق في ظل فرض نماذج جاهزة من المجتمع، هي نفسها بنت ظروفها وأوضاعها التاريخية، على أمم ومجتمعات مختلفة في معطياتها الحضارية وظروفها التاريخية، بقوة مفروضة من الخارج، ولو تضمنت أحسن النيات. وبذلك تمكن الرزاز من كشف بعض المشاكل الحقيقية التي تواجه تحرر الشعوب على المستوى القومي آنذاك ووضع فلسفة واضحة المعالم في هذا الجانب.

?>