حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
العميد نزار الخزرجي لوليد سيرت: نحن غير أوفياء للشايب منذ فترة النضال السري!
العميد نزار: فاضل البراك ذبح الخرفان قربانا لسلامة موقفي من المؤامرة المزعومة
استلمَ صدام حسين مسؤولية رئاسة الحزب والدولة من الرئيس احمد حسن البكر بادعاء مرضه ورفضه الاستمرار في تحمل المسؤولية وحدث ما حدث من اتهام بعض اعضاء القيادة وكوادر للحزب بالتأمر مع الرئيس السوري حافظ الاسد للانقلاب على صدام حسين واستلام السلطة, والرفاق اعضاء القيادة هم عدنان الحمداني ومحمد محجوب الدوري ومحمد عايش ومحيي عبدالحسين مشهدي وغانم عبدالجليل وعبد الخالق السامرائي الذي كان في السجن منذ مؤامرة ناظم كزار في عام 1973 واعداد اخرى من كوادر الحزب وقادته, اعدموا جميعا بعد تحقيق قصير. لم نكن نعلم بهذا الحادث بعد, وكنت قد عدت من اجازتي ومررت بقائد الفيلق اللواء وليد سيرت للسلام عليه قبل ذهابي الى مقر الفرقة في السليمانية, وكان يمارس الرمي في ميدان الرمي الصغير الذي بناه خلف غرفة القيادة مباشرة لتسهل عليه ممارسة الرمي, وكان بطل الجيش في رمي المسدس, فالتقيته هناك وقمنا بالرمي معاً, وكانت نتائجه افضل من ما حصلت عليه بكثير. وعندما انتهينا قال لي (نزار اننا غير اوفياء), فاجبته (غير اوفياء لمن؟؟). قالها بتأثر (غير اوفياء للشايب منذ فترة النضال السري).. كنا نطلق على احمد حسن البكر لقب الشايب لكبر سنه قياسا على شباب الحزب, فقلت (غير اوفياء كيف؟). قال (اليس من الوفاء والواجب ان نزوره بعد خروجه من المسؤولية؟) فقلت (ابو خالد رتب ذلك ونذهب معا في اي وقت تختاره), فانفرجت اساريره وقال (حسنا سوف اعمل على ذلك ونذهب الى زيارته), ثم قال (اسمح لي سأبدل ملابسي ثم نذهب للغداء). فتركته وذهبت الى غرفة رئيس الاركان العميد الركن عبد الستار المعيني, وفي هذه الاثناء انفتح باب مدخل مقر الفيلق بعنف, ودخلت مجموعة من الرفاق من تنظيمات الحزب العسكرية, وفي مقدمتهم الرفيق نوري الحديثي امين سر التنظيم وكان يبدو عليه التوتر والعصبية, ومن دون سلام صاح (اين وليد؟). فأشار العميد عبد الستار بيده الى غرفته وقال (في غرفته) فأندفع الجميع الى غرفة قائد الفيلق وبعد اقل من دقيقة خرجوا وكانوا يقتادون اللواء وليد وهو عاري الرأس ومقيد اليدين. نظرت الى العميد الركن عبد الستار المعيني, وقلت (ما هذا؟) فبسط عبد الستار يديه باستسلام وقال بذهول (لا ادري) استدعيت سائقي وعدت مسرعا الى فرقتي في السليمانية. بعد وصولي الى السليمانية كانت الاخبار قد بدأت تتوارد عن مؤامرة واعضاء قيادة مشاركين واخرين من كوادر وعسكريين كبار. واخذوا احدهم بحضورنا منذ ساعات, وماذا بعد؟ وماذا كان وليد يقصد بقوله (اننا غير اوفياء) لاننا لم نزر البكر الذي ترك الرئاسة بخياره, لكن هل كان بخياره حقا؟ وما معنى كلام وليد اذا؟ وهل يمكن ان يكون اخذ موافقتي على الذهاب قد جعله ان يعتقد اني معهم؟ وهل سيعترف بذلك اذا سئل؟ هل سأعتبر اني مشارك معه؟ تداعت علي كل هذه الافكار التساؤلات وكانت تدور في خلدي وانا احاول استرجاع السويعات الغريبة الماضية. استمر توارد الاخبار واسماء تظهر وبعضها قريب مني. رن جرس الهاتف وكان فاضل البراك على الجانب الاخر وسأل (هل تكلم وليد معك بشيء؟), فقلت (بشيء ماذا؟) قال (اي شيء يدل على نيات غير طيبة؟) اجبته (ابدا), قال (الحمد لله). كشفت الاسماء في اليوم التالي وحوادث المؤامرة كما رويت, ومع ذلك كان هناك مزيد من الاعتقالات. اتصل بي البراك مرة اخرى, وطلب مني ان اتذكر ان كان وليد قد قال لي في يوم من الايام او لمح لي عن علاقته بأي من الذين سمعت اسمائهم؟ قلت (لا ابدا), قال (هذا جيد جدا) في اليوم الثالث تلقيت اتصالا من سكرتير وزير الدفاع للحضور غدا الى ديوان الوزارة. تركت مقري في طريقي الى بغداد وانا اقول ما الذي ذكَر الوزير بي الان ليستدعيني؟ السبب على الاغلب له علاقة بما حدث. كانوا يعرفون ان وليد صديقي وان لم يكونوا يعرفون, فلا بد من ان نوري الحديثي قد اكد لهم ذلك. هل تكلم وليد عن لقائنا الاخير؟ وهل يفسر ما قاله تآمراً؟ انما قلته آن ذاك لم يكن الا وقفة وفاء كما قالها وليد نفسه, ولم افكر لحظة واحدة انها خطوة في طريق التآمر. وهل هناك من هو اقرب منه الى النائب والوزير؟ من كان يصدق انه يتآمر عليهما, وماذا سأقول للوزير غدا ان سألني على ذلك؟. ادخلني السكرتير على الوزير حال وصولي, فأديت له التحية وقام وصافحني ودعاني الى الجلوس, وقال (عميد نزار نحن نثق بك وبكل الاخوة القادة والرفاق, ولكن ما حدث كان من اقرب الرفاق الينا وانا اعرف علاقتك بوليد وصداقتك له, واريد ان اعرف ان كان قد فاتحك او لمح اليك بشيء مما تورط به, وبالتالي هو قائدك وعضو المكتب العسكري, وقد تعتبر ما يقوله امرا حزبيا وعسكريا؟) كان الوزير يتكلم وعيناه مركزتان في وجهي. كنت اتوقع هذا السؤال وقد تهيأت له فلم اجاوبه على الفور بل جعلته يعتقد بأني افكر في سؤاله, وبعدها قلت (سيدي الوزير, وليد سيرت كان قائدي وعضو مكتب الحزب, ونحن نعرف كم هو قريب منكم وكنا ننتظر تعيينه لرئاسة اركان الجيش في اية لحظة. لذلك لو ان وليدا اصدر لي امرا ايا كان لنفذته واعتبرته صادرا عنكم, والان بعدما حدث اشك في اني سأنفذ اي امر يصدره قائد فيلقي او الحزب لان ذلك قد يفسر تآمراً), قال الوزير (لا أبدا تعملون وفق النهج الذي نعرفه, ولم اقصد بكلامي الا التأكد من انه لم يلمح او يقل شيئا, وثقتنا بك وبرفاقك القادة عالية), وبأدبه الجم المعروف عنه قال: (تعدينا عليك واستدعيناك من السليمانية فخذ لك بضعة أيام ترتاح فيها مع العائلة). عندما وصلت الى البيت اخبروني بأن فاضل البراك اتصل مرات عدة وطلب ان اتصل به حال عودتي فاتصلت, وقال (انا قادم في الحال), جاء ومعه عجلة وفيها عدد من الخرفان وقصاب وقاموا بذبح الخرفان قربانا لسلامتي من هذه المحنه وقال فاضل (لا تتصور كم كنت قلقا عليك, وتكلمت مع صدام واكدت له انك ليس من النوع الذي يتآمر علينا بوليد او غير وليد فاقتنع, وكلف الوزير ان يتأكد من ذلك).. وبهذا فقد العراق احد قادته الاكفاء الشجعان ولا يعلم احد لحد الان ما الحقيقة, فلم تنشر او تعلن اية معلومات حول تلكم الاحداث الاليمة).
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة