الخميس , أبريل 30 2026
?>
الرئيسية / اراء وتحليلات / المواطن العراقي اللا منتمي

المواطن العراقي اللا منتمي

د.سعدي الابراهيم

 إن غريزة حب الاجتماع، التي يتميز بها الانسان عن غيره من المخلوقات، تعني من جانب اخر، الانتماء الفكري والعقائدي للجماعة ايضا، فيتحقق الشرطان: الانتماء المادي والانتماء المعنوي، وعلى هذا الاساس تأسست التجمعات الانسانية، بعضها كان عشوائيا او تلقائيا، كما هو حال الانتماء الديني، وبعضها الاخر كان منظما كما هو حال الانتماء للأحزاب السياسية. وبقدر تعلق الامر بالعراق، فبالإضافة الى الانتماء التلقائي للأديان والمذاهب والقوميات، فقد كانت هذه البلاد في بعض الفترات ساحة للانتماءات السياسية، تيارات وأحزاب وقوى سياسية متعددة: شيوعية وقومية وبعثية وناصرية ودينية، لذلك لم تكن مسألة الحياد متاحة. بل إن النظام السياسي لم يكن يتوانى عن التصريح بان جميع العراقيين منتمين للحزب الحاكم، حتى لو لم يرغبوا بذلك. اما بعد عام ٢٠٠٣، ففي الغالب الاعم، فإن الوضع بات مختلفا، حيث صار الانتماء إلى التيارات السياسية لا يقوم على أساس المبادئ او البرامج التي يؤمن بها، بل على أساس الدين أو المذهب الذي يدعي الحزب الفلاني تمثيله. هذه الحالة السلبية كانت واضحة في المرحلة الأولى التي أعقبت التغيير الذي شهده العراق. لكن الجماهير التي قبلت بهذا الانتماء تراجعت، أو لنقل تراجع الكثير منها، حتى ظهر لدينا نوع جديد من العقيدة الشخصية للمواطنين، وهي اللا انتماء، المواطن اللا منتمي لم يعد يعجبه شيئا، ويفضل ان لا يتبع أحدا. وأسباب العزوف عن الانتماء كثيرة، ولعل من أهمها الاتي:

1- عدم الصدق في المبادئ: اغلب القوى السياسية لا تؤمن بالمبادئ التي تنادي بها. هناك بون شاسع ما بين الشعارات وما بين التطبيق. لهذا نفر منها الشعب وابتعد عن الانتماء الرسمي لها.

2- الأحزاب غير الجماهيرية:  اغلب الأحزاب العراقية، ليست احزابا جماهيرية. وهي مغلقة على نفسها، في كل حزب مجموعة من الأعضاء لا يتغيرون إلا عند الموت. وبالتالي توقفت عملية دوران النخبة المفترضة فيها.

3- عدم الجدوى من الانتماء: ليس كل المنتمين تدفعهم القناعة، بعضهم ينتمي بحثا عن مصلحة ذاتية مثل: التعيين، المكانة، الأموال، الحماية. وبالتالي في حال عدم توفر هذه الأشياء يعزف الكثير من الناس عن عضوية الأحزاب.

4- كثرة التوجهات المطروحة: قد يكون المواطن في حيرة من أمره، ففي البلاد مئات الاحزاب، وبالتالي من الصعب اختيار واحد منها فضلا عن الانتماء له.

5- انتهاء عصر الأيديولوجيا: التفكير الانساني اليوم بات يحكمه الاقتصاد. لم تعد المبادئ والفلسفات الحزبية تفعل فعلها القديم، هذه الحالة بدأت بعد الحرب الباردة، وتكرست في أعقاب الثورة المعلوماتية. اذن هناك اسباب كثيرة وقفت وراء ظاهرة اللا انتماء لدى المواطن العراقي. ولربما انها فرصة للدولة كي ترغب الأفراد بهويتهم الوطنية، وحثهم على ان تكون هي القيمة السامية التي ينبغي الانتماء لها.

?>