حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
الفريق نزار الخزرجي: اللواء وليد محمود سيرت والرفيق نوري فيصل شاهر كانا يتبادلان النقد حول أسلوب العمل
أغلب ضباط الفيلق الأول كانوا مصدومين من إلقاء القبض على اللواء وليد محمود سيرت بتهمة التآمر
أصواتُ أقدام مبعثرة في الممر الرئيسي، وهمس كلام مسموع بين الماشين، منظر غريب غير طبيعي، تنبه اليه الجميع، فخرجوا في غالبهم من الغرف يستفهمون، أمين سر الفرع العسكري لحزب البعث في مقدمة الماشين، وثلاثة من أعضاء الفروع يتبعانه بطريقة لا توحي أنهم قادمين لعقد الاجتماع الحزبي في مكتب القائد باعتباره أحد أعضاء الفرع، معهم ضباط من الاستخبارات تدل هيئتهم على انهم قادمين من بغداد. لحظات ترقب عاشه المقر، كانت وكأنها سنة، انتهت بخروج القائد اللواء الركن وليد محمود سيرت، كان شاخصا بنظره صوب الضباط الواقفين وراء ابواب الغرف، كأنه يريد أن يقول شيئا لم نكن نفهمه في تلك اللحظات القاسية، ولم نستطع أدراك مغزاه، فالقائد وليد سيرت هو ابن الدولة وعضو فرع في حزبها الحاكم، وضابط مشهور في أخلاصه للدولة. غلقنا ابواب غرفنا بائسين قلقين، غادر السجانون والضحية معا مقر الفيلق، يمسكون صيدا ثمينا، شعرنا ساعتها أننا الضحية، وأننا على نفس الخط سائرون. مر اليوم، ولم يغادرنا منظر القيود في يد القائد الذي كان أعضاء الفرع يقفون خلفه، يحسبون حسابه قبل ساعات. تعددت الاقاويل بين الضباط الذين توقفوا عن العمل وانهمكوا بالتحليل والتكهنات، وجاء العصر يحمل معه أنباء الاتهام الموجه لهذا القائد الجسور بالاشتراك في التآمر على الحزب والثورة. لم يسعفنا الوقت لمزيد من التكهن والتحليل ،فاليوم الثاني حمل أنباء الحكم بالاعدام رميا بالرصاص على اللواء الركن وليد محمود سيرت وآخرين من رفاقه العسكريين والمدنيين بذات التهمة التي لم نصدقها في دواخلنا المتعبة، وأن تكلمنا عن حدوثها في العلن، مسايرة للنهج العام وتفاديا للاتهام الجاهز.. لم ينته الأمر بعد، ولم تتوقف اتجاهات الحيرة، فأعمدة التسقيط منصوبة، وتهم التلفيق موجودة، أيام لم تنشف فيها الدماء، ولم ينته القلق من النفوس، بدأت دوامة التحقيق مع ضباط الفيلق الاول، في تمثيلية يراد منها التأكيد على أن مؤامرة قد حدثت بالفعل ان اللواء الركن وليد محمود سيرت كان مشاركا فيها، وما دام الأمر هكذا، فلا بد وأن يكون هناك ضباط وإياه مشاركون. استدعينا الى التحقيق وبدأ المسلسل عن العلاقة بالقائد وليد سيرت، نسي المحققون أو تناسوا طبيعة العمل العسكري، وماهية العلاقة المهنية بالقائد، استمروا بفصول التمثيلية الى نهايتها، قسموا نتائجها لكي تكون معقولة، بعض من أحيل على التقاعد والبعض الآخر أحيل لوظائف مدنية وآخرين نقلوا الى أبعد نقطة في العراق.
مقتطفات من مذكرات الفريق الأول الركن
نزار الخزرجي (مذكرات مقاتل)
عملتُ في سرب 30 المسلح بطائرات الالويت 3 السمتية الفرنسية المنشأ في اسناد القطعات الارضية في عمليات الشمال وبشكل بسيط عام 1976 ومركز وكثيف منذ عام 1977 ولحين ان انتقلت الى سرب آخر في تموز 1982. وعملت مع عدة قادة وآمرين من خلال اسناد قطعاتهم في مختلف قواطع العمليات قبل وخلال الحرب مما ولد لي صداقات عامة وشخصية مع عدد من ضباط وامري الوحدات والالوية والقادة في الفيلق الاول ومن كان يلحق بالفيلق من وحدات تتجحفل معه. كانت الواجبات الرئيسية للسرب هي الاسناد الناري المباشر بمدفع عيار 20 ملم يكون على الجانب الايسر للطائرة, ولتنقل القادة والامرين واستطلاعهم للقواطع المختلفة. كنا نفضل تنفيذ الواجبات المسلحة على واجبات النقل والاستطلاع التي تكون غير تعرضية بشكل عام. كان من ابرز من عملت معهم من القادة هم الشهيد اللواء الركن وليد محمود سيرت قائدا للفرقة السابعة ثم قائدا للفيلق الاول, والعقيد الركن حينها نزار الخزرجي آمرا للواء الخامس في منطقة (خورمال) ضمن قاطع الفرقة السابعة ثم قائدا للفرقة السابعة خلفا للواء وليد محمود سيرت في السليمانية, فهما القائدان اللذان تكون واجبات نقلهما والاستطلاع تلبي روح التعرض والمخاطرة التي افضلها بزياراتهما للربايا البعيدة وهي مناطق يصعب النزول بها لارتفاعها العالي وضيق منطقة النزول وتغير اتجاه الريح المستمر والفجائي, مما ادى الى تطوير قابلياتنا في طيران الجبال, وكذلك وصولهما الى المناطق الخطرة خلال الاستطلاع. وكانت لديهما الشجاعة وروح الاقدام مما جعلني اعجب بأدائهما ووجدتهما قدوة جيدة حاولت ان اتبع خطاهما في واجباتي التعرضية والعملية. وافضل العمل معهما في الواجبات المسلحة او التنقل والاستطلاع وزيارات وحدات الفرقة او الفيلق. وكان لنبأ القاء القبض ثم اعدام الشهيد اللواء الركن وليد محمود سيرت وقع اليم عليَ لما كنت ارى فيه الضابط والقائد الشجاع, وكنت وقت وقوع احداث عام 1979 في دورة طويلة لاكثر من ستة شهور في بغداد. جاء في مذكرات الفريق نزار الخزرجي عند مقابلته لعدنان خير الله وزير الدفاع في الصفحة 371 (لو ان وليدا اصدر لي امرا ايا كان لنفذته واعتبره صادرا عنكم). وهذا ما كنت سافعله كطيار وانا انقله في واجبات زيارة القطعات او الاستطلاع وحتى لو طلب مني العبور الى سوريا او تركيا او ايران فسأنفذ الامر دون تردد او شك. سبق وان قرأت في الكاردينيا موضوعا تحت عنوان (ثقوب في الذاكرة البعيدة) بقلم اللواء الركن فؤاد حسين علي, المنشور بتاريخ 24 أيار 2013, يشرح فيها آخر جولة استطلاعية بواسطة طائرة سمتية قام بها بصحبة قائد الفيلق اللواء وليد سيرت قبل يوم من اعتقاله بقوله (كنت اراقبه طوال الجولة, شعرت بانه مهموم, سألني قبل هبوط الطائرة: (رائد ركن فؤاد هل ما يجري في بغداد هذه الايام امر طبيعي؟) فاجبته بطريقة التهرب من الاجابة (نعم سيدي), ادرك بفطنته حرجي فغير الموضوع. وفي اليوم التالي القي القبض عليه بالطريقة التي تتوافق مع ما جاء في مذكرات الفريق نزار الخزرجي. ولشدة تأثري بما حصل للواء وليد سيرت ادرج ادناه ما جاء حول موضوع ملابسات القاء القبض عليه و اعدامه كما جاء في مذكرات الفريق نزار الخزرجي في الصفحات 222 الى 225 ليطلع القارئ الكريم على ما جرى حينها يقول الفريق نزار الخزرجي ما نصه في الصفحات المذكورة: (اللواء الركن وليد محمود سيرت قائد الفيلق الاول وعضو المكتب العسكري والرفيق نوري فيصل شاهر الحديثي عضو المكتب العسكري وامين سر التنظيم العسكري للحزب في قاطع الفيلق الاول وبينهما ما صنع الحداد. وكانت تربطني بالاثنين صداقة وثيقة. وكان الاثنان يتبادلان الاتهامات والنقد لأسلوب قيامهما بالواجبات التي كانا مكلفين بها ففي الوقت الذي يتذمر فيه اللواء وليد من محاولات الرفيق نوري المتكررة نقد ادارته في قيادة الفيلق وتعامله مع مرؤوسيه, كان الرفيق نوري يرى ان اللواء وليد يتمرد على توجيهات الحزب في التعامل مع القيادات والقطعات في الفيلق, الامر الذي يؤثر في ولائها للحزب والثورة وكنت بصفتي صديقا للاثنين احاول جاهدا تخفيف التوتر والنزاع بينهما.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة