الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 44 : الفخ الرئاسي للرفاق

الحلقة 44 : الفخ الرئاسي للرفاق

حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

 

شامل عبد القادر

العميد الركن وليد محمود سيرت: كلمته واحدة لا يتنازل عنها مهما كان الخطر

رائد ركن فؤاد: العميد الركن وليد سألني هل ما يجري في بغداد هذه الأيام أمر طبيعي؟

 

سألَ حاتم، وما شكل العلاقة بين الموضوعين؟…. فطلب فؤاد التريث، وعدم الاستعجال حتى انتهاء القصة. وأكمل، ان الصنائعي الماهر، مات في السجن بعد تكريم الملك بشهور، بتهمة التجسس للألمان. ومن ذاك اليوم، لم نسمع أحداً في العراق صنع بندقية، أو حتى إبرة لها، وسوف لن نسمع من الآن فصاعداً، عن قائد متميز وعالم كبير. منهياً كلامه، بالتأكيد على عدم عودة القائد، لأن وجودهُ عالماً، وضابطاً جيداً أصبح عائقاً أمام تسلق الأقل منه قدماً، ومنزلة من باقي الضباط. فؤاد، أنت تهذي، ماذا تقول؟. دعنا ننتظر الأيام وسنسمع العجب. القائد سيقدم حياته ثمناً لقدرات عالية، وسط صفوف من الجهلة، وصائدي فرص انتهازيين. ما زلت تهذي. رد وعيونه كادت تدمع حزناً على قائد، وبلد بعبارة قصيرة “وما فائدة الهذيان سوى الترويح عن النفس، التي خارت قواها من وقع الصدمة”. إنها رواية وثقت أحداث وتفاصيل كثيرة، بمئتين وأربع وأربعين صفحة، تستحق أن يطلع على موضوعها العراقيين وغيرهم لمعرفة الحقيقة.

ملحوظة: وردت بعض الاسماء مغايره لأغراض الرواية، والبعض الآخر حقيقية

كتب الاستاذ  فؤاد حسين علي – ضابط كبير متقاعد – في عام 2014 عن ذكرياته مع وليد سيرت: (حياتي وحياتك، وحياة الخلق مليئة بالمفارقات، وكذلك بالذكريات تمسح من خلايا الحفظ الموجودة في العقل. وقبل أن يحدث هذا المسح، استوقفتني أحداها كانت الأكثر تنططا في مخيلتي التي تزدحم بالذكريات، حلوها ومرها، وكأنها تريد أن تخلد في ذاكرة الغير قائدا عسكريا يستحق التخليد… تناولته بقدر من التفصيل دفعني اللهاث عائدا الى الوراء، الى العام 1977 يوم تخرجت من كلية الاركان العراقية بدورتها 42، وانتظرت مع ثلاثين متخرجا حصيلة الدورة نصيبا من التنسيب على الوحدات العسكرية، كسياق كان متبعا لتوزيع الخريجين. جاء النصيب ضابط ركن الثالث حركات في لواء المشاة التاسع عشر، فرحت في حينه لارتباط اللواء التاسع عشر بثورة 14 تموز 1958، وحزنت أخيرا لتيقني أن قادته الذين قادوا الثورة مع اللواء العشرين قد فتحوا أبواب الاضطراب وعدم الاستقرار على عراق كان سائرا الى المستقبل بخطى بطيئة، مقبولة بمقاسات اليوم، إذ أنهم وعندما حاولوا الاستعجال وجدوا أنفسهم والعراق في طريق مليء بالحفر لا يمكن الوصول الى نهايته بسلام. اللواء التاسع عشر كان مقره في منطقة شارلستن التي تتوسط في خضرتها الجميلة جبل آسوس الشامخ بعلوه وجبل قره سرد المطل بهامته على بحيرة دوكان الساحرة بمائها العذب وسمكها البني اللذيذ. موقع جميل ومنظر خلاب، ينسي العسكر هموم الترقب وأعمال القتال في هذه المنطقة التي لم تهدأ منذ عشرات السنيين. الايام وقعها بطيء، ولا بد من التعود على هذا الواقع، مرت الايام العشرون الاولى منها بسلام، وحل موعد الاجازة الدورية، تبلغت بحصول الموافقة على التمتع بها مساء، رزمت حوائجي، جلست أتأمل صفاء السماء ونجومها المتفرقة في هذه المنطقة الجميلة، أفكر في الغد، وفي كيفية التمتع بأول أجازة لي بحياتي الجديدة كضابط ركن. رن جرس الهاتف الميداني، تبليغ من آمر اللواء بتأجيل الإجازات الدورية بسبب الزيارة التي ينوي قائد الفرقة السابعة العميد الركن وليد محمود سيرت القيام بها الى قاطع اللواء. إحباط مشوب بقلق الترقب والرغبة بالتعرف، فتأجيل الإجازات في الخدمة العسكرية أثناء الحركات الفعلية من أكثر الأمور إحباطا للعسكر، لأنها بالضد من الرغبات الشخصية. وملاقاة قائد مثل وليد محمود سيرت فيها قدر من التوتر لأنه لا يجامل أحدا في مواقف الشعور بالتقصير. والتعرف على شخصيته الفريدة عن قرب فرصة لا تعوض، لأنها شخصية عسكرية فريدة، ومعرفية راقية واجتماعية متزنة، أنه قائد لا يضاهيه آخر من جيله تلك الأيام. حل الصباح مبكرا في ربيع المنطقة الخضراء – حوض شارلستن -، كل الاستحضارات قد تمت، التوتر على أشده بين عموم الضباط أنه العميد الركن وليد محمود سيرت قائد الفرقة السابعة، طائرته السمتية المخصصة للاستطلاع تحوم في المنطقة، ابتعدت قليلا، ظن البعض أنه قد لا ينزل في مهبط المقر، وظننت بمحاولته الإلمام بطبيعة المنطقة، قبل النزول بين عسكرها، هكذا هي عادته وباقي القادة الكبار… رغبة في الإلمام بكل التفاصيل قبل الدخول في المواقف ذات الصلة بها!. وصل القائد، اصطف الضباط في صف عريض حسب القدم العسكري، أصبحت بمواجهته، قدمت نفسي وفقا للسياقات العسكرية، رد التحية بيده اليسرى على غير العادة لإصابة يده اليمنى في أعمال قتال سابقة. قيافته العسكرية كاملة، له هيبة القادة العظام، قصر قامته أضاف له مسحة وجاهة قل حصولها بالنسبة للآخرين. أجرى جولة كان يريدها معرفية، ركز على جغرافية المنطقة وأثرها على القتال، وقف أمام الخرائط المسطرة على لوحة الحركات، سأل عن علامات ونتوءات جبلية، وأشجار متفرقة، ومنابع المياه، كأنه مكتشف للطبيعة وليس قائدا في ميدان قتال. تكلم قبل مغادرته اللواء عن جغرافية المنطقة وتفاصيل الارض مثل أهل الاختصاص. أثار استغرابي، تابعت مسيرته لاحقا، تبين أنه قد تخرج الاول على طلاب الكلية العسكرية البريطانية، والأول على كلية الاركان العراقية، يجيد الانكليزية بطلاقة، ويفهم العربية باحتراف، وانه بدأ التأليف في الشؤون العسكرية بعد تخرجه مباشرة. وتبين أنه ملم بصنوف الجيش أكثر من أصحابها، يحاججهم وينصحهم بالعودة الى المكتوب في الكراسات العسكرية، كأنه هو من ألفها.. عاشق حقا لمهنته، أحبها بجد، فضلها على عائلته وأصدقائه وأقاربه، معلم من الطراز الاول، مربي فاضل، رياضي مقتدر، طروحاته عن التوازن والردع، وعن الحمام الزاجل والتاريخ والاقتصاد والنفس الانسانية، تبهر سامعيه، فتثير احترام العارفين لمكانته، وعدوانية الجهلة لشخصه، كلمته واحدة لا يتنازل عنها مهما كان الخطر، ورأيه ثاقب في كل الظروف والمواقف، يرشد المخطئ الى الطريق الصواب بهدوء مقلق، يؤنب المذنب بذات الهدوء، نزيه الى أبعد الحدود، يطبق القانون بجدية دون تحريف. مرت الايام، وطوى النسيان ذاك اللقاء، وسيطرت مشاعل القتال على نهج التفكير، واستبشر المنتسبون بنقل قائد فرقتهم الى منصب قائد الفيلق الاول في كركوك، أنه سيبني فيلقا عسكريا بقياسات الفخر والاعتزاز. كان الكرسي الذي شهد تأجيل الإجازة الدورية قبل عام، موجود في نفس المكان الذي يطل على البحيرة من بعيد، وكانت الجلسة المسائية للتأمل هي ذاتها في ذلك اليوم، وكان جرس الهاتف يرن لأمور بينها ما يتعلق بالقتال الدائر وبينها ماله صلة بالعلاقات الخاصة بين الاصدقاء، كان هذه المرة آمر اللواء شخصيا ألقى التحية مثل كل مرة يبدأ فيها الكلام، بلغني بضرورة تسليم ما بذمتي تنفيذا لأمر النقل من مقر اللواء الى مقر الفيلق، حسب أمر صدر من قائد الفيلق، العمل في مقر الفيلق مختلف تماما يبدأ منذ الصباح الباكر، ولا ينتهي عند المساء، فالوقت ثمين وهو ملك للفيلق طول الايام التي يمكث فيها الضباط في المقر، من يتعثر يعرف أنه على قائمة النقل القادمة، ومن يبدع يعي مقدار تحمله لمزيد من الأعباء، هكذا هي أصول العمل ونهجه في الفيلق، السرعة والدقة عوامل مطلوبة، يؤكد عليها القائد باستمرار. كان العام 1979 وكان القائد اللواء الركن وليد محمود سيرت، قد طلبني لمرافقته في جولة استطلاع بالطائرة السمتية شملت منطقة السليمانية حتى الحدود العراقية الايرانية، عدنا منها بعد منتصف الليل بقليل، كنت أرقبه طوال الجولة، شعرت وكأنه مهموم، سألني قبل هبوط الطائرة: رائد ركن فؤاد هل ما يجري في بغداد هذه الايام، أمر طبيعي؟ فاجأني بسؤاله… أجبته بطريقة التهرب من الإجابة.. نعم سيدي. أدرك بفطنته النبهة حرجي، فغير الموضوع، سائلا عن طبيعة الجولة الاستطلاعية. حطت الطائرة في المهبط ،لم يتوجه الى الاستراحة من يوم عمل طويل، وبدلا من ذلك طلب تمشية الامور البريدية، أنجزه بعد فترة، أطفأ نور مكتبه، إيذانا لباقي هيئة الركن بانتهاء يوم العمل. جاء الصباح، نهض مبكرا قبل غيره من الضباط. توجه الى مكتبه بكامل قيافته العسكرية النظيفة، وتوجهنا نحن كل الى مكتبه، خلية نحل تعمل دونما كلل..

?>