الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 43 : الفخ الرئاسي للرفاق

الحلقة 43 : الفخ الرئاسي للرفاق

حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

 

شامل عبد القادر

هكذا اقتيد وليد محمود سيرت مكبل اليدين من مقر الفيلق

 

وليد محمود سيرت ضابط متميز فهو الأول في تخرجه على دورته في الكلية العسكرية البريطانية (سانت هيرست) وكذلك الأول على كلية الأركان العراقية

 

 

نعم سَيتم إجراء اللازم بمجرد وصول الضابط، قال فنر، ثم وضع السماعة في مكانها، ليأخذه العقل غصباً الى بعيد، كأنه هرب من مكان يتحصن فيه الى آخر مكشوف في البعيد. فكر في المفاجأة غير المحسوبة التي قد تحدث، وفي كيفية تنفيذ الأمر، وفيما يقوله عند المواجهة المباشرة مع اللواء وليد، وهو العارف به، ضابط صعب وشجاع؟. جلس في مكانه ينتظر ضابط المخابرات، يخطط لما سيقول، وما يتخذ من إجراءات تنفيذ المهمة العسيرة، لضمان نجاحها بلا إثارة وردود أفعال. بينما وقف وليد في مكتبه بعد عودته من الرمي مباشرة، يتابع تأشيرات الخريطة، مع ضابط ركن الاستخبارات. قصر قامته النسبي أضاف له مسحة وجاهة، على العكس مما هو معهود. أشرَ بيد يسرى أعتاد استخدامها، بدلاً من اليمنى التي أصيبت بإطلاقة قناص في القتال. سأل عن علامات مميزة، وعوارض جبلية، واشجار متفرقة، ومنابع مياه، كأنه مكتشف يحاول تثبيت، وقائع أدرك وجودها للمرة الأولى، في الطبيعة الكونية الواسعة. دعونا نشرع، قال فنر الى مجموعته، بعد اكتمال طاقمها، بوصول ضابط المخابرات، في نصف الساعة التي أعقبت استلامه أمر القبض، عن طريق الهاتف. وقبل أن يدخلوا على القائد المعرّف خائناً منذ لحظات، عرجّوا على رئيس أركانه، أوحوا له قرب وصول زائر مهم من بغداد بطائرة سمتية، زادوا من سعة الايحاء بتقريب صورته من الرئيس، فهو الأهم، والأوحد، ومن يريد الاطمئنان على سير العمل في هذا المقر المهم. طلبوا بصريح العبارة، ضرورة إخلاء المقر، من جميع الحمايات الخاصة بالقائد، ورجال الانضباط، كإجراء أمني يهم الرئيس. نفذ رئيس الأركان من جانبه من دون الحاجة لاشعار القائد، فأخلى المقر من رجال الحمايات والانضباط، وأوقف ضباط المقر في صف عريض، حسب القدم العسكري، إيذانا باستقبال الرئيس. عندها دخل الطاقم على القائد وهو على حاله، واقف أمام الخرائط التي تبين مواقع قوات فيلقه في عموم القاطع. أوقف القائد متابعته، أذِنَ لضابط الاستخبارات الموجود معه بالانصراف، ابتسم مرحباً بالرفيق فنر، ومن معه من أعضاء التنظيم الذين يعرفهم باعتباره واحدا منهم. أشار لهم بالجلوس: تفضلوا، أهلا بكم في قيادة الفيلق، الآن سيحين موعد الفطور الصباحي، يشرفنا مشاركتكم ضباط المقر فطورهم. لم نأتِ الى هنا من أجل الجلوس، قالها فنر بلغة فضة، دفعت وليد القائد المعتد بنفسه الاستفسار بغرابة عن أسباب المجيء، وبلغة مؤدبة فيها قدر من الصرامة. فأجاب فنر، الذي حاول أمام جماعته الظهور بمظهر قوي، من أين يأتي الخير والخونة مندسين بيننا؟. لا تطيل الكلام، أنت موقوف بأمر من الحزب، تفضل معنا. رمق وليد مسؤوله عضو القيادة بنظرة تعجّب، لها معان كثيرة. لم يعلق على الكلام الذي ملأ الغرفة، استعراضاً قلقاً أبداه الحضور، جميعهم من دون استثناء… اشادة بالقائد الضرورة، وبالحزب العظيم، وبمواقف الاخلاص للثورة والوطن، وكلمات أخرى، ذات معان فارغة المحتوى، كأنها جوفاء، يريد اصحابها تبادل اثبات الولاء فيما بينهم، وان كان مغلفاً بالخوف، وإن كانوا هم في المراكز العليا من حكم البلاد. مد يده بثبات الى غطاء الرأس “البيرية”، لتكتمل قيافته العسكرية كما هي عادته، ومن بعدها قدم كلتا يديه، بثبات أيضاً، الى الرفيق الذي كان يشاركه الرمي قبل نصف ساعة من الآن، إشارة لوضع الأغلال، معلناً جهوزيته. وهو هكذا، وقبل أن يخطو خطوته الأولى معتقلاً على يد الرفاق، قال بصوت أقل حدة، لقد أستعجل كثيراً. ماذا تقول؟…. لا لم أقل شيئا، أتكلم عن دوران العجلة. ماذا تقصد؟. أمور لا يمكن أن تفهمها. قد تفهمها مستقبلاً، إذا لم يطولك غبارها. صف الضباط الواقف على جنب، في الممر الطويل، بدعوى الترحيب بالزائر المهم، يتصدع نفسياً، حال المشاهدة الأولية لمنظر السائرين، أمامهم في هذه الساعة الصباحية من النهار. أمين سر الفرع في الأمام، مزهواً بإلقاء القبض على قائدهم، بطريقة لم تحدث من قبل، ولم يقرأوا عنها في تاريخ الأمم والجيوش، ساسة البلاد يأكلون قادة جيوشهم، كأنهم أعداء. يعقبه هو في المشي، قائد عرف بالجرأة، مكبل اليدين، رافعاً الرأس، وإن وُصفَ من آسريه بالخائن قبل قليل، لا يعترف بتوصيف الخيانة الآتية منهم، رفاق يحسبهم بائسين، ولم يحسبها خيانة بأي حال من الأحوال، هي من وجهة نظره، ومنذ اللحظة الاولى، تصفية حسابات، ومساعي سيطرة على الحكم، وبسط نفوذ مخطط له. يطوقه في المشي ثلاثة هم أعضاء الفرع، ومدير المخابرات الشمالية. يدفعه ضابط المخابرات القادم من بغداد، ببندقيته نصف أخمص، كلما تباطأ في السير، كمن يريد حرمانه من استعراض، طمأنة جمهور يحبه، أو تفويت الفرصة عليه… فرصة ارادها سانحة لإلقاء تبعة الخيانة على آسريه. لم يؤدوا التحية التي اعتادوا تأديتها. لا يمكنهم تأدية التحية… التحية لا تؤدى لموصوف بالخيانة، بحضور واصفيه. ولا لمن نزعت رتبته العسكرية، وسيق مكبل اليدين، مطعونا من رفاقه الجلادين. صوبَّ نظره إليهم، واقفين بلا حراك، مثل تماثيل حجرية، كأنه يريد القول شيئاً لم يفهمه أحد منهم، وإن قرأه البعض وداعاً أخيراً. وقبل أن يبتعد عنهم، دققوا في ابتسامته الشامتة بآسريه، فأخذوا جرعة علاج، لقلق في نفوسهم من التبعات. لقد تركوه هكذا آسفين، وتركهم هو في وضع، كأن الحزن قد تجمد في قلوبهم حائرين، وبات الخوف دفقات تسري متواصلة، في عروقهم المتيبسة. موقف صعب، بل أكثر من صعب، أخذ وسطه الرائد الركن فؤاد حسين علي، صديقه الرائد حاتم عبد الأمير الفيحان جانباً. سأله عن الكيفية التي هوى فيها هذا القائد الفذ، مثل سعف نخيل عراقي، سقط بعد يباس. لم يفهم حاتم قصده، أو لم يريد أن يفهم، وبدلاً من أن يفهم، طلب التستر على القول والمشي جانباً، مردداً العبارة الشائعة في العراق، من أن للجدران آذانا. حاول فؤاد الابتعاد عن الجدران، والتحسس من سماعها للكلام، بالخروج معاً الى الباحة المجاورة، بحجة انقطاع النفس، وقرب الشعور بالاختناق، وأجاب عن السؤال الذي وجهه قبل قليل قائلا: لقد هوى هذا الضابط العظيم، بسبب تاريخه العسكري الفريد، إنه الأول في تخرجه على دورته في الكلية العسكرية البريطانية “سانت هيرست” وكذلك الأول على كلية الأركان العراقية. أجاد اللغة الإنجليزية بطلاقة، فهم العربية بحرفية عالية. ألف في العلوم العسكرية كتباً، وكراسات عدة بعد تخرجه مباشرة. ألمَّ بصنوف الجيش وتعاليمها أكثر من أصحابها. عشق مهنته، بات فيها معلماً من الطراز الأول. أحب عائلته وأخلص لها. قدَّر أصدقائه القليلين. آراؤه عن التوازن والردع، وعن الطبيعة، والتاريخ، وعلوم النفس، والاجتماع تبهر سامعيه، تثير احترام العارفين، وعداء الجهلة الوصوليين والانتهازيين. ثم عاود طرح السؤال: هل عرفت، لمَ هوى هذا النجم اللامع، وسط الظلام؟. فأجابه: أن هذا الكلام خطير، يأمل عدم تكراره أمام أحد سواي قال حاتم، ومع هذا قد يكون ما حصل نتيجة اشتباه، وقد يعود قريباً الى مقره، خاصة وان القيادة لا تفرط منطقياً، بقائد كبير مثل اللواء وليد. لم يؤيده في هذا الرأي، أكد وهماً يتلبسه في هذا الجانب على وجه الخصوص. ولتعزيز وجهة نظره الخاصة بالوهم، قص عليه ما سمعه من خاله اسماعيل حنتوش، الذي ولد في الكرخ عام 1900، وعاش معهم أعزب في البيت القديم بسوق حمادة، من أن صناعياً من أهل الكرخ، كان ماهراً في صنعته. عكف على صنع بندقية تشبه بندقية البرنو الألمانية الشهيرة. أهداها الى الملك فيصل الأول الذي كرمه على صنعها..

?>