الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة الثانية عشرة : منيف الرزّاز.. فيلسوف البعث الذي أغتاله صدام بالسم

الحلقة الثانية عشرة : منيف الرزّاز.. فيلسوف البعث الذي أغتاله صدام بالسم

فايز الخفاجي                                                            

 2- اختتام أعمال المؤتمر القومي الثامن

أنهى المؤتمر (القومي الثامن) أعماله بانتخاب قيادة قومية جديدة مؤلفة من (13) عضوا تكونت من:

منيف الرزاز – أمين عام من الأردن.

شبلي العيسمي – مساعد الأمين العام من سوريا.

(5) أعضاء من سورية.

(2) من العراق.

(2) من لبنان.

(1) من السعودية.

(1) من تونس.

حاول الرزاز ردم الهوة بين المتناحرين داخل الحزب من خلال اجتماعات مشتركة للقيادتين القومية والقطرية, لكن دون جدوى لأنه أعيد خلط الأوراق على يد الفريق أمين الحافظ (عضو في اللجنة العسكرية) بشكل غير متوقع, فقد كان الحافظ يشغل عدة مناصب:

1-رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة.

2- الأمين العام للقيادة القطرية.

3- رئيس الوزراء.

4- القائد العام للجيش.

فيما كانت اللجنة العسكرية تعتبره بأنه رجل من (قش) بدون قاعدة سياسية أو خلفية حزبية, فقام الحافظ بالتخلي عن اللجنة العسكرية وانضم إلى الأعضاء القدامى في الحزب, الذين كانوا بحاجة إلى سند عسكري, وهذه الخطوة وضعته فوراً على طريق المجابهة مع اللجنة العسكرية ورجلها القوي (صلاح جديد) الذي كان يخفي سلطته وقوته وراء منصب الأمين القطري المساعد.

 

3- منيف الرزاز يحل القيادة القطرية لحزب البعث في سورية

في كانون الأول من عام 1965 أصدرت (القيادة القومية) قراراً منعت بموجبه (القيادة القطرية) من إجراء أي نقل أو طرد للضباط من الخدمة بدون الحصول على إذن من القيادة القومية. وعلى ضوء ذلك وجه منيف الرزاز الأمين العام لحزب البعث ثلاثة أوامر إلى اللجنة العسكرية تمثلت بـ:

1- حل القيادة القطرية التي كانت تسيطر عليها اللجنة العسكرية.

2- تشكيل حكومة جديدة برئاسة صلاح الدين البيطار.

3- نشر وتعميم قرارات القيادة القومية التي تحظر على الضباط التدخل في الشؤون السياسية أو ممارسة أي شكل من أشكال أمور السلطة السياسية والحزب.

كما قام (منيف الرزاز) بدعوة القيادة القومية إلى اجتماع طارئ فصدر عنه قرار (بحل القيادة القطرية) في 21- كانون الأول – 1965, وعُينت قيادة جديدة أطلق عليها أسم (القيادة الحزبية العليا) نتج عنها تعيين:

1- صلاح البيطار – رئيساً للوزراء.

2- الفريق أمين الحافظ – رئيساً لمجلس رئاسي.

3- استدعي الضابط محمد عمران الذي طُرد من اللجنة العسكرية من مدريد, حيث كان يشغل منصب سفير, وعُين (وزيراً للدفاع) وقائداً أعلى للقوات المسلحة.

4- تعيين منصور الأطرش رئيساً لمجلس وطني موسع لقيادة الثورة واستبعد منه أعضاء اللجنة العسكرية.

4- قيام الانقلاب.

لم يهتم الفريق الآخر لهذه التعيينات, وفي 21 – شباط عام 1966 بدأت المصادمات بين (القيادة القومية) و(الضباط), وذلك بناء على قرار لوزير الدفاع (محمد عمران) يقضي بنقل (3 ضباط) مؤيدين لصلاح جديد هم:

1- اللواء أحمد سويداني.

2- العقيد عزت جديد من سلاح الدبابات.

3- الرائد سليم حاطوم قائد وحدة فدائية.

فقامت (اللجنة العسكرية) بالرد على هذا القرار من خلال الهجوم على منزل أمين الحافظ في 23 – شباط- 1966, فاستسلم بعد مقاومة شرسة, واقتيد هو ومحمد عمران والقادة الموالين لهم إلى (سجن المزة), كما وقعت مصادمات مماثلة في عدد من المدن السورية إلا أن اللجنة العسكرية حسمت الأمر لمصلحتها. كما اعتقل في دار الضيافة بشارع بغداد (30) من قدامى البعثيين, من بينهم صلاح الدين البيطار ومنصور الأطرش وشبلي العيسمي, فيما لم يعتقل ميشيل عفلق وقام بالسفر إلى لبنان. أطلق على هذا الانقلاب اسم (الثورة الشاملة) وتزعمه كل من: نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد.

 

4- البيان الأول لانقلاب 23- شباط – 1966

نشرت صحيفة البعث الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي في عددها رقم (904) الصادرة في 24 – شباط عام 1966 البيان الأول لانقلاب 23- شباط – 1966 بعنوان “بيان القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي مع الشعب والبعث والاشتراكية”. وجاء في البيان: إن ثورة 8 آذار ثورة حقيقية على التخلف والتجزئة وحرب على الاستعمار والرجعية وانتصار لإرادة جماهير الشعب الكادحة على مستغليها وتحقيق لأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية. وتابع البيان: إن حزب البعث الذي فجر هذه الثورة وخاض معارك قاسية مع أعداء الشعب لحمايتها كان يتوقع أن يلجأ أولئك الأعداء إلى التسلل خلف الصفوف والاستعانة بمن ركبوا المد الثوري دون قناعة أو إيمان, ومن خلال نزعات التسلط والفردية ومن خلال المترددين الجبناء والمرتبطين فكريا وتاريخيا مع مدارس الاحتراف السياسي. وأشار البيان المؤقت للقيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث: إن قوى الرجعية والتخلف حاولت أن تنفذ إلى قلب الثورة لتحرفها عن طريقها الحتمية وتقودها إلى هاوية الحكم الفردي وأسلوب المساومة والارتماء, وأن استطاعت هذه القوى أن تنفذ إلى الحزب عن طريق فردية (أمين الحافظ) وتخاذل (محمد عمران) ويمينية (صلاح البيطار) وأنانية (ميشيل عفلق), وتمكنت من جر الحزب خلال الأشهر الأخيرة إلى حافة التمزق والضياع فأن الحزب الذي حمى ثورته من كل خصومة لم يكن غافلاً عن تآمر هؤلاء. وأوضح البيان: إن الحزب قد صبر على هؤلاء شهرين يحذر وينبه, قدمت لهم المذكرات من جميع فروع الحزب المدنية والعسكرية داخل القطر وخارجه فأصموا أذانهم عنها, طلب منهم عقد مؤتمر قطري لمعالجة ما أقدموا عليه فرفضوا وهددوا بفصل كل من يحضر المؤتمر. طُلب منهم عقد مؤتمر قومي كأعلى سلطة في الحزب فرفضوا, طُلب منهم عقد دورة استثنائية للمجلس الوطني فرفضوا وكان جوابهم دائماً مزيداً من الإمعان في تخريب الحزب والثورة, بل ازدادوا تآمراً وبدأ كل من الحافظ وعمران على تناقضهما الأكيد يغذيان الطائفية والعشائرية والإقليمية في الجيش ويقيمان التكتلات والتحالفات مع خصوم الثورة وأعدائها لضرب الثورة وحزبها القائد. وتابع البيان: إن عفلق والبيطار ازدادا تآمرا وتخريبا على الصعيد السياسي والشعبي فاتهما الحزب وزرعا التفرقة في صفوفه ومدا يدهم الملوثة إلى كل انتهازي رخيص أو عدو متآمر واستعانوا بهم على الحزب وثورته. وأعلنت القيادة القطرية المؤقتة في ختام بيانها: التزامها التام بمقررات مؤتمرات الحزب القومية والقطرية والمنهاج المرحلي والبيان الوزاري للحكومة السابقة, ومحاسبة كل الذين أساؤوا إلى للثورة والشعب.. وإحالة المعتقلين إلى محكمة حزبية عليا خاصة.. والمبادرة الفورية إلى معالجة الوضع الاقتصادي الذي أصابه الإهمال نتيجة التناقضات التي كانت قائمة في قيادات الثورة وذلك بترسيخ وتطوير الخطوات الاشتراكية على أسس عملية مدروسة. كما جاء في ختام بيان القيادة القطرية: اعتبار نفسها قيادة مؤقتة حتى انعقاد أول مؤتمر قطري يحدد موعد انعقاده مع أمناء فروع الحزب المدنية والعسكرية ودعوة ممثلي منظمات الحزب في الوطن العربي لعقد مؤتمر قومي يحدد موعده من قبل لجنة تحضيرية منبثقة عن هذه المنظمات.

 

5- هل هرب منيف الرزاز من السجن؟

بعد نجاح انقلاب 23- شباط- 1966 تم ملاحقة وسجن الكثير من أعضاء القيادة القومية ومؤيديهم ومن ضمن هؤلاء منيف الرزاز حيث تم إصدار الحكم عليه بالإعدام غيابياً. ولكن الرزاز لم يُلق عليه القبض بسوريا عكس ما روجت لها صحيفة الأهرام, لأنه خرج منها في 23-شباط-1966 بعد صدور حكم (الإعدام) بحقه إلى (بيروت) ولم يبق فيها إلاّ سنة واحدة ثم سافر إلى (قبرص) وبعدها رجع إلى عمان عام 1967, وتشير زوجته لمعة بسيسو لهذا الأمر: سكنا قرب منطقة معرض دمشق الدولي القديمة وأول ما رحنا صار انقلاب (صلاح جديد) على (أمين الحافظ)، فأضحت الحياة صعبة فقام (مسلم بسيسو) بتهرّيب منيف وأوصله إلى الحدود السورية اللبنانية ولبسوه لبس (فلاح). نستنتج مما تقدم أن منيف الرزاز كان جزءاً من الصراع في سوريا وسُحب إلى هذا الصراع بشكل لا إرادي, وأن انقلاب 23- شباط- 1966 استهدفه واستهدف معه كلا من: عفلق والبيطار والعيسمي وغيرهم, وبذلك فأن موقفه من هذا الانقلاب هو موقف المعارض لأنه كان ضد الانقلابات العسكرية في حسم الصراعات السياسية لأنه من دعاة الحوار.

 

الفصل السادس: النتاجات الثقافية والفكرية لمنيف الرزاز

أولاً: ثقافته

أثناء لقائهِ مع الصحفي البعثي العراقي حسن العلوي, أرخ الرزاز للسنوات الأولى لثقافتهِ فأجاب على أسئلة العلوي قائلاً: كنت قارئاً وأول قصة طويلة قرأتها في حياتي هي (مكائد القصور) وكانت تدور حول السلطان عبد العزيز, والقصة الثانية التي قرأتها هي (الكونت دي مونت كريستو) ذات الأربعة أجزاء, وكنت أقرأ الكثير من الكتب والمجلات الأسبوعية المصرية التي كانت تصدر بمعدل ست مجلات أسبوعياً, ولم يكن في أيامنا تلفزيون أو إذاعات كثيرة ولذلك انصب همي على القراءة, وفي القراءة كنت شديد الاهتمام بالتأريخ وخاصة العربي منه حيث كنت أقرأ كل كتاب يقع بين يدي. وعندما ذهبت للجامعة الأمريكية بدأت أهتم بقراءة الفلسفة وكنت أيضاً أهتم بقراءة العلوم لا سيما بعد أن أصبحت مدرساً في عمان فقرأت علم الفلك ونظرية التطور, كذلك كنت من المغرمين بالقراءات الصوفية والفلسفة الإسلامية وخصوصاً فلسفة المعتزلة وبعد تخرجي من الجامعة قرأت لماركس وبرجسون وداروين ولكثيرين ولم يستقر تفكيري على قاعدة ثابتة.

 

ثانياً: مقالاته

ترك منيف الرزاز صاحب الفكر القومي التقدمي بصمات واضحة في الحياة السياسية والحزبية الأردنية والعربية في النصف الأخير من القرن الماضي، وأثرى المشهد السياسي والفكري من خلال كتاباته ومؤلفاته, وأول ما كتب على مستوى المقالات في الجامعة الأميركية ببيروت عندما كان طالباً فكتب أولى مقالاته المنشورة, وفي هذا الصدد قال منيف الرزاز: نشرت وأنا في الجامعة أولى مقالاتي المنشورة, عندما كتبت في مجلة (المكشوف) مقالتين لي بتوقيع (الأعرج), لم أعد أذكر عن أي شيء كانت, لكن أظن أن إحداهما كانت نقداً لرواية سخيفة ظهرت آنذاك, ثم كتبت مقالتين في مجلة (الأماني) التي كان يصدرها (عمر فروخ) بتوقيع (الرازي), واخترت هذا التوقيع لتشابه الاسم والاختصاص ولم أنشر باسمي لضعف الثقة في نفسي في مستوى كتابتي آنذاك. وفي (مجلة صوت الجيل) – العدد الخامس لعام 1949 التي كانت تصدر عن ثانوية (أربد) للبنين كتب أول مقال سياسي في الأردن بعنوان (نحو جيل قوي) قائلاً: لقد أفلس الجيل القديم، أفلس الجيل الذي قاد هذه الأمة خلال ثلاثين عاماً أسلسنا له فيها القياد، وأطعناه الطاعة العمياء، وسرنا خلفه حيث سار. ولكن هذا الجيل القديم كان يسير وهو لا يكاد يعرف إلى أين المصير وكان يجاهد وهو لا يكاد يدري أين تستقر به الأمور لا سبيل مرسوما ولا اتجاه واضحا ولا غاية ملموسة، حتى تردينا في هذه الهوّة السحيقة التي انتهينا إليها، ودفعنا لها ثمناً باهظاً كلفنا لا أموالنا وأنفسنا وأوطاننا وبيوتنا وملاعب صبانا فحسب، بل لقد كدنا ندفع لها ثمناً إيماننا بحقنا في الوجود، وعقيدتنا بإمكانيات هذه الأمة. وعزمنا على أن نخلف أمة جديدة حيّة قادرة على أن تؤكد ذاتها في العالم الجديد. إننا لم نشعر يوماً بالحاجة إلى دم جديد وجيل جديد وعقلية جديدة كما نشعر هذه الأيام، أن نفسيتنا في حاجة إلى انقلاب عميق، حقيقي، ينبعث من ذواتنا ويصدر عن شعورنا بالألم، الألم القاسي العنيف الذي يصور نفوسنا ويغسلها من أدرانها ويبعثها حيّة جديدة نشيطة تنسف إرث الماضي وتخلق أمة من جديد. تعد هذه المقالة هي أولى المقالات السياسية لمنيف الرزاز وتعبر عن وعي حقيقي لعقل هذا الرجل, لأنه قطع شوطاً كبيراً في التفكير نحو المستقبل وتشخيص المشاكل التي اعترت عقل القيادة العربية في طرحها لمشكلة التحرر ومكافحة الاستعمار والاستعباد, لذلك عُد هؤلاء القادة أقصد قادة النضال العربي بأنهم قادة لا يمتلكون مشروعاً واضحاً للنهوض بالشعوب العربية بقدر ما يمتلكون خطاباً أنياً هدفه بث الحماسة لدى الجماهير بلا نتيجة تذكر أي خطابات استهلاكية ليس إلا.

 

ثالثاً: بدأ منيف الرزاز أولى كتاباته الفكرية قبل تصاعد المشروع القومي العربي الذي تبناه الزعيم جمال عبد الناصر, وفي عمر لم يتجاوز (34) عاماً وجاءت مؤلفاته تحاكي المشاكل التي يعانيها العقل العربي والإنساني من غياب الوعي بل واعتقال ذلك الوعي عن طريق الجهل والأمية, فكتب العديد من هذه الآراء في مؤلفاته ومن هذه المؤلفات:

1- معالم الحياة العربية الجديدة 1953.

2- تطور معنى القومية 1957.

3- الحرية ومشكلاتها في البلدان المتخلفة 1965.

4- التجربة المُرة 1966.

5- أحاديث في العمل الفدائي 1970.

6- الوحدة العربية هل لها من سبيل 1971.

7- السبيل إلى تحرير فلسطين عام 1971.

8- أزمة اليسار العربي عام 1973.

9- فلسطين والوحدة 1969-1975.

10- فلسفة الحركة القومية العربية: الخلفية الفلسفية عام 1975.

11- فلسفة الحركة القومية العربية: التحدي الاستعماري صدر عام 1977.

12- لقاء الثورات واللقاء الثوري.

13- الأعمال الفكرية والسياسية.. ثلاث أجزاء  صدر عام 1986 (صدرت بعد وفاته).

14- رسائل إلى أولادي صدر عام 1995 (صدر بعد وفاته).

?>