حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
أمين سر الفرع العسكري للحزب فنر شاهر: تلقيت أمراً بـإلقاء القبض على الفريق الركن وليد محمود سيرت وجلبه لبغداد فوراً
تم دفن محيي بملابسه من دون تغسيل باعتباره من الشهداء
نتابعُ الحوارات التي اجريناه مع بعض اقارب المرحوم محيي عبد الحسين مشهدي الشمري: يقول (و.ت) وهو ضابط سابق ومهندس مدني: بعد استلامنا جثة المرحوم محيي قررنا دفنها في مقبرة السلام في النجف الاشرف ولان علاقات محيي باهالي منطقة الجعيفر كانت طيبة جدا قرر اكثر من عشرين شخصا الذهاب معنا في (الدفنة) واستأجرنا سيارة (او .ام) وانطلقنا الى النجف والتحقت معنا الشاعرة الكرخية المعروفة (شعلة ام مظلوم) وكان الامن والمخابرات يراقبون موكب الجنازة وفي المقبرة وقفت ام مظلوم تقرأ قصيدتها التي عددت فيها مناقب الشهيد مما دفع رجال الامن والمخابرات الى التدخل لفض التجمع فهرب الرجال بين القبور تطاردهم المخابرات والامن وتم دفن محيي بملابسه من دون تغسيل باعتباره من الشهداء. ويضيف منعونا من اقامة مجلس عزاء ولكن اهل الجعيفر الابطال الذين احبوا ابن محلتهم اصروا على احياء ذكراه برغم التعليمات والاجراءات المشددة للنظام. غادر محيي الحياة الدنيا مع عدد كبير من الابرياء الذين اعدمهم صدام بسبب اطماعه وفرديته ونزعته الاجرامية العريقة بقي ملف ضحايا مجزرة قاعة الخلد مفتوحا على مصراعيه امام انظار المسؤولين اتمنى ان تتبنى هيأة العدالة والمساءلة هذا الملف وتدافع عنه باعتبار اصحابه من الشهداء الذين تجرأوا ووقفوا في وجه الديكتاتور وعنجهيته فاصابهم ما تعجز الجبال عن حملها فاعيدوا الاعتبار للرجال الذين تحدوا الطاغية في عقر داره وانصفوا عوائلهم بالحقوق التقاعدية وفقا للقانون كانصافكم لضحايا اخرين ولا فرق بين ضحية واخرى الا بالموقف!.
الفريق الركن وليـد محمـود سـيرت
الفريق الركن وليد سيرت من الضباط الاكفاء المعروفين بحرفيتهم في الجيش العراقي وهو محط احترام وتقدير كبار الضباط وهو من البعثيين القدامى ايضا. قال لي العقيد الركن المتقاعد سليم الامامي في محاورة مطولة اجريتها معه في صيف عام 2014 في مقهى الشابندر ونشرتها في حلقات في صحيفة المشرق واعدت نشرها في كتابي “مجزرة قاعة الخلد” الطبعة الرابعة وكررت النشر في مجلة “اوراق من ذاكرة العراق”.. قال لي: بعد اعتقالي في المطار مع المرحوم العقيد حامد الدليمي جلبت الى المحفل البهائي وحقق معي برزان التكريتي الذي كان جالسا على كرسي وهو يرتدي تراكسوت رياضي بعد ان رفع الغطاء عن عيني فقال لي ساخرا: “ها جابوك ابو الويو”!. اجبته: “انت تعرفني زين ابو محمد اني مو ابو الويو اني سليم الامامي”!. فقال برزان: “شتريدون بعد ننطيكم؟ وبعدكم تتامرون؟”. قلت له: “تعرفني زين اني ما اتامر على الحزب ولا عندي طموح لاي شيء”. قال: “انت وصاحبك وليد”!. اجبته بلهجة استنكار: “القيادة وانت تعرف اني ووليد ما نلتقي اذا وليد تآمر يعني اني مو وياه واذا اني تامرت يعني وليد مو وياي فشجابني على وليد؟”. اعتقل وليد ضمن قائمة اسماء لكبار الضباط البعثيين بينهم محمد عبد اللطيف وحامد الدليمي وسليم الامامي وفارس رشيد الشهد وعدد اخر من الضباط الذين كان يجد فيهم عدنان خيرالله منافسين على منصب وزارة الدفاع ونقل عن عدنان في الايام الاولى لاستيزاره انه لن يستطيع العمل الا وجد معه في الخدمة وليد وسليم وعدنان شريف اعتقلوا جميعا وكل بحجة مغايرة للاخر ولكن الهدف الاساس كان تمشيط وتسوية الطريق امام عدنان خيرالله!. في مقالة ممتازة بعنوان قراءة في رواية “حفل رئاسي” كتبها الاستاذ اللواء الركن المتقاعد فؤاد حسين علي جاء فيها: صدر عن منشورات ضفاف في بيروت رواية تحت عنوان حفل رئاسي لوقائع غير مروية من أحداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979. جاءت متسلسلة منذ اليوم الأول لاستدعاء مجموعة من الحزبيين الى يوم إعدام بعضهم وسجن بعضهم الآخر، وهنا أود الاشارة الى أنه وعلى الرغم مما كتب عن تلك الواقعة بطريقة السرد التاريخي أو البحثي، فإنها لم تتناول كثيرا من التفاصيل التي عرضها الكاتب سعد العبيدي باسلوب أدبي شيق، أراد من خلاله توثيق حقبة زمنية وأحداثا كان لها تأثير كبير على ما بعدها من أحداث وعلى مستقبل العراق، وهنا أود الاشارة الى الاسلوب الشيق الذي كتبت به الرواية لمساعدة القارئ في أن يستوعب مقادير البؤس في تعامل أجهزة الدولة الأمنية مع بعض من رجالات الدولة والحزب، واساليبها في تدجين من تريد تدجينهم وان كانوا من بين كبار الحزبيين. إن المزج بين الواقعية والخيال الأدبي في سرد الأحداث لهذه الرواية وعلى لسان شخوصها الباقين على قيد الحياة قد ميزها رواية جادة وجعل مادتها مشوقة، إذ وجدت نفسي وأنا أقرأ بدايتها مجبولا بالاستمرار في القراءة حتى صفحتها الأخيرة، وأكثر ما شدني اليها ذلك الحقل الذي يتعلق بالقاء القبض على المرحوم اللواء الركن وليد محمود سيرت قائد الفيلق، إذ كنت شاهدا على بعض لقطاتها التي أجاد الكاتب بعرضها، أقدمها للقارئ ليكون قريباً من باقي أحداثها: اعتاد اللواء الركن وليد محمود سيرت، قائد الفيلق الأول، الموجود معسكره في كركوك، مدينة الذهب الأسود. التمرن على الرمي المباشر، بالمسدس في ميدان خاص أعد لهذا الغرض، قريباً من المقر، نهجاً أسبوعياً، ورياضةً عدّها لازمة لإدامة اللياقة العقلية، وإبقاء التركيز دقيقاً، وسعياً لتسجيل رقم قياسي، بدقة الرمي للضباط القادة، من دون اسقاط من الحسابات الخاصة، قراءة كتاب يزيد من سعة الاطلاع، يطور قابليات الحوار، يحسن أساليب الكتابة، وينمي القدرات المعرفية. يجاوره في خط الرمي، أمين سر الفرع العسكري للحزب السيد فنر شاهر، في محاولة منه تقليد هذا القائد المعروف، بانضباطه وغزارة معلوماته العامة، فضلاً عن العسكرية التي يتقن فنونها بجدارة. لكنه لم يكمل الرمي بحسب المنهج، الذي سار عليه القائد، بعد أن طَلبَ منه سعيد مدير مكتبه، العودة المستعجلة الى المقر، للرد على مكالمة هاتفية من القيادة القطرية. فوجه كلامه الى القائد وليد، مستأذناً السماح بالعودة الى المكتب لأمر هام، واعداً تناول العشاء معاً في المساء. رد عليه باشارة القبول والعودة الى مقره، بعد آخر اطلاقة سيرميها في الهدف، خلال الدقائق الثلاث القادمة. هكذا هو، دقيق في التعامل مع وقت، يريد استثمار جله من أجل التسلح بالمعرفة، والخبرة التي لا تتوقف عند حدود معينة، بحسب رأي طالما كرره أمام الضباط الذين يعملون بامرته. لم يتوقف الهاتف الأحمر، الموصول مباشرة بأمانة سر القطر عن الرنين، يحاول المتكلم في معاودته الاتصال كل دقيقة، التأكد جاهداً من عودة عضو القيادة الى مكتبه، وكأن أمراً قد حدث هاماً في بغداد. مسك سماعة الهاتف بيده اليسرى، أصغى جيداً الى التوجيهات الآتية من الرفيق عضو القيادة القطرية، وزير الدفاع شخصياً، سجلَ الكلمات بحجم كبير على ورقة، كانت موجودة على سطح مكتبه، وبخط غير واضح، كأن أصابع يده غير مسيطرة على القلم، حتى بات يكرر كلمة نعم، بعد كل كلمتين يسجلها، لغرض إعادة تكرار الأمر المطلوب، فامتلأت الورقة بكلمات قليلة متفرقة، أزاحها جانباً، وتناول أخرى بارتباك واضح، دفع سعيد أن يحملق فيها، بعينين فارغتين من كل معنى، سوى الرغبة في الاطلاع على ما يثير الفضول، وان كان وقوفه الى الخلف بمسافة تقترب من المتر. تمنعَ عن القراءة خوفاً، عندما فهم مادتها، فحاول إدارة رأسه باتجاه الشباك الجانبي. لكنه عاودها بدوافع الفضول ذاتها، فتأكد أن المكتوب “التوجه فوراً، بصحبة اثنين من أعضاء الفروع، ومدير المخابرات الشمالية، الى مقر الخائن وليد. يتم القاء القبض عليه. يجلب حياً الى بغداد على الفور. لا يسمح له الاتصال بأي شخص كان. هناك ضابط من جهاز المخابرات، سيصل المكتب في الوقت القريب، لديه كل التفاصيل. يجري التنسيق معه لما يتعلق بالتنفيذ”.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة