فايز الخفاجي
نتركُ للقارئ ترجيح أحد الرأيين في هذا الشأن, لأن يجب أن تسود الروايات التاريخية وجهات نظر متعددة يكون الرأي والرأي الآخر عمادها, وعقلية القارئ هي الفيصل.
بعد أربعين يوماً على رحيله، تساءل صديقه ورفيقه المناضل القومي الراحل أمين شقير: كيف أنساه وما زالت صورة جلستنا ومنتدياتنا تلحّ علي، وقد أضاءها بمرحة وفكاهته اللاذعة. فيبدد العبوس والتقطيب من على وجوه إخوانه ويشيع المسرة في نفوسهم. وليؤكد لهم بأن الحياة مهما تعقدت، وأنها مهما اكفهرت فإن في الإنسان ذاته يكمن جوهر الحياة، وأن الإنسان هو القدير بحسن إدراكه لحقائقها أن يحوّل كل إحباط ويأس إلى نوافذ نور وأمل، وأن الإنسان هو مصدر جمال الحياة وجمال الأشياء، إذا شاء أن يرى الجمال ويحسه، وهو الذي يجعلها مظلمة، إذا أغلق أبواب النور على نفسه. وهنالك سؤال نود أن نطرحه وهو لماذا لم يعدم صدام حسين منيف الرزاز؟
إن صدام حسين لم يعدمه للأسباب التالية:
1- لأنه مقبل على قيام الحرب العراقية الإيرانية ولا يريد أن يخسر البعثيين في الأردن ولبنان وباقي الدول العربية, لأن الرزاز كان يتمتع بشعبية كبرى بين هؤلاء.
2- صحيح أن صدام حسين اغتال فؤاد الركابي, أول أمين سر للقيادة القطرية لحزب البعث في العراق في سجنه, ولكنه نسبها لشخص آخر وربما انطلت على كثيرين من البعثيين خارج العراق باعتباره لم يكن على رأس الحزب والدولة في عام 1971, بينما في عام 1979 اعتقل الرزاز بأمر من صدام وأن إعدامه سيفتح عليه جبهات إعلامية هو في غنى عنها.
3- لم يرد صدام حسين أن يخسر حليفه الأقوى وهو الملك الحسين بن طلال وأن إعدام مواطن أردني سيعرض الملك حسين إلى ضغوط الرأي العام الأردني لكي يحدد موقفه من نظام حزب البعث العراقي بقيادة صدام حسين, وهذا ما تجنبه صدام له ولحليفه الحسين بن طلال.
الفصل الخامس: موقف منيف الرزاز من بعض القضايا السياسية
أولاً: دوره في الحياة السياسية الأردنية
في عمان برز منيف الرزاز بصبغته السياسية، كمثقف يفكر ويناضل في آن واحد, وانتقل من ممارسة الطب إلى ممارسة السياسة فرشح نفسه كنائب سنة 1949. وفي عام 1952 تم سحب الجنسية الأردنية عنه وفي هذا الشأن أوضح الرزاز قائلاً: في شباط ١٩٥٢ أصدر مجلس الوزراء الأردني قراراً بسحب الجنسية الأردنية مني وابقاني في الأردن بلا جنسية حتى لا (أعمل في السياسة) وكانت تلك أول عقوبة أتلقاها بسبب انضمامي لحزب البعث, ولكن نشاطي السياسي لم يتوقف فأصدر مجلس الوزراء الأردني قراراً في تشرين الثاني – ١٩٥٢ بـإبعادي من البلاد وأركبوني في سيارة على حسابي مخفوراً ووضعوني على الحدود السورية وكان في جيبي (ديناران) فقط, وصلت إلى دمشق ومكثت فيها عدة أشهر بلا عمل واستمررت منفياً في دمشق لمدة عام كامل أي حتى عام 1953 حيث رجعت إلى الأردن. وفي نيسان – 1957 أختاره رئيس الوزراء (عبد الحليم النمر) ممثلاً للبعث في حكومته الحزبية لتسلم حقيبة (الصحة) بعد إقالة حكومة (سيلمان النابلسي)، لكن تسارع الأحداث حال دون إعلان تلك الحكومة، ليتقدم الدكتور حسين فخري الخالدي بحكومته التي لم تعمر طويلاً. اُعتقل في سجن (الجفر في معان) مرتين, الأولى مع مجموعة من السياسيين والضباط الأحرار عام 1957-1958, ونقل لفترة في سجن (عمان المركزي) عام 1958 ووثق ذلك ببعض الرسائل التي كان يرسلها لعائلته, ثم وضع تحت الإقامة الجبرية في عيادته، واعتقل للمرة الثانية عام 1963 على أثر محادثات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق, أطلق سراحه سنة 1964 ووضع تحت الإقامة الجبرية. للمرة الأخيرة، جرى اعتقاله في عمان، في سياق أحداث أيلول – 1970م.
ثانياً: القضية الفلسطينية ومنيف الرزاز
أدرك منيف الرزاز معنى الحرب بين العرب والصهاينة في عام ١٩٢٩حينما شاهد الرجال يركبون السيارات وينطلقون إلى القدس وفي هذا الشأن يقول: علمت أن حرباً تدور بين العرب واليهود في الخليل وأن الناس يتطوعون لمساندة عرب فلسطين وأن رجلاً أسمه (عبد الله بن قوره) صاحب الكراج الوحيد في عمان تبرع بنقل المقاتلين المتطوعين من عرب الأردن إلى القدس مجاناً. ويسترسل الرزاز: وفي عام ١٩٣٦ قامت الثورة الفلسطينية الكبرى ضد البريطانيين ساهم بتظاهراتها الطلبة, وأغلق البريطانيون المدرسة الثانوية وعدت إلى أهلي في عمان ثم أعيد فتح المدرسة واستمرت التظاهرات إلى أن أنهيت دراستي فيها. ويذكر الرزاز: بأنه كان فوزي القاوقجي على رأس فرق المتطوعين العراقيين والسوريين واللبنانيين والأردنيين يقاومون الاستيطان بشكل تطوعي.
منيف الرزاز يشخص فشل العرب في الدفاع عن فلسطين
أكد منيف الرزاز بأن المعركة في سبيل تحرير فلسطين ليست بالبساطة التي يصورها بعض العرب, لأن إسرائيل تمتد جذور قوتها من دول كبرى في العالم حيث أننا نحارب عدواً عاتياً رأس حربته في فلسطين ولكنه معشش في كل دوائر النفوذ في العالم مسيطر على مراكز المال والنفوذ والاقتصاد والتعليم والثقافة والأدب والإعلام متقدما حضارياً منظما علمياً وبالإضافة إلى ذلك كله موحدا قيادياً. تمثل الوكالة اليهودية فيه السيطرة العليا على كل ما له علاقة بالصهيونية من قريب أو بعيد. باختصار عدونا عدو شرس ليس ككل الأعداء وكل هزائمنا كان سببها لأننا نواجه أكبر حلف صهيوني عالمي استعماري رجعي وأي أمة في العالم لا تواجه ما نواجهه نحن العرب, وهذا لا يعفيننا بل يجب علينا أن نكون على قدر المسؤولية في معركتنا. وأضاف الرزاز: إسرائيل تخوض الحرب ضد العرب بجيش ليس لأنه فقط محترف وكما يصوره العرب بعيد عن الجماهير, فالعسكرية ليست لديهم مهنة عندهم بل أن الشعب مجند, والمدنيين عندهم هم الجيش ولكن بشكل مجاز. يجب أن يكون العمل الفدائي في فلسطين عملا جماعيا وليس فرديا, حيث يجب إشراك الشعب بهذه المعارك المصيرية, فالحقيقة تم إبعاد الجماهير عن هذه القضية بشكل مباشر وغير مباشر, بينما إسرائيل أشركت الجماهير في الحرب مع العرب واعتبرت الشعب ضمن هذه القضية. ويشخص الرزاز فشل الإعلام العربي في خوض المعركة الإعلامية للدفاع عن فلسطين قائلاً: إعلامنا يعتمد على العاطفة الرخيصة في الدفاع عن قضيتنا فلا يخاطب هذا الإعلام العقل ولا الإيمان ولا المصلحة ولا الحقيقة, فبرمجتنا للإعلام كانت تؤكد رضا الناس لا حسب تخطيطنا نحن. ويصف الرزاز حال الفدائيين قائلاً: كان الفدائيون يلاحقون ويسجنون قبل 5- حزيران- 1967 بحجة تعطيل الخطط لدى القيادة العربية لتحرير فلسطين! وهذا ما أدى لتأخر تعبئة الجماهير لمقاومة إسرائيل. بعد تركه لحزب البعث عام 1967 أصبح منيف الرزاز الأمين العام (لجبهة التحرير العربية). وقد كان ضد ممارسات (منظمة التحرير) التي أدت إلى مواجهة مع السلطات الأردنية وكان يعتقد أن تحويل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي من شأنه أن يجهض القضية الفلسطينية. وقد تم سجنه لعدة أشهر بعد أحداث أيلول – 1970.
ثالثاً: موقف منيف الرزاز من انقلاب 23- شباط – 1966 في سوريا
1- جذور الأزمة
إن التحدي الأكثر تأثيراً الذي واجه بعثيو سورية هو الصراع الداخلي في حزب البعث بين ما يعرف (بالقيادة القومية) التي كان أمينها العام ميشيل عفلق وبين (القيادة القطرية) التي كانت تسيطر عليها (اللجنة العسكرية), والتي كانت تضم عدداً من الضباط. أسست (اللجنة العسكرية) في مصر في (عهد الوحدة) وكانت تضم في بادئ الأمر (5) ضباط هم:
1- العقيد محمد عمران.
2- الرائد صلاح جديد.
3- أحمد المير.
4- النقيب حافظ الأسد.
5- النقيب عبد الكريم الجندي.
ثم ما لبثت أن توسعت هذه اللجنة لتضم عدداً أكبر من الضباط البعثيين.
انقسم حزب البعث على ضوء ذلك إلى تيارين رئيسيين وهما: التيار اليميني ومعظمه من البعثيين المدنيين من أعضاء القيادة القومية، وكان أبرزهم الفريق أمين الحافظ وصلاح البيطار والأمين العام للحزب ميشيل عفلق وشبلي العيسمي ومنيف الرزاز وأحمد أبو صالح والوليد طالب وكثيرون كانوا يشكلون (القيادة القومية) في الحزب. أما التيار الآخر فهو التيار اليساري أو (المجموعة العسكرية) وقد غلب عليه ما عرف في ما بعد (القيادة القطرية) في الحزب وقد برز من هذه القيادة من العسكريين:
1- رئيس الأركان اللواء صلاح جديد.
2- الرائد سليم حاطوم.
3- العقيد عبد الكريم الجندي وآخرون.
خاض الطرفان صراعهما في إطار الحزب, فاستطاع الضباط انتزاع السلطة النهائية من يد القيادة القومية ووضعوها في يد القيادة القطرية, ثم عقدوا مؤتمرا قطرياً في آذار عام 1965 لإقرار مبدأ كون الحكومة خاضعة كلياً للحزب وأن الأمين القطري يجب أن يكون حاكماً رئيساً للدولة وأن القيادة القطرية هي التي تعين رئيس الوزراء والوزراء ورئيس الأركان وكبار القادة العسكريين.
حاول ميشيل عفلق أن يواجه العسكريين (للحد) من سيطرتهم على الحزب فدعا إلى مؤتمر قومي في أيار- عام 1965 غير أن أعضاء القيادة غير القومية من غير السوريين نصحوه بالحذر (خوفاً) من إبعاد العسكريين في الحزب المدنيين وأقنعوه بأن يلتزم الهدوء وبان (يتخلى) عن منصب الأمين العام الذي شغله لمدة 18 عاماً.
2- المؤتمر القومي الثامن ينتخب منيف الرزاز أمينا عاما للقيادة القومية لحزب البعث خلفاً لميشيل عفلق. انعقد المؤتمر (القومي الثامن) في دمشق في نيسان – عام 1965، وكانت من أولى مهامه الرئيسة التي أطّلع بها المؤتمر وهي دراسة نكسة العراق حيث قيم المؤتمر هذا الأمر مبّيناً بأنه: تمّ الاطلاع على التقرير المقدّم من القيادة القومية، تنفيذاً لقرار المؤتمر (القومي السابع) بشأن تقييم نكسة العراق ودراسة أسبابها، وبعد الدراسة خلص المؤتمر إلى تحديد الأسباب التي أدت لفقدان البعثيين في العراق للحكم في 18- تشرين الثاني – 1963 بالآتي:
1- عدم وجود دراسة جدية للواقع الاجتماعي والاقتصادي.
2- غياب القيادة القطرية وإهمال دور القاعدة الحزبية وانقطاع الصلة بينهما.
3- إهمال التنظيم العسكري، واستعداء الجيش وخلق التناقض بينه وبين الحرس القومي .
4- انغلاق الحزب عن الجماهير والاستعلاء عليها.
5- عدم تحقيق إنجازات على الأرض.
6- دور الاستعمار والقوى الرجعية في ضرب المدّ القومي والبعثي في العراق.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة