الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ملفات وقضايا / الحلقة 38 والأخيرة : سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق في  عهد الرئيس عبد الرحمن عارف 1966 – 1968

الحلقة 38 والأخيرة : سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق في  عهد الرئيس عبد الرحمن عارف 1966 – 1968

الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي

 محطة “صوت أمريكا” أجرت حواراً ضيفت فيه الدكتور فيصل الوائلي مدير عام الآثار

مجلة “لايف” الأمريكية طلبت من الحكومة موافقتها على إرسال بعثة إعلامية لإجراء تحقيق مصور عن الآثار العراقية

 

 أولتِ الصحافة والإذاعة الأمريكية، بنشاط البعثات الآثارية الأمريكية اهتماماً واضحاً، اذ طلبت مجلة “لايف” الأمريكية مثلاً، من الحكومة العراقية في تشرين الثاني 1966، موافقتها على إرسال بعثة إعلامية على حسابها الخاص بغية إجراء تحقيق مصور عن الآثار العراقية، فضلاً عن نشر تحقيقات عن الآثار العراقية في أعداد المجلة على غرار التحقيقات التي نشرتها المجلة عن الآثار الإيطالية واليونانية والمصري. وفي السياق نفسه، ولمناسبة قرب افتتاح المتحف العراقي للآثار، في 9 تشرين الثاني 1966، أجرت محطة “صوت أمريكا” حواراً باللغتين العربية والإنكليزية، ضيفت فيه الدكتور فيصل الوائلي مدير عام الآثار في 1 تشرين الثاني 1966، تطرق خلاله، الى الاستعدادات الجارية وأهمية افتتاح المتحف في بنايته الجديدة. والثابت فعلاً أن المتحف تم افتتاحه في 9 تشرين الثاني 1966، وحظي بحضور الرئيس عبد الرحمن عارف، وعدد من المسؤولين العراقيين، وأعضاء السفارة الأمريكية في بغداد، ورئيس الجامعة الأمريكية في بيروت الذي مثل الحكومة الأمريكية في افتتاح المتحف، والبروفسور آدامز مدير المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو، والمشرف على جميع البعثات الآثارية في نفر، وقد شدد آدامز في لقائه الصحفي على أهمية افتتاح المتحف للدراسات العلمية المهتمة بآثار العراق. وفي خضم التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، حدثت حرب 5 حزيران 1967، وأدت وقائعها الى نتائج سلبية، انعكست على دول المنطقة عامة، والعراق خاصة، وكان من الطبيعي ان ينعكس قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبغداد، على أعمال ونشاط البعثات الأمريكية في العراق، ومما له مغزاه، تأخر وصول الدكتور كروفورد (Croford)  من متحف متروبوليتان والدكتور هانسن (Hansen) من جامعة نيوريوك الى العراق في أيلول 1968، على الرغم من حصولهما على إجازة التنقيب في تل الهبا في ناحية الدواية قضاء الشطرة في شباط 1968،  وشمل التأخير كذلك البروفسور آدامز للتنقيب في موقع نفر في أيلول 1968، على الرغم من حصوله على الموافقة في إجازة التنقيب في الموقع في تموز 1968. ثم استمر عمل البعثة الأمريكية مع مديرية الآثار العراقية، واستناداً الى قانون قسمة الآثار رقم 59 لسنة 1936، طلبت مديرية الآثار من مديرية التصدير والاستيراد العراقية في 25 حزيران 167، السماح للبعثة الأمريكية التي نقبت في نفر، باخراج ثلاثة صناديق احتوت على حصتها من الآثار القديمة، وفقاً للقانون المذكور. والجدير بالإشارة هنا، أن الولايات المتحدة الأمريكية احتفظت بالمرتبة الثانية من حيث عدد البعثات الأجنبية التي عملت في العراق بين عامي 1966 و1968، وقد جاءت بعد إيطاليا التي حققت تفوقاً واضحاً مقارنة بالبعثات الأجنبية الأخرى. وعند إجراء إحصائية لتوضيح ما نحن بصدده، ظهر أن إيطاليا قد حققت قصب السبق في عدد بعثاتها التنقيبية، اذ بلغ عددها سبع بعثات تلتها الولايات المتحدة الأمريكية ست بعثات. أما المواقع التي نقبت فيها المؤسسات الأمريكية، المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، ومتحف جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، فضلاً عن شخصيات أمريكية قامت بأعمال تنقيبية في العراق، والمواقع هي: نفر، أريدو، عين لينو، إمام عباس كردي، إيشان العبد، تلول بنات الحسن، أم العجاج، مشروع المسيب الكبير. وهناك مؤشر آخر على الاهتمام الامريكي بآثار العراق. فقد كان للحركة السياحية العلمية نصيب من التعريف بتاريخ العراق وحضارته القديمة، من خلال الزيارات التي قام بها السواح والوفود الأمريكية الى المواقع الآثارية العراقية بين عامي 1966 و1968، وغالباً ما يرافق الوفود السياحية موظفون عراقيون محترفون بوصفهم أدلاء ومرشدين سياحيين، ومن أبرز تلك الوفود:

1- وفد الصداقة الأمريكي، الذي زار آثار بابل، واطلع على آثار المدينة والحضارة التي أقامها الإنسان العراقي.

2- وفد برلماني أمريكي ضم أعضاء من مجلس الشيوخ والنواب، زار معالم آثار بغداد ومنها المتحف العراقي.

كما أولى العلماء الآثاريون الأمريكيون اهتماماً واضحاً بدراسة الآثار والحضارة في وادي الرافدين منهم:  دعا المعهد السمستوني في واشنطن البروفسور مالوان (Malwan) 1- عالم الآثار البريطاني، الذي سجل أضخم الاكتشافات في العاصمة الآشورية في نينوى خلال ثلاثين سنة، لإلقاء محاضرة عن كتابه الجديد، آنذاك، “نمرود وبقاياها” ومن الجدير ذكره، ان السفير العراقي في واشنطن ناصر الحاني استثمر وجود مالوان، وأقام دعوة مأدبة غداء على شرف البروفسور البريطاني. نشرت الدكتور تيريزا كارتر (Thereza Carter)  مديرة العمليات في المتاحف الأثارية المشتركة في جامعة فيلادليفيا، تقريراً عن الحفريات التي قامت بها البعثة المشتركة بين علماء بريطانيين وأمريكيين، للموسم الثالث، تضمن تفصيلات مذهلة بشأن هيكل آشوري يعود تاريخه للعام 1800 قبل الميلاد عثرت عليه البعثة في موقع تل الرماح. إن ما حققته الدراسات المتخصصة في تاريخ وادي الرافدين وحضارته من نتائج في المناهج العلمية التاريخية، يعود الفضل في جزء منه الى عمل البعثات التنقيبية الأمريكية في العراق، التي كشفت النقاب عن الماضي وسلطت الضوء على جوانب متعددة من تاريخ العراق القديم.

 

اهتمامات أمريكية أخرى بالعراق  

وهناك جوانب أخرى، على الرغم من كونها صغيرة، إلا أنها تكشف عن مدى الاهتمام الأمريكي بالعراق. ففي شهر مايس 1966، تقدمت “الجمعية التعاونية للمعونة الأمريكية” بطلب الى الحكومة العراقية لعقد اتفاق معها، للعمل في العراق، وتقديم خدماتها الى المجتمع العراقي. والثابت، فعلاً ان الطلب عرض على مجلس الوزراء العراقي في جلسته المنعقدة بتاريخ 11 مايس 1966، وخلال المداولة، أثيرت حول عمل هذه الجمعية اشكالات متعددة، كان من أبرزها توصية وزارة الداخلية العراقية التي اتهمت الجمعية “باتصالها بالأكراد (العصاة) وهي أعمال (لا تمت للجمعية بصلة)”، كما اعترضت مديرية الأمن العراقية على عمل الجمعية لأنها “لاحظت أن لها تحركات في المناطق الشمالية من أجل جمع المعلومات عن الأوضاع هناك”، وعليه قرر المجلس رفض عمل الجمعية في العراق. مع ذلك، لم تدع الأوساط الرسمية الأمريكية مثل هذا الموقف من الحكومة العراقية يؤثر في سير العلاقات بين البلدين، اذ كانت الحكومة العراقية تدرك جيداً أن المؤسسات الثقافية الأمريكية وغيرها، وأن تنوعت أساليبها، تروج لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وان حكومة بغداد كانت مقتنعة وبموافقة ضمنية غير معلنة على الأنشطة والوسائل الأمريكية في البلاد، ولم تبد اعتراضها عليها، إذ ما زال جزء منها يصب في خدمة تحديث المجتمع العراقي وتطويره، إلا أن واقع الحال اختلف جذرياً بعد قيام حرب 5 حزيران 1967، وتراجع العلاقات الدبلوماسية بينهما، اذا انعكس ذلك كله سلباً على العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق.

?>