حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
شامل عبد القادر
فيديل كاسترو في رسالة لصدام: كيف حولت الطبقة العاملة إلى موظفين؟
بدن فاضل عريبي.. أعدم وهو ميت!
كانتْ شخصية المرحوم الشهيد محيي عبد الحسين مشهدي الشمري تثير قلقي وتساؤلات كثيرة في كل مرة اعرض الفيلم التسجيلي المشؤوم الذي امر بتصويره صدام للمؤتمر – المؤامرة في قاعة الخلد في تموز 1979 واشاهده رحمه الله في موقف اخاك فيه مجبر لا بطل (!!) وصدام معروف جدا بنذالته عندما (يولي!) احد ما فيستخدم اقصى ما يمكن ان يطلقه من العنف والكراهية والتعذيب النفسي ضد ضحيته قبل ان يجهز عليها ببشاعة لا توصف.. كان محيي من الشخصيات البعثية القوية والمبدئية والتي لا تخشى الموت في مواجهة اساليب الامن في التعذيب ابان الانظمة السابقة لكنه في ظل حكم حزبه (يا للخيبة!!) كان (رفاقه!!) يهددونه بامر (امين سر القطر الجديد!!) بانتهاك شرفه وعرضه اذا لم يستجب لنص المسرحية وماذا كنا نتوقع من الشمري وهو يواجه هذا الخيار الخسيس من لدن (رفاق الامس)! والشمري كان يدرك ان كل قوام مسرحية صدام متوقف على استجابته.. وكان صدام يعرف ان الشمري مصاب بمرض السكري الشديد الذي اوقعه في وهن عام ومتاعب جسدية ونفسية لا حصر لها فكيف وقد وقع المريض بالسكري الشديد في قبضة جلاد لا يعرف اي قيمة واعتبار للرحمة في قلبه؟! يقول البعض كان على الشمري ان يختار الموت على ان يستجيب للطاغية صدام ومسرحيته السخيفة.. كان يجب عليه ان يموت ويترك الباقي لخيالات صدام.. ولكن هل كان صدام يدعه يموت براحة؟! وهل كان بمقدور المريض بالسكري الصمود امام الة التعذيب الوحشية او في الاقل ان يشاهد ما لا يقبله شرف وضمير انتهاك عرضه امام عينيه؟! علمت من مصادر بعثية موثوقة ان المرحوم الشهيد بدن فاضل عريبي النداوي مات تحت التعذيب وان سعدون شاكر ابلغ صدام بوفاته متأثرا بالتعذيب الشديد الذي مورس ضده ومنه ثقب قدميه وساعديه بالة الدريل فقال صدام لسعدون: اذا ضعوا اسمه في قائمة المحكومين بالاعدام واعدموه ميتا!! عندما تسلم صدام الرئاسة طفحت كل شروره ضد رفاقه وبطريقة فضحت نفسيته المريضة الحاقدة اذ ارسل المرحومين الشهيدين عدنان الحمداني وغانم عبد الجليل الى حاكمية المخابرات للتحقيق معهما وحال دخولهما وهما في حالة يرثى لها من الاهمال والضرب والتعذيب تقدم منهما (وضاح الشيخ) وهو مدير الحاكمية بحضور برزان التكريتي رئيس جهاز المخابرات العامة فتلقفهما بـ(جلاق!) لكل واحد منهما فاندفعا بقوة الى الامام وصاح برزان منتشيا: (عفية.. عفية وضاح)!!
هذه اخلاق العائلة الحاكمة!
من المؤسف ان عينة طيبة وشريفة ومخلصة ومبدئية واشتراكية المنهج هي التي ذبحها صدام يوم 22 تموز 1979 وبقيت معه كتلة يمينية منحرفة تامرية تحقد على الاشتراكية والوحدة وتحتقر الحرية وقد تجسد هذا كله في السنوات اللاحقة من حكم صدام وعائلته وعشيرته!! نعود الى المرحوم محيي عبد الحسين مشهدي الشمري الذي اثار لغطا كبيرا بين صفوف الطائفيين من البعثيين الصداميين.. كان صدام ومعه برزان واخوته غير الاشقاء قد روجوا ظلما وبهتانا وتزويرا وتزييفا للحقيقة عن المرحوم محيي انه من اصل ايراني او بالحرف الواحد: “عجمي ايراني”!! اما كيف اخترع صدام واخوته غير الاشقاء هذه التهمة للمرحوم محيي ولماذا؟! هذا ما نجده في السطور التالية: صدام يعرف قبل غيره قوة شخصية محيي الشمري وامانته الحزبية والتزامه العالي جدا وانه من اصحاب المروءة والشرف والقيم النبيلة التي لا مساومة عليها باي حال من الاحوال.. وصدام يعرف تمام المعرفة ان محيي من اصول عربية خالصة ربما اكثر من نسبه المطعون من جهة ابيه وامه.. وصدام يعرف ان محيي من عشيرة “شمر” العربية ومعروف النسب من جهة الاب والام وهو عربي 100% وان اسم “مشهدي” هو اسم جد محيي وهو اسم متداول بين العراقيين الشيعة اقتبس تبركا به من اسم “مشهد” وهو احد اسماء مدينة النجف الاشرف المقدسة ومثلما يتلقب العراقي السني باسم “مكي” و”مكية” تيمنا بـ”مكة المقدسة” يتبرك الشيعة في العراق باسم “مشهد” ويلفظ “مشهدي” اي بكسر الميم و الشين وتسكين الحروف الباقية للتفرقة عن اسم “مشهد” المدينة الايرانية التي فيها ضريح الامام الشهيد على الرضا عليه السلام.. اما لماذا اصر صدام وزبانيته على ترويج “مشهد” بدلا من “مشهد” النجفية وتضليل البعثيين والعراقيين متعمدا للاساءة لمحيي – وهو ليس اساءة في جميع الاحوال اذا افترضنا الوحدة الاسلامية لا الشوفينية العنصرية البغيضة – ان محيي من اصول (عجمية) وان كلمة (مشهدي) في تسلسل اسمه هي نسبة لمدينة (مشهد) الايرانية وليس اسم جده!! اية نذالة وخسة اتبعها صدام مع المرحوم محيي الشمري!! كان صدام يعرف ان محيي من العراقيين الشيعة ولكنه يعرف ايضا تمام المعرفة ان لا وجود لاية بذرة طائفية في عقل وقلب محيي وبقية رفاقه الذين سبقوه بالقتل على ايدي صدام وجلاوزته.. كان محيي عاملا وكادرا عماليا متقدما في صفوف البعث ومن اصحاب الاتجاه اليساري الاشتراكي كحال المرحوم محمد عايش “ابو سحر” وبدن فاضل “ابو سعد” وغانم عبد الجليل وصلاح عمر العلي وعشرات البعثيين اليساريين في محور قيادة البكر لكن محور البكر – صدام كان يمثل اقصى اليمين الرجعي المعادي للنهج البعثي العمالي والاشتراكي وقد اكدت الاحداث اللاحقة مدى كراهية صدام للعمال والمكتب العمالي عندما قرر الغاء صفة العمال وتعيينهم موظفين مما اثار استغراب (ابو الطبقة العاملة في كوبا) فيديل كاستروا فارسل له رسالة تضمنت سؤالا واحدا: كيف حولت الطبقة العاملة الى موظفين؟! وبالطبع سكت صدام ولم يجب على رسالة كاسترو!! اضافة الى كل هذا قام صدام ببيع القطاع الاشتراكي الى اقاربه واشقائه لادارة الاقتصاد العراقي فتسلم برزان شركات البيض والدجاج وقامت زوجته ساجدة بالاستيلاء على مزارع الدولة في حين كانت تجارة المشروبات الروحية والسكائر والتجارة الخارجية من نصيب عدي!! اي بعث تبقى واي اشتراكية بعثية تبقت في ظل القائد الضرورة واولاده واخوته غير الاشقاء من الجهلة والاميين؟! ومثلما فعلها صدام مع المرحوم محيي الشمري فعلها لاحقا مع الاستاذ نعيم حداد عندما اشاع “عجمة” نعيم حداد وزاد عليها ان نعيم ليس من المسلمين بل من (الصبة) وكأن الصابئة ليسوا عراقيين بل تهمة وسبة!! لا اعرف هل كان صدام يدرك ويعرف ان العراقيين اطياف فيهم التركماني والصابئي والفيلي واليزيدي؟! ام انه احتكر العراق والعراقية للعرب فقط؟! ام ان العراقية من وجهة نظره لا تمنح الا لاهل العوجة والبوناصر فقط من دون اهل العراق كلهم؟! اننا لا نفتري على صدام بل ان واقع الحال الذي انتجته سياساته المنحرفة والخاطئة من بعد عام 1973 هي التي قادت العراق الى التفكك والتمزق والاحتلال الاجنبي وما نعانيه اليوم هو نتيجة لتلك السياسات الخاطئة المنحرفة لصدام واولاده وابناء عشيرته الحاكمين الفعليين للعراق منذ تموز 1973 حتى 9 نيسان 2003!! في حوار اولي اجريته مع ابن عمة المرحوم محيي الشمري وابن خاله في ان واحد ورفيق دربه ونضاله منذ عام 1958 حتى استشهاد محيي في اب 1979 واقارب اخرين فضلوا عدم الاشارة الى اسمائهم حافظت – بناء على رغبات اطراف الحوار- على سرية الاسماء والاماكن واحتفظت بامانة المنقول والوقائع كما وردت على السنة اطراف الحوار وقد كانت رغبتي ان احاور السيدة عقيلة المرحوم الشمري وولده (عمار) الا انهم – اقاربها- اخبروني بسفرها مع ولدها الوحيد الى خارج العراق حيث يقيم شقيق لها كان ضابطا في الجيش برتبة عميد.. وعمار شاب حاصل على الماجستير في الكيمياء وكان عمره اربع سنوات عندما اعدم والده رحمه الله.. والسيدة عقيلة المرحوم محيي الشمري هي من عشيرة سامرائية معروفة (البو باز) وشقيقها هو الاستاذ ايهم جاسم السامرائي وزير الكهرباء السابق وكانت موظفة في دائرة الكهرباء التي عمل فيها المرحوم محيي وتمت خطبتها بالطريقة العراقية التقليدية المعروفة وتزوجا عام 1975 ورزقا بولد واحد هو عمار. حدثني (ط. م. ح. ت) ابن عمة وخال المرحوم محيي الشمري الذي رافقه في حياته وفي مراحلها المختلفة حتى استشهاده في عام 1979: ولد محيي عبد الحسين الشمري في بغداد الكرخ في (محلة الشيخ علي) عام 1937 نشأ وترعرع في هذه المحلة حتى عام 1955 حيث انتقلت عائلته الى منطقة (الدشتي) في الرصافة – الحيدرخانة قرب منطقة الرصافي وكانوا يسمونها (امام طه) في السابق لكون والده كان يعمل في دائرة الكهرباء التي اسست عام 1948 وكان والده المدير الفني لشركة الكهرباء غير الحكومية وقتذاك في منطقة (العبخانة) وعندما اصبحت الكهرباء تدار من قبل الحكومة نقل والده الى المحطة التي كانت موجودة في منطقة الدشتي وسكن فيها مع عائلته.. اكمل محيي المدرسة الجعفرية الابتدائية عام 1949 ثم انتقل الى الثانوية الجعفرية لكنه لم يكملها وفي عام 1958 توظف في الكهرباء ونسب الى منطقة الاعظمية واصبح مسؤولا عن اعادة او منح الكهرباء في الاعظمية واثناء وجوده فيها تم كسبه الى صفوف حزب البعث انذاك وتقريبا في ايلول – تشرين الاول 1958.
لماذا اختار البعث؟
هو رحمه الله اخبرني انه انتمى للبعث العربي الاشتراكي بسبب الصراع السياسي القائم انذاك مع الشيوعيين وانهم يحاولون تشويه العروبة والاسلام..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة