فايز الخفاجي
تفاصيل الرواية
أسرة الرواية: الأب الدكتور إبراهيم مراد (منيف الرزاز) الذي عرف في الأوساط السياسية بالختيار (أي الرجل كبير السن) والزوجة مريم القيمري (لمعة بسيسو), والبنت الصغيرة سناء (زينة)، مضافاً إليهم أطقم الأيدي السوداء والضحايا من الأبرياء، والابن أحمد (مؤنس) الذي يتنقل بين أوروبا وبيروت. أما بقية أفراد الأسرة، بمن فيهم الختيار (منيف الرزاز) فيعيشون تحت (الإقامة الجبرية)، معزولين عن العالم في إحدى ضواحي العاصمة، عاصمة البعثيين (بغداد) ولا يجدون غير الزبّال الذي يستمع إلى قضاياهم الصغيرة. لقد كان الختيار في أعلى مناصب الحزب، وانهار حكم المثقفين، وتولى الجنرالات والعسكر دفّة الحكم ومن داخل التنظيم الحاكم نفسه. لم يقتلوه كما الآخرين. برغم أن الإعدامات باتت لغتهم في التخلص من معارضيهم. لأنهم بقتله إنما يقتلون القائد الرمز للشعب.!! وسيخسرون عندها شرائح كبيرة من مجتمعهم ورفاقهم. ولكنهم وضعوه تحت الإقامة الجبرية بإشراف ضابط مسؤول أمني وفريق من الحرس. وبرغم أن الضابط يخفي بداخله بعض التعاطف والإعجاب بالقائد الأسير إلا أنه لا يملك إلّا أن ينفذ الأوامر. تعيش الأسرة ظروف رعب حقيقيّ إقامة جبرية, ومراقبة دقيقة من حرس ما زالوا يرون الختيار، المناضل السياسي والمعلم، الذي ما انفك يكتب ويكتب في التجربة السياسية في سائر القضايا الفكرية، غير أنهم يأخذون منه كتاباته. تمارس أجهزة الحكم القمعية كل أشكال المضايقة والتدمير النفسي للأب المناضل وأسرته، فيقطعون الكهرباء عن المنزل تارة، ويعطلون الهاتف تارة أخرى، ويعزلون الأسرة عن العالم الخارجي، فيما تندسّ عيونهم إلى داخل المنزل، وتراقب تفاصيل الحياة اليومية عبر أجهزة تكنولوجيا التنصت والمراقبة.
حصلَ مؤنس الرزاز على معطيات أحدات رواية (كاتم الصوت) عن طريق والدته لمعة بسيسو. فوثق ما تعرض له والده في هذه الرواية, وكانت مداراتها تتمحور حول مصير والده, فكتب منتقداً صدام: أن المأساة تكمن في أن والدي كان يعرف مصيره, وبالرغم من هذه المعرفة كان يسير في هذا المصير, ولكن أبشع شيء أنهُ عوقب على ذنب لا يعرفه, على خطيئة جاهلاً بمحتوياتها, وبرغم تساؤله وتخمينه وتحليله فهو تمنى أن تكون التهمة حقيقية. ويذكر مؤنس أنهُ اتصل بهِ وأجاب سكرتيره بأنه مسافر, ولما كررت الاتصال تم قطع التلفون بشكل نهائي, وقالت زوجتي الجالسة بالقرب مني بعد معرفتي بوضعه تحت الإقامة الجبرية بأنها متفاجئة من اعتقاله على يد رفاقه في الحزب الذي انتمى له. ويسترسل مؤنس الرزاز قائلاً: كان واضحاً أن وضع والدي تحت الإقامة الجبرية بمعية والدتي وأختي بأنها إقامة دائمية ولن يفرج عن والدتي وأختي إلاّ بعد وفاته. صور مؤنس الرزاز مأساة والده عن طريق رواية تراجيدية, وكيف أنه سجن بلا ذنب ولا محاكمة وأن الحرس الذين وضعوا في المنزل وحوله كانوا يحصون عليهم الأنفاس, وحتى الكهرباء والطعام وقتهما يوضع بأوامر أمنية خالصة كما أشرنا سابقاً. وتساءل مؤنس كيف يكون مصير شخص خدم أمته عن طريق نضاله بهذا الأسلوب السمج, فهل يُعقل أن يحاسب شخص على تهم وهمية بهذه الطريقة وأي قانون هذا الذي يضع شخصا بسجن في منزله مدى الحياة, وتمنع عنه أبسط وسائلها, فأُخذت كل متعلقاته المهمة, وتُرك فقط (مسدسه) في درج مكتبه لأن من وضعه تحت الإقامة الجبرية أراد أن يتعبه نفسياً لكي (ينتحر) بهذا المسدس, ولكنه بقي صامداً لمدة خمس سنوات من إقامته الجبرية. أصبح حزب البعث حزبا من الماضي لما كان الرزاز يناضل بين صفوفه فكان يُنعت بحزب (المقموعين) ولكن الآن بات يسمى بحزب (القامعين), وأن الناس أصبحت من الصعب التعاطف مع قيادي بعثي اعتقله رفاقه القامعون عكس ما كان في الماضي أيام النضال السري وهذه هي المأساة أن تعيش في سجن رفاقك وهم الماسكون بزمام السلطة. يشبه الكاتب الأردني مهند سعد حال صدام حسين بعد وضعه الرزاز تحت الإقامة الجبرية: ما زلت أذكر الإنتاج الكرتوني المسمى (عدنان ولينا)، ما زلت أذكر شخصية (الدكتور رامي) وأربطها بصدام حسين!.
ج- عمر الرزاز يروي للمؤلف كيف أن والده تم اغتياله بالسم
من خلال عدة مراسلات جرت بيني وبين نجل المفكر القومي منيف الرزّاز, الدكتور عمر الرزاز حول اعتقال والده ووفاته ذكر لي قائلاً: لقد زارت عدة وفود العراق وقابلوا صدام وطلبوا إطلاق سراح منيف الرزاز وكان أخرهم الملك حسين، وكان رد صدام: أنه إذا ترك منيف ليخرج فسوف يكتب كتابه (التجربة الأمرّ) وعندما تعهد الملك حسين بأن منيف الرزاز لا يكتب هذا الكتاب كان رد صدام بل سوف يكتب حتى لو لم ينشر، سينشر أبناؤه الكتاب بعد حين. أما ميشيل عفلق فآثر عدم زج نفسه خوفاً من أن يلاقي نفس المصير فاعتكف وآثر الصمت. مارست أختي زينة دورها كطالبة ولكنها تعرضت لأشكال شتى من التجريح من بعض الطالبات ولكن مدرساتها تعاطفن معها. وفي أكثر من مناسبة تم الاستيلاء على كافة كتب ودفاتر وأقلام الوالد, كذلك تم الاستيلاء على كتب زينه المدرسية!. إن والدي توفي مسموماً وذلك بشهادة والدتي ونقلاً عن طبيبه الذي كان يعوده بشكل دوري وهو في الإقامة الجبرية في العراق. فقد كان هذا الطبيب يعود الوالد بشكل أسبوعي للإطلاع على صحته، ومع أن الطبيب كان عسكرياً وبمهمة رسمية، إلا أن علاقة حميمية تطورت بينه وبين الوالد خلال فترة الإقامة الجبرية. وكان الوالد يأخذ (دواء لضغط الدم) ويأتي به الشخص المسؤول عن تزويد البيت بالمواد الغذائية. وقد حدثتنا الوالدة أنه في شهر أيلول – 1984 تم إحضار دواء الضغط ولكن بكبسولات مختلفة شكلاً عما قبل. وعندما سأل الوالد قيل له أنها نفس المادة ولكن من مصنّع آخر. ولم يلبث أن تناول (الحبة الأولى) حتى أصابه صداع ووجع في المعدة، فما كان من الوالدة إلا أن اتصلت بطبيبه العسكري، فجاء بعد حوالي نصف ساعة، وقد كان الوالد يتقيأ دماً عندما وصل الطبيب. وبعد فحص سريع توجم وجه الطبيب وأخبر الوالدة بأن الوالد بحاجة إلى غسيل معدة فوري. فاتصل بالإسعاف العسكري ولكن الإسعاف لم تأت, وبقى الطبيب في البيت بجانبه (يبكي) والوالدة وأختي الصغيرة تنتحبان وهو يتقيأ الدماء حتى فارق الحياة مساء ذلك اليوم. وبعد أن أبلغ الطبيب الحرس بأن الوالد فارق الحياة أتت سيارة الإسعاف في دقائق معدودة!. أما بالنسبة لفحص الجثمان فلم يتم ذلك حيث كانت علاقات الأردن والعراق تمر بمرحلة دقيقة وتم الاتفاق على ذلك مقابل السماح للوالدة وأختي والجثمان بالعودة إلى الأردن. أما اسم الطبيب فلا أعرفه ومع وفاة الوالدة قد يكون ليس لنا مرجع آخر. أختي زينة تذكر كل التفاصيل فقد بلغت (الثالثة عشرة) من العمر عندما توفي الوالد. أما ما نبحث عنه نحن، فهو مسودة الجزء الأخير من كتابة (فلسفة الحركة القومية العربية). وقد كتبه وأنجزه وبعد ذلك دخل الحرس واستولوا عليه!! ولم نعثر له على أثر بعد ذلك. على الأرجح أنه فُقد في خضم الأحداث اللاحقة.
ثانياً: الصحفي ماجد السامرائي يروي الأسباب
التي أدت إلى وضع منيف الرزاز تحت الإقامة الجبرية
في العدد (301) من مجلة أفكار الأردنية وفي مقال للكاتب العراقي ماجد السامرائي تحدث فيه عن علاقته بمنيف الرزاز وكيف كشف خيطاً مهمًا جداً لاعتقاله ووضعه تحت الإقامة الجبرية: كانت تربطني علاقة صداقة بمؤنس الرزاز النجل الأكبر للدكتور منيف الرزاز, وفي نيسان 1977 جاء والده، الدكتور منيف الرزاز، إلى بغداد، فأخذني إليه، وعرّفنا, وأذكر أنه قال له يومها أنني أول وأقرب صديق إليه في بغداد، وأنني اهتممتُ به كثيراً, فرأيتُ ابتسامة فرح ترتسم على وجه الأب وهو ينظر إليّ بعين الترحيب. يومها أردتُ أن أجري حواراً معه، فيسر لي مؤنس ذلك وأجريتُ الحوار الذي أردته. في العام ذاته جرى انتخاب الدكتور منيف الرزاز عضواً في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وجاء إلى بغداد فاستقرّ فيها. ثم التحقت به عائلته وسكن في حي (كرادة مريم) ببغداد وهو الحي الذي يقع فيه أو قربه القصر الجمهوري وسكن أغلب المسؤولين المهمين. في هذه الأثناء لم ينقطع تواصلي مع الدكتور منيف الرزاز، وإن أنقطع كلياً مع مؤنس بعد مغادرته إلى أميركا, فكنتُ أزوره في مكتبه، وأسأله عن مؤنس فيطمئنني عليه، وينقل إليّ بعض أخباره السارّة. وأذكر هنا واقعة مهمة فذات مرة زرت الدكتور منيف الرزاز وطرحتُ عليه أن نعقد حواراً فكرياً نواصل به ونكمل الحوار الذي كان لنا قبل عام، وكان يُحدّثني عن كتابه الجديد (فلسفة الحركة القومية العربية)، الذي كان يعدّ لإصداره في ستة أجزاء، لم يصدر منه سوى جزءين, فردّ على مقترحي لإجراء حوار فكري بالاعتذار، وقال لي بالحرف: (لا ماجد.. هناك قضايا أهم.. أنا شايف أن هناك انحرافاً في فكر الحزب، وعليَّ أن اُقوّم هذا الانحراف)!. لحظتها صعقتُ وأنا أسمع ما يقول.. بل أنظر في وجهه نظرة خوف من المصير الذي ينتظره إذا ما صرّح بذلك، ولم تكن في رأسي، وأنا مشدوه النظرة إليه، سوى فكرة واحدة تشكلت في صيغة سؤال مع نفسي: كيف ستكون نهايته؟ ومرّتْ لحظات لا أقسى منها ولا أمرّ، ثقيلة الوقع، وجدته فيها ينظر في وجهي نظرة أمل لما قد يكون لاحظ عليَّ من ردة فعل حتى كانت منه ابتسامة بدّدت شيئاً من حالتي، فانفرجت عندها أساريري انفراجاً نسبياً. ثم سألني عن كاتب، وماضيه السياسي، وقال: (كيف يتم اعتماد كتبه في التثقيف الحزبي؟) ولم أجب. وخرجتُ من عنده مثقلاً بهمٍّ كبير: إذ لم أستطع أن أقول له، متمنياً عليه تجنّب مثل هذا الموضوع، فهو موضوع خطير، ولا يُدرك خطورة إثارته إلا من كان على معرفة بما قاد إليه ذلك، كما لم أستطع أن أحدّث الدكتور عبد الوهاب الكيالي بالأمر ليحذّره خشية أن يقال عنه، إذا ما تحدث بذلك، إنه من بعد أن خسر موقعه في انتخابات القيادة القومية راح يسلك مسالك أخرى، وهو أبعد ما يكون عنها. ويسترسل ماجد السامرائي قائلاً: بقيتُ أعيش الأزمة.. حتى تموز عام 1979، وما جرى في أعقاب تخلي الرئيس أحمد حسن البكر عن منصبه رئيساً للجمهورية، والعهدة إلى صدام حسين الذي ما إن استقرّ على كرسي الرئاسة حتى أطاح بمن تململوا كمعارضين للطريقة التي تمّ بها ما تمّ، فاعتقل عدداً من أعضاء القيادة القطرية للحزب، بينهم مقرّبون منه, بتهمة التآمر عليه بالتنسيق مع قيادة الحزب في سوريا. يومها نُقل أن الدكتور منيف الرزاز بعث برسالة إلى الرئيس صدام حسين يشير فيها إلى الذين اتهموا بالتآمر، ويقول: بما أنهم حزبيون قياديون، ووفقاً للنظام الداخلي للحزب، فإنهم ينبغي أن يحالوا إلى لجنة تحقيق حزبية تضم أعضاءً من القيادة القومية. فكان الرد من صدام حسين هو: احتجاز الدكتور الرزاز، وفرض (الإقامة الجبرية) عليه، ووضعه تحت المراقبة المباشرة.
ثالثاً: القيادي البعثي صلاح عمر العلي يوضح للمؤلف
الخلاف الجوهري بين صدام حسين ومنيف الرزاز
أوضح القيادي البعثي صلاح عمر العلي للمؤلف طبيعة الخلاف الجوهري بين منيف الرزاز وصدام حسين الذي جر على الرزاز تبعات اعتقاله ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية فانتهت بموته المحزن, فأشار صلاح عمر العلي لذلك قائلاً: إن تفكير الرزاز وأخلاقياته تتعارض كلياً وأخلاق صدام حسين, ففي حين كان الرزاز يحاول إعادة بناء حزب البعث على وفق مبادئ وعقيدته في الديمقراطية كان الرئيس صدام حسين ينهج نهجاً مغايرا, وفي الوقت الذي كان فيه المرحوم الرزاز يحاول أن يلعب دوره بصفته أميناً عاماً مساعداً للقيادة القومية كان صدام يريده (مجرد موظف صغير) بعنوان أمين عام مساعد للحزب ومن معرفتي بالمرحوم الرزاز فأنه كان جريئاً وشجاعاً وناقداً لتصرفات قيادة الحزب في العراق بدون خوف أو تردد وهو بلا شك غزير الثقافة واسع الاطلاع مناضلاً لا يهاب أحداً, ولهذا انتخب أميناً عاماً مساعداً بينما أطلق على ميشيل عفلق لقب الأب القائد المؤسس للحزب. وبيّن صلاح عمر العلي: بأن وضع الرزاز تحت الإقامة الجبرية جاء ارتباطاً بما حدث في قاعة الخلد.
رابعاً: هاني الحوراني يؤرخ للأسباب
التي أدت لمأساة منيف الرزاز
أما الباحث الأردني هاني الحوراني فلخص التجربة الأليمة لمنيف الرزاز قائلاً: الواقع أن مأساة هذا الرجل تجسدت لأنه كان مثقفاً، والأرجح أنه كان مثقفاً حالماً. وقد وقع ضحية أحلامه، إذ كان من أوائل ضحايا الديكتاتورية البعثية التي أكلت أول ما أكلت أبناءها من قادة وكوادر الحزب، قبل أن تنتهي بالبلدين اللذين حكمتهما ما بين فكي الغزو والاحتلال، كما هو حال العراق، وأتون التفكك والحرب الأهلية، كما هو حال سورية اليوم. ربما لم يخطر ببال منيف الرزاز، حتى في أكثر أيامه كابوسية، وهو محتجز في إقامته القسرية، أن مؤلفاته السابقة، ولا سيما استخلاصاته حول الديكتاتورية هي أقرب ما تكون إلى النبوءة بمصائر العراق وسورية، وكذلك ليبيا واليمن، وغيرهما من البلدان التي رزحت، أو لا زالت ترزح، تحت كابوس الاستبداد السلطوي، لقادة مثل (القائد الضرورة)، و(ملك ملوك إفريقيا)، وما شابههما. لا أحد يمكن له أن يتكهن بما كان يدور في رأس منيف الرزاز، وهو في إقامته الجبرية، وهل هذه النهاية المستحقة له، بعد مسيرته السياسية الطويلة، والذي دفع خلالها الكثير من حريته، ومن معاناة زوجته المرحومة لمعة بسيسو وأولاده. فهل فكَّر، مثلاً أنه كان، ربما منذ البداية، في المكان الخطأ؟ وهل وأسى نفسه بأن مصيره أفضل من مصير العديد من الرفاق القياديين الذين أُعدموا، عام 1979، بإطلاق الرصاص عليهم من قبل صدام حسين، لمجرد الاشتباه بتورطهم بتدبير انقلاب عسكري ضده؟ من خلال ما تقدم فأن منيف الرزاز كان يجهل الحالة الدموية لتنظيم حزب البعث في العراق, وبالذات ما تتصف به شخصية صدام حسين, حيث كان (مثالياً ونرجسياً) في طرحه, وإلا كيف يمكن أن يطرح على صدام هكذا طرح وهو الذي يعتبر شخصيته فوق النصيحة والنقد أو التقويم, طبعاً هذا كله يرجع إلى حداثة سكنه في العراق, حيث سكن في بغداد عام 1977, وكانت لقاءاته مقتصرة على النخبة, ولم يكن يختلط بالفئات الشعبية لأنه لم تجمعه رابطه قديمة معهم بسبب حداثة قدومه للعراق كما أشرنا, كذلك كان مثقفاً وبعثياً حالماً كما ذكر هاني الحوراني. ولكن نجله الدكتور عمر الرزاز يخالفني الرأي قائلاً: لا أتفق مع هذا التفسير الذي تطرحه. طبعاً منيف كان حديث القدوم إلى العراق، ولم يتمكن من الاختلاط بالقواعد الشعبية بسبب الحواجز المقامة حول الحزب والسلطة آنذاك. ولكن تأريخه في الأردن الذي ولد وترعرع فيه وموقفه من السلطة هناك لم يختلف. وقد جلبه الملك حسين من سجن الجفر سنة 1963 أبان التحالف الثلاثي بين مصر وسوريا والعراق وعرض عليه موقعا هاما في الدولة كما ذكرت لك سابقاً، وكان لمنيف من ملاحظات حول العمل نحو ملكية دستورية ما استدعى إعادته إلى سجن الجفر! وهذه الحادثة تدلل على مبدئيته الواضحة فقد كان مثقفاً حالماً وشجاعاً في مواقفه في العراق كما كان في الأردن وكما كان في سوريا, كما قلت سابقاً، فمنيف يعرف معرفة تامة تاريخ العراق الدموي وخطورة المواقف التي كان يتخذها. ولكن قراره بالذهاب إلى العراق كان مرتبطاً بمحاولته إنقاذ الحزب وحلم الوحدة والحرية والاشتراكية. ولو كان سيصمت على التجاوزات لكان قد فضل البقاء في بلده وبين أهله في عمان.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة