شامل عبد القادر
حامد الجبوري: اعتقلوا مرتضى الحديثي في مكتبي
العقيد الركن سليم الإمامي السجين معه: أعطوا مرتضى شيئا شربه فتحول إلى كتلة من جماد
ننقلُ ايقاع الاحداث التي اعقبت وصوله الى بغداد: في 29 تموز وقع في تشريفات القصر الجمهوري ليؤكد حضوره.. في 30 او 31 تموز حضر اجتماع السفراء بوزارة الخارجية الذي اداره حامد الجبوري لسفر وزير الخارجية سعدون حمادي خارج العراق.. وقصة اعتقاله جاءت على لسان حامد الجبوري في برنامج «شاهد على العصر».. قال انهم اعتقلوا مرتضى وشكري ومحمد في مكتبي.. ويروي لنا احمد رواية اخرى قائلا: ونقل خالي عبدالملك رواية اخرى عن شهود عيان انهم شاهدوا خروج مرتضى من مكتب صدام وان الاخير كان يصيح به بعصبية: مرتضى الاعدام والموت قليل بحقك!. ويؤكد احمد ان هذه الرواية ضعيفة لكن المرحوم شكري الحديثي روى لنا انهم اخذوهم من قاعة الاجتماع الى مكتب حامد الجبوري.. ومن هناك الى المعبد البهائي الى المحاكمة.. قال شكري الحديثي بعد اطلاق سراحه: ان لا احد فيما سميت بالمحكمة قد واجهنا بتهمة معينة وان نعيم حداد رئيس المحكمة لم يرفع عينيه بعيوننا قط.. كانت رؤوس اعضاء المحكمة سعدون غيدان ونعيم حداد وغيرهم مطئطئة وهم يجلسون وراء منضدة كبيرة.. واردت ان اتحدث معهم لكن مرتضى «ضربني عكس« في خاصرتي وقال لي: »بعد ما تفيد مو مال تحجي وياهم».. واصدر نعيم الاحكام بالطريقة التالية: احاكم واحكمك 15 سنة.. وهكذا مع الاخرين.. قلنا له: ما تهمتنا؟ اجابنا: ماكو.. انتم متهمين بالمؤامرة.. لم يحققوا معهم على الاطلاق بل ولم يسألوا ابدا. كان حداد يقول لنا: انت متامر.. انتظر الحكم.. انت حكمك كذا سنة! في حوار اجرته (البغدادية) مع الاستاذ تايه عبدالكريم قال انه استفسر من نعيم حداد فيما بعد: من اين جئت بهذه الاحكام؟ اشر نعيم بيده الى فوق في اشارة الى ان الاحكام كانت جاهزة ومعدة تاتي من فوق اي من قبل صدام سلفا! تقول لنا بعض الاوراق لشهود عيان كانوا مع المرحوم مرتضى في زنزانته بسجن ابو غريب: ان فارس حسين الشهد ومعز الخطيب اللذين حكما ايضا مع مرتضى ومحمد وشكري ونقلوا جميعهم في سيارة «بوكس» الى سجن ابي غريب قالا ان مرتضى قال لهما وهم في السيارة انه هو المقصود.. ولا تخافوا.. ادخلوا في قسم الاحكام الخاصة الذي تديره المخابرات – كانوا قد وضعوهم في قواويش عامة في بداية الامر – ووضعوا مرتضى في الزنزانة الخامسة في الطابق الثاني ومعه فارس حسين الشهد وصالح الحمداني.. وكان المشرف عليهم الجلاد مانع عبد الرشيد الذي عاملهم بقسوة كبيرة جدا ولانه كان كذلك فقد عينه صدام مديرا لجهاز المخابرات تقديرا لدوره في تعذيب مرتضى وجماعته.. وقد ساء وضعهم جدا في ظل ادارة مانع فقد تعامل معهم كوحش او حيوان شرس.. وضعوه مشرفا عليهم وكانت مهمته تعذيبهم بكل وحشية وقسوة.. وكان يليه جلاد سافل اخر يدعى (جاسب ابو عامر) لاقوا على يديه صنوفاً من الاهانة والعذاب.. وفي يوم النهاية في حياة مرتضى بعد مكوثه سنة في السجن اي في عام 1980 نقل العقيد الركن سليم الامامي السجين معهم ما حصل وكذلك نقلها اكثر من شخص كان شاهد عيان على قتل مرتضى الحديثي وبينهم فارس حسين الشهد: اعطوا مرتضى شيئا شربه فتحول الى كتلة من جماد.. هذا في يوم 16 مايس 1980.. اخذوني معه ولكنهم شربوه شيئا حوله الى جماد وجحظت عيناه وكان منظره مرعبا جدا.. وعندما استرد وعيه قال لنا مرتضى: هل تحدثت بشيء وانا نائم؟! اخبرناه ان فمه كان مغلقا ولم يتكلم بشيء.. بعد هذه الحادثة قال لنا مرتضى – والكلام لفارس -: «نحن سنموت هنا في هذا المكان..»! في يوم 1 حزيران 1980 وقد روى احداثه بدقة فارس الشهد ومعز الخطيب.. قال فارس ان وضع المعتقل في ذلك اليوم كان غريبا وغير مالوفا لنا حيث ساد هدوء غريب جدا ولم تمارس ضدنا حفلات التعذيب كالجلاليق والضرب والاهانات والابواب تفتح وتغلق.. كان يوما غير طبيعي.. ويضيف فارس: قبل هذا اليوم ولمرات كثيرة كان يحضر حفلات التعذيب شخص مهم جدا وكنا نشعر في قاعة التعذيب ان هذا الشخص هو صدام جاء يتفرج علينا.. واكد الاستاذ احسان وفيق السامرائي في حوار اجريته معه قبل شهور ونشرناه في عدد خاص من مجلة «اوراق من ذاكرة العراق«: ان صدام حضر حفلة تعذيب في المحفل البهائي وانه امسك برأسه وقال له: والله لن ابقي لك شعرة واحدة في راسك!
سلوك شاذ من صدام
ويضيف فارس: كانت حفلات التعذيب غير عادية.. حرق المعتقل او رميه من مرتفع لتكسير عظامه.. او يقطعون جسده او يامرون ان يوجه الواحد للاخر لكمات وصفعات.. ونقلا عن فارس يقول احمد نجل مرتضى الحديثي: في هذه الاثناء.. جاء طبيب الى المعتقل في ظهيرة اليوم الذي ادركنا فيه انه يوم غير عادي في اجراءاته.. واي معتقل كان يشكو مرضه للطبيب يهان من قبل الجلادين وعندما شكا مرتضى للطبيب خاطبه الاخير بكلمة كان وقعها جديداً على اذاننا: تفضل.. اخذه الطبيب الشاب الى غرفة.. وبعد عودة مرتضى اخذ يقص عليهم انطباعاته الايجابية عن هذا الطبيب واخذ يمتدحه وانه فحصه فحصا جيدا وكان رقيقا معه وداوى ضلعا مكسورا له واعطا حبة وطلب منه ان يبتلعها امامه ليطمئن عليه وبالفعل ابتلع الحبة بكاس ماء قدمه له بيده وعندما حان موعد تناول الغداء اعتذر مرتضى عن تناوله معهم لاداء صلاة الظهر وبينما هو يفرش سجادته ليصلي اطلق صرخة رهيبة مزقت اذاننا.. وراح يتلوى من الالم وهو يصيح: »جاي اتقطع من جو جسمي« واخذ يصرخ وقال: »سووها» ثم تكور على نفسه من قوة الالم وهو يعتصر بطنه وتدريجيا بدأ صوته يخفت وعند الساعة السادسة مساء اختفى صوته.. ونهض فارس مستغيثا بالطبيب نفسه لاسعاف مرتضى لكن الاخير عندما سمعني اناديه خرج واقفلت الابواب خلفه وكانه يقول لي: »حسنا.. نفذ الواجب».. وخمدت انفاس مرتضى تدريجيا الى ان لفظ انفاسه الاخيرة ومات!. وتحدث فارس لاحمد عن هذه اللحظات قائلا: بعد ان مات مرتضى اخذت اهرول واصرخ فواجهني الجلاد (جاسب) وقال «موتت كذا»! ثم قال جاسب امرا: »انجب وتعال نام يمه.. وتتغطه بالبطانية وياه واذا تحركت والله افعل كذا«.. ويقول فارس: بالفعل حضنت مرتضى وهو ميت ونمت معه تحت بطانية واحدة الى صباح اليوم التالي.. ويكمل سليم الامامي الذي كان في الطابق الثاني رواية الجزء الاخير من ماساة مرتضى الحديثي وهو يراقب انزال جثة مرتضى: قام فارس الشهد وصالح الحمداني بـ»شحط» جثة مرتضى الملفوفة بالبطانية وانزلوها الى الطابق الارضي وشاهدت خيط دم يسري وراء الجثة.. ويضيف احمد: استلمنا الجثة اي بعد يوم من مناسبة تاميم النفط ولا اعرف هل كان توقيت قتله مقصودا في هذا اليوم اي يوم 2 حزيران وكان خيط الدم ما زال يسري من فمه.. وكان يرتدي بيجامة.. لكن ليست مصادفة ان يقتل مرتضى رئيس وفد التفاوض العراقي مع الشركات الاحتكارية في يوم تاميم النفط.. طرقت باب البيت خرجنا فشاهدنا سيارة ستيشن وطلبوا مني وكان عمري 10 سنوات ومعي شقيقتي الكبيرة ان نستدعي امي.. سلمت جثته لنا ظهيرة يوم الاثنين.. كان مغطى بغطاء خفيف.. وشعر راسه قد تساقط كثيرا.. صرخت امي فمنعها ازلام النظام.. سلمونا تقرير صادر عن مستشفى الرشيد العسكري يقول ان سبب وفاته انفجار في الدماغ «!!» ونقل اعمامي جثمانه الى مدينة حديثة ودفن في مقبرة العائلة وجرى تشييع كبير له في حديثة.. واقمنا له مجلس عزاء ومن بعده منعوا اقامة مجالس الفاتحة لشهداء قاعة الخلد..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة