الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / حسين كامل.. رجل مات حتف جهله!

حسين كامل.. رجل مات حتف جهله!

سعد محمود شبيب

 

فِي ظهيرة يوم التاسع من شهر آب عام  1995، صعق العراقيون بخبر لم يخطر لهم على بال، ألا وهو هروب حسين كامل وشقيقيه صدام وحكيم ومعهم ابنتا صدام رغد ورنا وأولادهم وأبناء عمومة لهم، صوب الأردن وانشقاقهم عن النظام واستنجادهم بملك الأردن كلاجئين سياسيين!. كانت محطة الكويت الإخبارية هي أول من أذاع الخبر بصوت تمازجه الشماتة العظيمة والتشفي الكبير، ثم تعاقبت من بعدها باقي المحطات الفضائية العربية والعالمية، وبرغم كل ذلك لم يصدق معظم العراقيين الأمر لولا إعلانه على القنوات الرسمية في بيان رئاسي، وبشكل يحاول التقليل من أهميته باعتباره حدثا عاديا يماثل خيانة يهوذا لنبي الله موسى (ع)!. وللحق، يمكن لنا القول أن عملية هروب كامل تعد أقوى ضربة تلقاها صدام حسين عقب هزيمته من الكويت، بل أنها – من وجهة نظر شخصية – أقسى من هزيمة الكويت نفسها، لأنها مثلت تصدع بيت صدام من الداخل وتمزيق شأن العائلة وفضح اسرارها عبر انشقاق أصهاره وبناته عنه وهم أقرب الناس إليه.

 

حسين كامل.. رحلة الفقر نحو الإمبراطورية

عرف العراقيون اسم صدام كامل (بطل فيلم الأيام الطويلة) قبل شقيقه حسين بسنوات عديدة مع جهلهم بصلته بصدام حسين، ويروي الكثيرون ومنهم الفريق نزار الخزرجي وعبد السلام البكر والفريق ثائر سلطان، أن حسين كان قد استقدمه صدام من تكريت عام 1975 ولم يكن بأكثر من قروي جاهل مغمور لا يجيد المسير بزي المدينة، عينه صدام مراسلا في بادئ الأمر ومنحه بعد سنة رتبة نائب عريف ثم سائق دراجة مع مهام أخرى بسيطة للغاية تناسب تعليمه الضحل ووضاعة ثقافته العامة، وكانت نقطة تسلله الى العائلة حين نجح بكسب ود السيدة الاولى ساجدة عقب تعيينه مرافقا لها سنة 1980. رقاه صدام الى رتبة ملازم اول عام 1981، ثم انقلبت الأمور ليفاجأ العراقيون ببروز اسم حسين كامل كرئيس لجهاز الأمن الخاص ومشرف على الحرس الجمهوري ومناصب أكبر وأخطر مع تخطّ صاروخي للرتب حتى أصبح برتبة فريق أول ركن عام 1991 وهو بعمر السادسة والثلاثين، ولعل ذلك يؤكد معجزة نيلِه رتبة الملازم قبل أن يولد بعام مبارك واحد!. لقد بقي اختيار صدام للأخوين كامل وتقريبه لهما ومحبته وثقته المطلقة بهما، بقي سرا يكتنفه الغموض وتتضارب فيه الآراء حتى يومنا هذا، ويتفرد صهره الفريق الركن (خليل إبراهيم السلطان) بمعلومة وردت في كتاب (حسين كامل.. رحلة السقوط الدامي) للأستاذ فائز الخفاجي، وهذه المعلومة مفادها أن عدي صدام قام بقتل (سعد كامل) شقيق كامل عمدا في العوجة عام 1978، وهو ما دفع صدام لتزويج بناته بأبناء كامل درءا للفتنه بين العائلتين. وهذه لو صحّت من لدن السلطان، فهي تعني موهبة إجرامية مبكرة (للطفل البريء) عدي وأن الولد فاق أباه إجراما وتعشقا للدماء. كما أنها لو صحت، فهي ليست دافعا كافيا للرئيس المتعالي المتغطرس الذي لا يهمه ابادة عشيرة بأكملها، كي يقرّب ويرقي أولاد كامل المجيد بهذه الصورة، بل لا بد من وجود عوامل أخرى ظاهرة أو خفية هي التي أسهمت بذلك ربما لا نستطيع الوقوف عندها في هذه العجالة.

 

حكم الغلمان

يمكن لنا أن نصف عام 1985 بأنه بداية حكم صبيان وغلمان العوجة أمثال عدي صدام وقصي والصهر حسين كامل.. ذاك الذي لم يشهد مثله العهد الجمهوري وفترة حكم الزعيم قاسم أو الأخوين عارف وحتى البكر.. أما على عهد صدام الذي استهتر بكل القيم وبلغ به الطغيان حد الإشباع، فقد بدت بوادر الاستخلاف واضحة للعيان حين أخضع الحزب لهيمنة العشيرة والعشيرة لسطوة العائلة الفاسدة، فأعدّ ولده عدي لخلافته وهو الفاقد لأية مؤهلات أخلاقية أو سياسية أو أية كفاءة في أي من المجالات، مثلما نصب صهره المدلل ليفوق بصلاحياته وسطوته كل مسؤول في الدولة مهما كان عنوانه، حيث كانت الوقاحة وبذاءة اللسان والاستخفاف بالمقابل هي أبرز سمات التعامل مع الآخرين.. فمجلس قيادة الثورة وهو أعلى سلطة في البلاد، لم يدخر كامل أية فرصة لابداء الاحتقار لأعضائه، بدون أن يمنعه صدام من ذلك بل ظل يشجعه من طرف خفي.. ولعل خير مثال على ذلك، ما ذكره الفريق نجيب الصالحي في كتابه (الزلزال) من أن طه ياسين رمضان وهو القائد الرسمي المكلف بالقضاء على الانتفاضة في الحلة وكربلاء، لم يكن في الواقع سوى جندي تحت أمرة حسين كامل الذي أساء معاملته كثيرا ووبخه مرارا أمام أفراد الحماية بدون تحفظ، برغم دموية رمضان ووحشيته وإخلاصه لصدام، كما وأهانه أمام المجتمعين في المؤتمر القطري التاسع عقب حرب الكويت واصفا اياه بالرعديد والجبان وبلا أدنى اعتراض من الأخير. ولنا هنا أن نتصور كيفية تعامل حسين كامل مع باقي المسؤولين وأفراد الشعب إذا ما كان رجل بمنصب رئيس وزراء مثل رمضان، يتلقى منه كل هذا الاحتقار والاهانات القاسية لسبب أو بدون سبب بدون أدنى امكانية منه على رده.

 

مسؤول بين عهدين

يمكن لنا أن نقسم علاقة حسين كامل بعمه صدام على مرحلتين، ما قبل حرب عام 1991 وما بعد أحداثها. لسنا بحاجة الى القول أن صهر الرئيس قد دخل حياة ما كان ليراها في أحلامه، فقد طار صوابه وهو غير مصدق أن يُمنح منصب رئيس جهاز الأمن الخاص وأن يتزوج سيدته رغد ابنة رئيس البلاد ويرقّى الى رتبة العقيد بصلاحيات فريق (!) ليكون مشرفا على الحرس الجمهوري والتصنيع العسكري.. إن سيرة كامل هي أشبه بقصة الشاطر حسن حين تزوج ابنة السلطان بل هي أغرب، فقد عاش سعادة لا يمكن لقلم على وصفها وجلس على عرش ما كان يحلم يوما بتنظيفه، وصار سيد القصر الجمهوري بعد صدام وهو الذي لم يحلم بالوقوف على بابه، وأصبح الوزراء وكبار الضباط ينحنون له احتراما وهو الذي أضطر دوما للانحناء احتراما لمفوض شرطة يقوده.. كان حسين كامل اليدَ الضاربة لصدام  وصاحب المهمات الصعبة القذرة، فهو من قاد جهاز حمايته وصفى بعض اعدائه ودّبر مقتل عدنان خير الله ويعدّ القائد الفعلي للجيش الذي احتل الكويت، وكان أول المتطوعين لقتل المنتفضين ودفنهم أحياء بدون أن ننسى كونه أول من هرب من الكويت. ويبدو لنا أن هذه الانجازات الدموية التي قدمها لصدام والتي نجحت بتدمير مدن الكويت والعراق، أشعلت في نفسه نار التكبر والشعور بداء العظمة وجعلته يظن أنه منقذ الحكم من السقوط، فضلا عن كونه في الأصل إنسانا لا يعرف طموحه حدودا، فبدأت جذوة الخلافات تشتعل بينه ورئيسه، وهو ما حدا بصدام لإعفائه من جميع مناصبه نهاية عام 1991 بدون أن يبين مرسوم الإعفاء سببا لذلك.. لقد كان شبه باد للعيان وجود فتور في العلاقة بين صدام وصهره برغم قيام الرئيس بـإعادة حسين كامل لمناصبه وتوليه وزارة الصناعة والاشراف على هيئة التصنيع ووزارة النفط، مع بعض الأنباء المحدودة عن خلافات بينه وعدي الذي أصبح خصمه الأول، وهو نزاع لم يخطر على بال صدام حين زج بهما في العملية السياسية عام 1985.

 

الهروب الغبي والعودة الغريبة

يبدو لنا أن حسين كامل الذي سار على خطى صدام فاختزل مراحل الارتقاء والصعود من الوحل الى أعالي النجوم، كان قد ملّ منصب الرجل الثاني وراوده نفس تفكير عمه حين أزاح البكر عام 1979، وذلك لمّا وجد في رئيسه صدام عدم صلاحيته للحكم نظرا لكبر سنه وفشله الذريع في قيادة البلد، غير أن كامل نسي شيئا مهما، نسي أنه هو شخصيا ليس بصدام حسين، كما أن صدام ليس البكر، وليس بالحاكم الذي يسهل الانقضاض عليه ومواجهته وإسقاطه بهذه البساطة.. لقد بلغت الخطة الانقلابية التي رسمها من السذاجة حدّ أنه يستحق عليها لغبائها حكم الإعدام، فهي تتلخص بفضحه (عقب الهروب) لأسرار صدام حسين ونواياه ووضع برامج الأسلحة المحرمة بين يدي الأمريكان واستجلاب قوات دولية تهبط في منطقة H3 قرب الحدود الغربية وستقوم عندها معركة غير متكافئة تنتهي بانتصاره وتنصيبه رئيسا عقب إسقاط سيده صدام!. ظن حسين كامل أن هذه الخطة الفنتازية التي طرحها على الأمريكان تماثل المشاريع الفاشلة التي كان يأمر بها منتسبي التصنيع فتنفذ على الفور، غافلا عن حقيقة كون حسابات وخطط القوى العالمية لا تتماشى مع فكره البدوي الساذج القاصر، فصُدم بعدم وجود أدنى اكتراث له وما يخطط له، كما وأن شهر العسل بينه والملك الحسين قد انتهى مذ علم الأخير أن كامل إنسان فارغ نزق بذيء لا يُعتمد عليه، وقد أخطأ حين منحه حق اللجوء فصار عبئا على المملكة، وأنه قد أعطى كل ما عنده للجان التفتيش فأصبح كائنا غير ذي جدوى، كما رفضت جميع قوى المعارضة التعامل معه، ليجد نفسه وحيدا ثقيل الظل مطاردا محتقرا داخل أسوار سجن معتم في المنفى شيدته يداه. ولكاتب هذه السطور رأي شخصي حول تعجيله بعودته مع سذاجة وغباء هذا القرار، فمن المعلوم أن الصهر الهارب كانت تنتظره جلسة محاكمة بتهمة قذف الصحفي الأردني نايف الطورة بعد اعتداء حسين كامل عليه، وهنا أدرك أن حماية الملك الحسين له أصبحت نسيا منسيا، وتجسدت أمامه جميع الاحتمالات المرعبة، منها احتمالية تسليمه الى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب مروعه في الكويت كحرق آبار النفط والإعدامات العشوائية وتدمير البنى التحتية، وذلك كما طالب به وزير خارجية الكويت صراحة، ليدرك خطورة الوضع من بقائه في الأردن.

 

ندامة الكُسعي!

لا يدرك أحد كيف اقتنع حسين كامل بعفو صدام عنه وهو يعلم علم اليقين أن قائده قد أعدم ابن عمه الفريق عمر الهزاع لمجرد طرفة، ومزق أحشاء عسكري محنك كبير مثل اللواء بارق لمجرد رأي، بينما صنع هو بعمّه ما يعد بحرا قياسا بقطرات من أعدموا.. لا نعلم كيف عاد ولم يختر منفى آخر، من خان صدام بأقصى درجات الخيانة، وطلب اللجوء عند دولة أخرى مع بناته، وكشف – مثل أي جاسوس – أخطر وأدق الأسرار للأمريكان عبر فرق التفتيش، مثلما فضح جرائم الرئيس ضد رفاقه، واتصل بالمعارضة العراقية، واجتمع مع الأمريكان ليضع معهم خطة انقلاب عسكري يطيح بزعيمه من قبلهم، بالتعاون مع قادة موالين له من الحرس الجمهوري! وبرغم أن تهمة واحدة من هذه التهم كفيلته بإذابة عظامه في أحواض التيزاب، الا أنه قد صدق بعفو صدام عنه، حيث كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد لقي في منفاه الاختياري من سوء المعاملة والتهميش والاحتقار ما جعل كل معاني الندم والحسرة مكنونة في صدره، ولعل مقارنة بسيطة بين حال الأمس واليوم كفيلة بقتله كل دقيقة، فقد كان هذا الرجل سيد البلاد الثاني بسطوة فولاذية، يعيش نعيم الحياة الدنيا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وتحت تصرفه مئات الملايين من الدولارات التي يتحكم بها  كما يشاء بدون أدنى حسيب أو رقيب، وعشرات الأملاك من مزارع وقصور ومئات السيارات الفارهة الحديثة، فضلا عن كونه سيد أبناء عشيرته، وإذا به يصبح بين ليلة مجردا من كل شيء تباعا، ففقد مناصبه جميعا دفعة واحدة، وذابت من كتفيه نجوم رتبته العسكرية الزائفة، ثم صودرت أملاكه وأمواله المنقولة وغير المنقولة وصار صفر اليدين، فضلا عن فقدانه أمانه الشخصي حين صار ملاحقا مهدور الدم مرعوبا بغيضا، وقد كان مجرد ذكر اسمه أو اسم احد أشقائه يخلع أشدّ القلوب رعبا.. بل أن الامتياز الوحيد الذي ظن أنه سيحتمي به وهو ارتباطه بابنة صدام، فقده حال عودته الى العراق حين تم تطليقه منها ومن شقيقه برغم انفيهما.. وأخيرا، وبعد تنفيذ (صولة الفرسان) عليه، لم يخرج من دنياه حتى بقطعتي الثياب اللتين تستران جسمه وتماثلان ما جاء يرتديهما وهو قادم من العوجة حافيا عام 1975، فاحترقتا مع جسده بعدما أبيدت عائلته بأجمعها أمام ناظريه، ليُلقى على قارعة الطريق متفحما تدوسه أقدام  من كانوا الى الأمس القريب يمنّون الأنفس بتلميعها.. وتقبيل كف صاحبها!.

?>