الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
إلى أي مدى استجابت الإدارة الأمريكية لطلبات العراق لتجهيزه بالأسلحة والمعدات العسكرية في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف؟
لماذا شكلت منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها العراق، مصدر قلق دائم للإدارة الأمريكية؟
الفصل الرابع
العلاقات العسكرية والثقافية بين واشنطن وبغداد
أولاً: محاولات الحكومة العراقية للحصول على أسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية
شكلتْ منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها العراق، مصدر قلق دائم، في الواقع، للإدارة الإمريكية، تبعاً للتحديات الامنية المحتملة التي تواجه مصالحها المتشعبة في دول المنطقة. مع الأخذ بالحسبان، أن ثمة احتمالات متعددة، في تقدير الباحث، لواقع السياسة العسكرية الأمريكية في المنطقة عملت على فقدان الاستقرار من النواحي السياسة والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن العسكرية. وعموماً، يمكن استخلاص تلك الاحتمالات من سياق ما مر بنا في مباحث هذه الأطروحة، منها، التهديد السوفيتي الذي نظر الى المنطقة كجزء من محيطه الأمني، إذ الحت عليه الضرورة التوسع باتجاه المياه الدافئة، عبر مروره بالعراق والآخر، لما كان العراق جزءاً مهماً من منطقة الشرق الأوسط، فإن الصراع العربي – الإسرائيلي شكل، وما زال، مؤثراً سلبياً على استقرار المنطقة برمتها. ففي هذا الجانب، شدد أحد كبار، المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية الأمريكية على أن سياسة الإدارة الأمريكية قد سعت بنجاح نحو فصل المشكلات القائمة بين العرب وإسرائيل، من تلك الحاصلة في بعض الدول العربية المنتجة للنفط، ولا سيما في ستينيات القرن العشرين. وسواء تحقق هذا عن طريق المصادفة أم على وفق تدبير دبلوماسي أمريكي مخطط له، فإنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً، بموقف العراق العلني من الصراع العربي – الاسرائيلي. وتبعاً لأهمية تلك الاحتمالات الواردة على وفق عوامل السياسة العسكرية الأمريكية، يمكن هنا التساؤل: الى أي مدى استجابت الإدارة الأمريكية لطلبات العراق لتجهيزه بالأسلحة والمعدات العسكرية في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف؟ مع الأخذ بالحسبان أن واشنطن نفسها، كانت تدرك جيداً أن الاتحاد السوفيتي أصبح من المجهزين الرئيسين للعراق من المعدات العسكرية، ولاسيما بعد قيام ثورة 14 تموز 1958. لقد استحوذت مسألة تسليح الجيش العراقي على اهتمام خاص من لدن رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبة بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، وهم الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، والمشير الركن عبد السلام عارف، والفريق عبد الرحمن عارف، لعوامل مهمة أولها، بأنهم ضباط في الجيش العراقي، وتولوا فيما بعد القيادة في الجيش العراقي والسلطة المدنية، وثانيهما حاجة الجيش العراقي للأسلحة من مصادر متنوعة لردع الخطر الخارجي للبلاد، فضلاً عن ذلك، استخدم القادة العسكريون المشار إليهم، القوات المسلحة العراقية لقمع أية انتفاضة او تمرد حدث بين عامي 1958 و 1968. مع الأخذ بالحسبان أن نفقات وزارة الدفاع العراقية قد شكلت رقماً لا يستهان به من أصل ميزانية الحكومة العراقية، وصلت الى ما نسبته 36 – 38% بين عامي 1966 و 1968. وفي الأحوال كافة، فإن الحاجة للمعدات العسكرية لتجهيز الجيش العراقي بقيت حاجة ملحة في فكر الرئيس عبد الرحمن عارف الذي صرح لصحيفة “البلد” في مايس 1966، أن “الاتحاد السوفيتي أبدى استعداده لتلبية طلبات العراق في زيادة المساعدات العسكرية السوفيتية”. وفي السياق نفسه، ألمح رئيس وزراء العراق عبد الرحمن البزاز خلال زيارته الى الاتحاد السوفيتي في (27 تموز – 13 آب 1966)، الى ان “العراق سيتلقى كمية من الأسلحة السوفيتية الخفيفة والثقيلة”. يجب الإشارة هنا، الى أن الحكومة العراقية كانت واعية لتحركاتها في مجال اتجاهها نحو الاتحاد السوفيتي للحصول على الأسلحة، اذ كانت تدرك أنها بهذه الخطوات ستثير استياء دول الغرب، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تعرف أن بيع السوفيت أسلحة متطورة الى العراق، سيكون من شأنه زيادة أجواء التوتر في منطقة الشرق الأوسط – بحسب وجهه نظرها- كما أنه سيدفع إسرائيل للضغط على الإدارة الأمريكية لبيعها أسلحة مماثلة أو أكثر تطوراً. تؤكد المادة الصحفية المتوافرة بين أيدينا، هذه الحقيقة أكثر، ففي شهر مايس 1966، استجابت الإدارة الأمريكية لطلبات إسرائيل بتزويدها بطائرات حربية مقاتلة، مما أثار استياء الحكومة العراقية، وقد أدلى ناطق رسمي باسم وزارة الخارجية العراقية بتصريح قائلاً: “إن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد إسرائيل بطائرات مقاتلة متطورة، أمر يهدد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويزيد من اندفاع إسرائيل في أعمالها العدوانية ضد الدول العربية”، وعد الناطق، “الإجراء الأمريكي بمثابة اعتبار واشنطن المجهز الرئيس والأساسي بالأسلحة المدمرة لاسرائيل، على عكس الدول العربية التي لا تملك الأسلحة الدفاعية لها”، وفي الوقت نفسه، فإن بيع أسلحة أمريكية متطورة لإسرائيل سيؤثر على علاقات واشنطن مع بغداد، كما أنه “سيقوض من حقوق الشعب الفلسطيني للمطالبة بحقوقه المشروعة”. في ذلك الوقت، كانت ثمة استجابة محدودة إزاء طلب العراق للمعدات العسكرية الأمريكية. فقد كشفت وثيقة أمريكية رسمية، أن وزارة الخارجية الأمريكية وجهت سفارتها في بغداد في 1 تموز 1966، فيما يتعلق بسياستها العسكرية تجاه العراق، ودعت سفيرها سترونغ الى إبلاغ الحكومة العراقية بها، وعلى النحو الآتي:
1- تتفادى الإدارة الأمريكية بيع أية معدات عسكرية ثقيلة أو أسلحة متطورة الى العراق، ومنها، قنابل النابالم، ومواد كيميائية أخرى، ودبابات، وطائرات عسكرية (عدا طائرات هيلوكوبتر غير مسلحة)، وسفن بحرية ومراكب بحرية متطورة.
2- لا مانع لدى الإدارة الأمريكية من الاستجابة لطلبات عراقية بكميات محدودة من أسلحة صغيرة تشمل مدافع رشاشة، وهذا لا يعني أنها لا تستجيب لطلبات خاصة لأعداد صغيرة من مدافع دبابات خفيفة ومتوسطة شريطة ألا تكون الأخيرة أثقل من (105 ملم).
3- استعداد الإدارة الأمريكية لبيع كميات من مركبات النقل، ومعدات اتصال وهندسية، ومواد أخرى “غير نارية”.
4- التشديد على استمرار البرنامج الحالي، فيما يتعلق “منح مساعدات تدريب غير حربية”، ودراسة طلبات لتدريب إضافي للأفراد من القوات المسلحة العراقية.
5- لا مانع لدى الإدارة الأمريكية من أن تبيع الحكومة البريطانية معدات عسكرية الى العراق من النوع الذي لا ينتهك سياسة التسليح الأمريكية، وفي حال طلبتها الحكومة العراقية، فإن واشنطن ستعرف ذلك “سراً” من الحكومة البريطانية نفسها.
6- لا مانع لدى الإدارة الأمريكية من استمرار بيع أدوات احتياطية وذخيرة لمعدات ذات أصل أمريكي ولا يزال الجيش العراقي يستخدمها.
7- سيكون بيع المعدات العسكرية، المشار إليها آنفاً، بالنقد فقط.
8- الإدارة الأمريكية ستشاور حكومات كل من بريطانيا وفرنسا وايران وتركيا قبل عقد اتفاقيات المشتريات الخاصة بتزويد العراق بأسلحة رئيسة..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة