الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / قصة الخلاف الحقيقية بين قاسم وعارف.. علامات استفهام حول انقلاب 1958 في العراق

قصة الخلاف الحقيقية بين قاسم وعارف.. علامات استفهام حول انقلاب 1958 في العراق

زيد خلدون جميل

 

كانَ انقلاب 14 تموز/ يوليو عام 1958 في العراق مفاجأة صاعقة للمهتمين بالشؤون العراقية آنذاك ونقطة تحول أساسية في مسيرة العراق السياسية والاجتماعية والثقافية الى درجة أن ما لدينا اليوم هو مجتمع لا يمت بأية صلة لمجتمع العراق قبل 1958. وقد مرت أحداث غريبة قبل وفي يوم الانقلاب اجتمعت كلها وبشكل مريب يوم الرابع عشر من تموز/ يوليو 1958 مما أدى الى نجاحه بشكل أشبه بالأفلام السينمائية منها الى الواقع دون أن يحاول أحد تفسيرها. كانت الحكومة العراقية آنذاك قد قررت إرسال الفرقة الثالثة من الجيش العراقي الى الأردن لأمر يتعلق بأحداث لبنان في تلك الأيام وحدث الانقلاب عندما كانت هذه الفرقة والتي كانت تحت قيادة اللواء الركن غازي الداغستاني ومركزها معسكر جلولاء في طريقها الى الأردن، هاجم حوالي ثلاثمائة جندي من هذا القافلة قصر الرحاب (مسكن العائلة المالكة) بأمر من عبد السلام عارف (الشخص الثاني في قيادة الانقلاب) بعد سيطرته على مبنى الاذاعة والتلفزيون وكان هؤلاء الجنود مكلفين بالقضاء على العائلة المالكة ولكن وعلى الرغم من صغر هذه القوة عدة وعددا أستسلم لواء الحرس الملكي لها بأكمله بدون قتال وهو المكون من ثلاثة آلاف جندي وضابط ومجهز بافضل الأسلحة وتم هذا الاستسلام بموجب قرار غريب ومفاجئ اتخذه الأمير عبد الإله. وحدث هذا الانقلاب دون أية علامة قد توحي بضعف الدولة آنذاك فلم تكن هناك أية حالة من الفوضى في البلاد من الممكن أن تؤدي الى هذه الكارثة ولم تظهر أية اشارة حول عصيان عسكري في الجيش العراقي، بل أن الحكومة العراقية كانت في أحسن حالاتها وكان العراق يتمتع بنسبة نمو اقتصادي عالية وقد توقفت وقتها المظاهرات التي كان يقوم بها الحزب الشيوعي كقوة سياسية تهدد النظام، وأما الشعب العراقي فقد كان في حالة تطور سريع في جميع المجالات وعرف بالهدوء والتزامه بالتقاليد الاجتماعية بشكل دقيق ونسبة جريمة منخفضة مقارنة بالشعوب المجاورة. ولهذه الأسباب فقد كان واضحا أن الانقلاب حدث نتيجة لأحداث بعيدة كل البعد عن الشارع العراقي مما يجعل المرء يتساءل عما حدث في ذلك اليوم بشكل واقعي بغض النظر عن ما قاله الذين حاولوا جهدهم لإضفاء صفات رومانسية على هذا الحدث.

 

علامة الاستفهام الأولى: بروز الأمير عبد الإله؟

قد يكون تعيين الأمير عبد الإله وصيا على العرش ووليا للعهد عام 1939 هو أحد أسباب حدوث هذه الكارثة وأحد الأمور الغامضة في تاريخ السياسة العراقية لأن هذا الشخص لم يكن مؤهلا إطلاقا لهذا المنصب لا من حيث السن ولا الخبرة ولا التسلسل العائلي ولا من حيث معرفته بالشعب العراقي ومعرفة الشعب العراقي به. كما كانت علاقته بالملك غازي (والد الملك فيصل الثاني) سيئة جدا وفي نفس الوقت كان الأمير زيد بن الحسين مستوفيا لجميع المعايير ليكون وصيا على العرش ووليا للعهد فقد كان أخا للمرحوم الملك فيصل الأول ورفيقه في الثورة العربية أبان الحرب العالمية الأولى وشغل مناصب دبلوماسية هامة في الحكومة العراقية كما أنه عرف بأخلاقه الرفيعة وشخصيته المحبوبة. وقد أصبح عبد الإله الشخصية المسيطرة في القصر الملكي بل الملك الفعلي للعراق حتى بعد تنصيب الملك فيصل الثاني عام 1953 ومما أزاد الطين بلة أنه لم يكن محبوبا من قبل الشعب العراقي على عكس الملك فيصل الثاني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة. ولذلك فأن علامة الاستفهام الأولى هي لماذا وكيف تولى عبد الإله هذه الوصاية على العرش وولاية العهد؟ فمن المؤكد أنه كان غير قادر على فرض نفسه!.

 

علامة الاستفهام الثانية: موقف الفريق رفيق عارف (رئيس أركان الجيش) الغريب؟

كان هناك أيضا الفريق الركن رفيق عارف، رئيس أركان الجيش العراقي، والذي تؤكد جميع المصادر التاريخية علمه الكامل بالمؤامرة التي كانت تحاك ضد النظام الملكي من قبل عبد الكريم قاسم ومجموعة الضباط الأحرار وكان له دائما من يخبره شخصيا عن كل نشاطاتهم إلا أنه ولسبب مجهول لم يبلغ نوري باشا السعيد رئيس الوزراء والحاكم الفعلي للعراق آنذاك بهذا بل أنه كان ينفي دوما وجود مثل هذه المؤامرة جملة وتفصيلا عندما كان يدور الحديث عنها في أوساط السياسيين أو القصر الملكي ولذلك فقد كان رفيق عارف عمليا الملاك الحارس لعبد الكريم قاسم (قائد الانقلاب). وعلامة الاستفهام هنا هو لماذا تستر رفيق عارف على نشاط عبد الكريم قاسم والضباط الأحرار ولم يبلغ نوري السعيد والعائلة المالكة عنهم؟

 

علامة الاستفهام الثالثة: كيف تآمر عبد الكريم قاسم؟

إن أول من طرح فكرة الانقلاب في الجيش العراقي كان المقدم رفعت الحاج سري والذي شكل النواة الأولى لتنظيم الضباط الأحرار، ونمى هذا التنظيم تدريجيا ولكنه لم يحقق شيئا وتحول من الناحية العملية الى ناد أكثر منه تنظيم انقلابي حتى قام العضو فيه ناجي طالب بتقديم عبد الكريم قاسم الى أعضاء التنظيم وفرضه عليهم ولكن وبعد فترة قصيرة أمر رفيق عارف رئيس الأركان بنقل رفعت الحاج سري رئيس تنظيم الضباط الأحرار الى العمارة كضابط تجنيد بعد فضح اشتراكه في اجتماع للضباط الأحرار في منطقة الكاظمية في بغداد ولا نعرف لماذا لم يحضر عبد الكريم قاسم ذلك الاجتماع بالذات على الرغم أنه كان من المقرر أن يحضره ومن هو الذي أبلغ رئيس الأركان عن ذلك الاجتماع ومكانه وهل كان عبد الكريم قاسم هو نفسه من أبلغه بذلك؟ وقد أدى هذا الفضح الى إزاحة رفعت الحاج سري من زعامة التنظيم، وبالتالي أصبح عبد الكريم قاسم نتيجة لذلك رئيسا للتنظيم بحكم كونه الأعلى رتبة فيه ودعم ناجي طالب وعبد السلام عارف له من داخل اللجنة العليا للتنظيم فأتاح هذا له الفرصة لمعرفة كل شيء عن أعضائه ونشاطهم واتصالاتهم. وجدير بالملاحظة أن الذي قام بالانقلاب كان هو عبد الكريم قاسم وحده وجماعته التابعة له مباشرة وبمعزل عن تنظيم الضباط الأحرار الذين لم يعرفوا شيئا عن خطته وحتى عن موعد الانقلاب. وما ان نجح الانقلاب حتى انقلب عبد الكريم قاسم عليهم وأعدم جميع الأعضاء البارزين في التنظيم باستثناء ناجي طالب. وعلى الرغم من أن عبد الكريم قاسم كان قائد الحركة الانقلابية فأن منفذه الحقيقي كان عبد السلام عارف، فهو الذي أحتل بغداد ومبنى الإذاعة حيث ألقى البيان رقم واحد، وهو الذي أمر في صبيحة الرابع عشر من تموز سريتين من قواته بالهجوم على قصر الرحاب، وأثناء ذلك كان عبد الكريم قاسم خارج بغداد منتظرا نجاح الانقلاب كي يدخل بغداد بقطعاته لاستلام السلطة. ويدعي البعض أن بقاء عبد الكريم قاسم خارج بغداد كان كخط رجعة له على أساس أنه في حالة فشل الانقلاب (على حد أدعائهم) يقوم هو بمهاجمة الانقلابيين بقطعاته والقضاء عليهم مدعيا إخلاصه للنظام. وفي هذا الاعتقاد توجد نقطة ضعف أساسية، وهي أنه في حالة فشل الانقلاب ستكتشف لجان التحقيق حقيقة ضلوع عبد الكريم قاسم به وفي تلك الحالة كان النظام سيقتص منه وخاصة أن عبد الكريم قاسم كان قد أمر باعتقال قائد الفرقة الثالثة اللواء الركن غازي الداغستاني بعد تحرك الفرقة مباشرة من جلولاء وقبل وصولها بغداد، أي قبل حدوث الانقلاب بساعات. وعلامة الاستفهام هنا حول الانقلاب هي ألا يعتبر قيام عبد السلام عارف بإرسال سريتين (تتكون السرية الواحدة من مائة وخمسين جنديا) وبعتاد لم يتجاوز الخمسة رصاصات للجندي الواحد للهجوم على قصر الرحاب ومواجهة لواء الحرس الملكي المكون من ثلاثة آلاف عسكري ويعد أفضل قطعات الجيش تدريبا وتسليحا من الناحية العسكرية عملا بمنتهى الحماقة أو الجنون؟ فمن أين أتت هذه الثقة المطلقة بالنجاح لعبد السلام وزعيمه عبد الكريم، وهما الاثنان ضابطان محترفان وصاحبا خبرة جيدة؟ وهذا يعطي الانطباع أنهما كانا متأكدين لسبب ما من نجاح هذه القوة الصغيرة. ونتساءل عن سبب هذا التأكد الغريب؟

 

علامة الاستفهام الرابعة: لماذا لم تعلن حالة الاستنفار القصوى في الجيش والشرطة؟

من الأمور الغامضة الأخرى هو عدم إعلان رئاسة أركان الجيش حالة الاستنفار القصوى في الجيش العراقي وأجهزة الأمن في بغداد يوم الثالث عشر من تموز/ يوليو الى 1958 قبل تحرك قطعات الجيش نحو الأردن ومرورها ببغداد حتى وصول الفرقة الثالثة الى الحدود الأردنية. فحسب القوانين العسكرية يجب أن يتم إعلان حالة الاستنفار القصوى عند مرور أية قطعات للجيش العراقي في بغداد خوفا من حصول ما لا تحمد عقباه وفي هذه الحالة تكون قطعات الجيش والأمن في العاصمة العراقية على أتم استعداد لأي طارئ، خاصة أن قوات الجيش العراقي في منطقة بغداد كانت قادرة على مواجهة أية أزمة مفاجئة، وأما بالنسبة للشرطة العراقية فقد كانت هي الأخرى تملك قوة عسكرية خاصة بها ذات تدريب وتجهيز عسكريين تتكون من ثلاثة آلاف عنصر في معسكر الشرطة في الصالحية القريبة من دار الإذاعة وكانت هذه القوة بمفردها قادرة على دحر الانقلابيين. ولكن حالة الاستنفار القصوى لم تعلن ومرت الفرقة الثالثة في بغداد والمدينة تغط في نوم عميق وكذلك قوات الجيش في بغداد وقد أكد المرحوم سعيد قزاز، وزير الداخلية في الحكومة الملكية في ذلك اليوم، أنه لم يتم تبليغه بتحرك الجيش العراقي من جلولاء باتجاه الأردن عن طريق بغداد ولم يستلم طلبا لإعلان حالة الاستنفار القصوى. وبالإضافة الى ذلك فأن تحركات الجيش العراقي كانت من المفروض أن تكون تحت الإشراف المباشر لنائب رئيس الأركان لشؤون الحركات، اللواء الركن خليل جميل (رئيس اللجنة العسكرية لحلف بغداد)، ولكن هذا لم يحدث لأن النائب كان في إجازة مرضية في ذلك اليوم بالذات.

 

علامة الاستفهام الخامسة: نوم اللواء الركن غازي الداغستاني؟

هنا نطرح سؤالا آخر وهو تصرف قيادة الفرقة الثالثة الغريب. فقد كانت الفرقة الثالثة تحت قيادة اللواء الركن غازي الداغستاني، فعندما تحركت الفرقة الثالثة من معسكر جلولاء في طريقها الى الأردن ودعها اللواء غازي الداغستاني متمنيا لها الموفقية ثم ذهب الى غرفته في المعسكر لينام ضاربا بجميع الأصول والقواعد العسكرية عرض الحائط فهي تنص على ان يكون قائد الفرقة على راسها وان يشرف على جميع تحركاتها بنفسه حتى بلوغها الحدود الأردنية. وبذهابه للنوم ترك غازي الداغستاني لعبد الكريم قاسم الفرصة ليسيطر على الفرقة ويحتل بغداد لتنفيذ انقلابه. ومما يثير الاستغراب أيضا قيام عبد الكريم قاسم بارسال ضابط صغير هو النقيب قاسم الجنابي لاعتقال قائد الفرقة اللواء غازي ولا ندري كيف استطاع هذا الضابط الوصول الى غرفة القائد والتمكن من اعتقاله فورا وبدون أية مقاومة من القائد نفسه مرورا بجميع نقاط الحراسة الموجودة في المعسكر لحماية هذا القائد. وفي الواقع أنه كان من المفروض اعتقال ذلك الضابط أو حتى قتله من قبل الحرس قبل وصوله الى غرفة القائد والقيام بالاتصال فورا ببغداد لإعلامها بنية عبد الكريم قاسم بالقيام بالانقلاب ولكن أيا من هذا لم يحدث. ألا يدعو كل هذا للتساؤل؟

 

علامة الاستفهام السادسة: موقف العقيد طه البامرني؟

وماذا عن دور العقيد طه البامرني آمر لواء الحرس الملكي والذي أقر بنفسه أنه في صبيحة يوم الانقلاب عندما وصل الى البوابة الأمامية للقصر أحاطه الجنود الانقلابيون متوسلين إليه ومقبلين يده كي ينضم إليهم وأخبروه بأن عتادهم قد نفذ، وإذا به يتصل بالقصر الملكي معلنا انضمامه للانقلابيين. وقد كوفئ طه البامرني على خيانته هذه بعد نجاح الانقلاب بتعيينه قائدا لميليشيا المقاومة الشعبية السيئة الصيت والتابعة للحزب الشيوعي الذي حوله الى بطل أسطوري عن طريق أجهزة أعلامه وهو الخائن لواجبه.

 

علامة الاستفهام السابعة: خطوط اتصالات القصر؟

مما أثار حيرة المؤرخين كان عدم قطع الانقلابيين لخطوط تلفون القصر ولم يذكر أحد أن كانت هناك وسائل لا سلكية في القصر تتيح للعائلة المالكة الاتصال بجهة ما طلبا للنجدة أو المشورة أو ربما أن الأمير عبد الإله كان قد اتصل بجهة ما، واذا كان قد قام بذلك فعلا فبمن اتصل وهل نصحته هذه الجهة بالاستسلام ولماذا؟

 

علامة الاستفهام الثامنة: لماذا الاستسلام؟

بالاضافة الى كل هذه الألغاز الغامضة وغير المنطقية يأتي قرار الأمير عبدالإله بالاستسلام للقوة الهزيلة التي هاجمت القصر على الرغم من إمكانية الحرس الملكي سحق هذه القوة بكل بساطة.

 

علامة الاستفهام التاسعة: تأجيل موعد سفر الملك؟

كان من الممكن عدم حدوث الانقلاب لأنه كان من المفروض أن يغادر الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله ونوري باشا السعيد بغداد الى تركيا لحضور اجتماع حلف بغداد الذي كان من المخطط له أن ينعقد يوم التاسع من تموز/ يوليو 1958 ولكن أحد رؤساء الدول الأعضاء في الحلف طلب تأجيل الاجتماع الى يوم الرابع عشر من تموز لعدم تمكنه من حضور الاجتماع في الموعد الأصلي. ولذلك أجل الملك فيصل سفره الى يوم الرابع عشر من تموز المشؤوم والذي صادف موعد تحرك الفرقة الثالثة الى الأردن مرورا ببغداد. فأي نوع من المصادفة هذه؟ و قد خدم هذا التأجيل الانقلابيين لأن الهدف الرئيسي للانقلاب كان القضاء على الرموز الثلاثة للدولة وهم الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله و نوري باشا السعيد وبهذا التأجيل استطاع الانقلابيون تحقيق هدفهم والذي كان القضاء على الرموز الثلاثة للدولة.

إن انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 يوضح أن مجموعة غريبة من الصدف حدثت جميعها في وقت واحد أدت الى نجاحه بشكل يصعب تصديقه، فهل من الممكن اعتبار هذا أمرا قابلا للتصديق؟ وهذا يثير علامات استفهام وتساؤلات كثيرة. أتمنى أن يكشف التاريخ في المستقبل حقيقة انقلاب 1958.

?>