الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
سعت الحكومة في عهد الرئيس عبد السلام عارف إلى إلغاء الإجراءات الأمريكية المتخذة ضد التمور العراقية المصدرة
بعد حرب حزيران اتخذت الحكومة العراقية في 14 حزيران 1967، جملة من القرارات وصفت بأنها “خطيرة”
في خضم التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، قامت حرب 5 حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل، وقد انعكست تلك التطورات على سياسة الإدارة الأمريكية الخارجية تجاه القضية الفلسطينية، التي تمثلت بالانحياز الكامل لإسرائيل. ومن جانبها، اتخذت الحكومة العراقية في 14 حزيران 1967، جملة من القرارات وصفت بأنها “خطيرة”، تندرج في إطار معالجة اثار العدوان الإسرائيلي وتعزيز الصمود العربي، وتناولت مختلف المجالات، ومنها الحقل الاقتصادي جاء في نصها: “مقاطعة جميع البضائع المستوردة من أمريكا وبريطانيا وألمانيا الاتحادية”. وكان من الطبيعي أن ينعكس قرار الحكومة العراقية، آنف الذكر على التبادل التجاري بين بغداد وواشنطن. وتنبغي الاشارة بهذا الشأن الى حقيقة لا تخلو من مغزى في ما نحن بصدده، أن القرارات “الخطيرة” التي اتخذتها الحكومة العراقية، ترتبت عليها اثار سلبية في سجل علاقات العراق مع تلك الدول وعلى الصعد كافة، بما في ذلك الاقتصاد العراقي نفسه. كتب الخبير الاقتصادي جميل هاشم الكاظمي، يومها، أنه “في ضوء قرارات الحكومة العراقية، يمكن تقسيم موقف الدول من العدوان الإسرائيلي الى صديقة، محايدة، معتدية، والأخيرة، منها، هي تلك الدول التي ساندت إسرائيل في عدوانها على العرب، ومنها بالطبع، الولايات المتحدة الأمريكية”، وعلى هذا الأساس دعا الكاظمي الحكومة العراقية الى توطيد علاقاتها مع الدول الصديقة والمحايدة، وكسب ودها السياسي، من أجل سد الفراغ في تعامل العراق التجاري في استيراداته وصادراته مع واشنطن ولندن وبون، ومما يذكر، أن الحكومة العراقية، عندما قررت “مقاطعة جميع البضائع الأمريكية”، شكلت لجنة مختصة في وزارة الصناعة لدراسة موضوع حاجة العراق من “المواد الإنشائية ولا سيما الإسمنت والحديد” لمعرفة الكميات المخزونة في المخازن المخصصة لها، وإيجاد البديل عنها في حال نفادها، بإنشاء صناعات جديدة لسد الحاجة المحلية من هذه المواد المستوردة، وعلى الرغم من ذلك فقد ارتفعت أسعار المواد الإنشائية يومها، مما أثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطن العراقي بشكل خاص. وتنبغي الإشارة هنا، الى أن الحكومة العراقية دعت الحكومات العربية في حزيران 1967، الى “وجوب إحكام المقاطعة العربية لبضائع الدول المعتدية التي ساندت العدوان، ولا سيما في المجالات الاقتصادية”، ومنها النفط، وعدت الحكومة العراقية، يومها، مقاطعة البضائع الأمريكية “خطوة نحو تعزيز النصر في المعركة” ضد إسرائيل. تراجع التبادل التجاري بين بغداد وواشنطن في عام 1968، واقتصرت الاستيرادات العراقية من الولايات المتحدة الأمريكية على مواد الألبان ومنتجاتها، والكبريت والملح والحبوب والأثمار الزيتية والخشب والألبسة المستعملة، وغيرها، واختفت المواد الأساسية في قائمة سجل التبادل التجاري مثل الحنطة وغيرها من المواد، وقد بلغت قيمة الصادرات الأمريكية قرابة 18 مليون دولار في العام نفسه، بعد أن كانت قرابة 36 مليون دولار في عام 1967، وبذلك سجلت انخفاضاً مقداره 18 مليون دولار بين عام 1967 و 1968. أما عن الصادرات العراقية، فقد استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في استيراد التمور وعرق السوس والمصارين والصوف الخام والجلود، إذ استوعبت السوق الأمريكية معظم الصادرات العراقية من الصوف الخام بين عامي 1966 و 1968. وتشير الإحصاءات الرسمية العراقية الى أن كميات صادرات العراق من الصوف بلغت قرابة 323 طنا، وبقيمة مقدارها 45,614 دولاراً عام 1966، وانخفضت في العام 1967 الى قرابة 186 طناً، وبقيمة مقدارها 173,436 دولاراً. والملاحظ هنا، انه على الرغم من انخفاض كمية الصوف المصدر، إلا أن قيمتها ارتفعت بسبب ارتفاع قيمة الطن الواحد من مبيعات الصوف العراقي. وبسبب تراجع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، انخفضت كمية الصوف المصدرة الى قرابة 150 طناً، وبقيمة مقدارها 55,882 دولاراً عام 1968. واحتلت التمور بصورة خاصة مكانتها المتميزة كما كان عليه الحال في السنوات السابقة إبان حكم الرئيس عبد السلام عارف، في قيمة واردات الولايات المتحدة من العراق، لكون التمور، شغلت المرتبة الثانية من قيمة الصادرات العراقية سنوياً بعد النفط. واستمرت السوق الأمريكية باستيعاب التمور العراقية. لقد سعت الحكومة في عهد الرئيس عبد السلام عارف الى إلغاء الإجراءات الأمريكية المتخذة ضد التمور العراقية المصدرة للولايات المتحدة الأمريكية التي استجابت ادارتها للطلب العراقي في مايس 1966، إذ أعلم السفير سترونغ وزير الاقتصاد العراقي عبد الحميد الهلالي في 3 مايس 1966 بموافقة الإدارة الأمريكية على إلغاء قرارها الخاص بالتمور العراقية المصدرة الى الولايات المتحدة الأمريكية. وتشير الإحصاءات الرسمية المتوافرة الى أن واشنطن استوردت من التمور العراقية قرابة 8309 طن، وبقيمة مقدارها 1,600,797 دولار في عام 1966، وتركز الطلب الأمريكي بشكل خاص على نوعي”الحلّاوي” أولاً و”الساير” ثانياً، وارتفعت الصادرات العراقية من مادة التمور الى الولايات المتحدة الأمريكية على عكس حال الصادرات الأخرى، فقد استوردت واشنطن كمية من التمور بلغت قرابة 17113 طناً، وبقيمة مقدارها 2 مليون دولار عام 1967، إلا أن عام 1968 شهد انخفاضاً كبيراً في استيرادات الولايات المتحدة من التمور العراقية فيه، اذ بلغت كميتها قرابة 7679 طناً وبقيمة مقدارها 624,516 دولارا. وبذلك انخفضت كمية التمور العراقية المصدرة الى واشنطن قرابة 9434 طناً بين عامي 1967و 1968. وقبل أن ننهي هذا الفصل من الأطروحة، من المفيد الإشارة الى عموم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، في المرحلة نفسها، وعلى النحو المبين في الجدول أدناه:
الجدول رقم
التبادل التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق بين عامي 1966 و1968 وبملايين الدولارات.
التفاصيل 1966 1967 1968
صادرات أمريكية الى العراق 51,7 36 18
واردات أمريكية من العراق 3 1,6 2,4
وبنظرة سريعة على هذا الجدول، يمكن ملاحظة حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، ولكن من الضروري الإشارة الى أن الميزان التجاري كان لصالح واشنطن دائماً بين عامي 1966 و 1968. فالعجز التجاري واضح من خلال انخفاض قيمة الواردات الأمريكية الى قيمة صادراتها, إذ شكل العجز عام 1966، قرابة 48,7 مليون دولار، بينما انخفض في عام 1967 الى قرابة 35,4 مليون دولار، بسبب انخفاض قيمة الاستيرادات والصادرات الكلية بين بغداد وواشنطن، ثم انخفض في عام 1968 الى قرابة 16,6 مليون دولار للسبب المذكور سابقاً. وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول أن التغيير الذي حدث في قيمة الاستيرادات والصادرات الأمريكية، وانخفاضها بشكل ملحوظ يعود أساساً الى تراجع العلاقات الدبلوماسية بين بغداد وواشنطن بعد نشوب حرب 5 حزيران 1967. وينطبق الحال نفسها في موضوع تسليح الجيش العراقي بالمعدات الأمريكية والمصالح الأمريكية الثقافية في العراق التي أولتها الإدارة الأمريكية اهتماماً خاصاً بها، مثلما سنتبين هذا ونتوقف عليه بالتفصيل في الفصل الآتي..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة