الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / من أوراق الطيار الخاص للملك غازي .. الطيار حفظي عزيز.. سيرة وذكريات

من أوراق الطيار الخاص للملك غازي .. الطيار حفظي عزيز.. سيرة وذكريات

بقلم – الكابتن زياد

 

العقيدُ الطيار المرحوم حفظي عزيز هو من نخبة الطيارين الرواد الاوائل الذين كان لهم قدم السَبق في تأسيس النواة الاولى للقوة الجوية الملكية العراقية، قد استطاع مع بقية زملائه في دفعة الطيران الاولى تجاوز جميع التحديات التي واجهوها ابتداء من مشاق ومخاطر الطريق من العراق الى بريطانيا وعقبات اختلاف اللغة والمؤامرات البريطانية التي حيكت لإجهاض هذه الدورة واختلاف المناخ عن اجواء العراق… انتهاءً بالرحلة الجوية شبه المستحيلة التي قادها الطيارون الشباب طائرات (الجبسي موث) البدائية التي افتقرت لأبسط مقومات المنظومات الملاحية الاولية لرحلة من هذا النوع _من بريطانيا الى العراق_وبخارطة طيران واحدة لدى قائد التشكيل (الطيار محمد علي جواد). اضافة الى انه (حفظي عزيز) من القلة الذين وثّقوا هذا الاحداث عبر مذكراتهِ ولقاءاته ومقالاتهِ المنشورة وبذلك قد ازاح الغُبار عن تلك الحقبة الزمنية وأرخها بصياغة أدبية مبسطة لتكون منارا للأجيال القادمة.

 

 

ولدَ المرحوم الطيار حفظي عزيز في قضاء المحمودية سنة ١٩٠٨م وهو من قبيلة العُبيد العربية الاصيلة وكان والدهُ ضابطاَ في الجيش العُثماني برتبة مُلازم وقد حاربَ ضمن قُوات الفرقة العسكرية العراقية التي سيقت لمُحاربَة الرُوس وقَد أَطلقَ العراقيون على هذه الحرب (دكة الغربية). وقد قضت الثلوج على جنود هذه الفرقة بكاملها تقريبا ولم ينجو منهم إلا نفر قليل جداَ كان والد (حفظي) احدهم. وقد ظلَ والدهُ في الجيش العُثماني حتى سقوط بغداد على يد الانكليز عام ١٩١٧م عندها تسرح من الجيش. وعندما تشكلت الحكومة العراقية سنة ١٩٢١م عمل في الادارة فعين مديراَ لإحدى نواحي العراق.

 

نشأتُهُ

وعندما بلغ الرابعة من عمرهِ انتقل مع عائلتهِ الى كربلاء فسكن في بيت احد اعمامهِ الخمسة في محلة العباسية وفي السادسة من عُمُرهِ انتقل الى النجف فدخل المدرسة وأنهى فيها الصف الاول والثاني وانتقل بعدها الى طويريج (الهندية) مع والدهِ وهناك انهى دراستهُ في الصف الخامس والسادس الابتدائي وانتقل الى الحلة فأنهى الدراسة المتوسطة وجاء (حفظي) الى بغداد ودخل المدرسة الثانوية المركزية سنة ١٩٢٧م حيث كانت عائلتهُ في الحلة وقد دخل القسم الداخلي لأكمال دراستهِ.

 

الخطوة الأولى لدخول عالم الطيران

ويروي المرحوم حفظي عزيز ان رئيس الوزراء _آنذاك_نوري السعيد قد زار الاعدادية المركزية في ٢٠ نيسان ١٩٢٧م ودخل الى الصف الرابع وتحدث الى الطلبة ومما قالهُ لهم ((أن الملك فيصل يريد أن يؤسس مدرسة. طيران عسكرية عراقية فمن منكم يرغب بالتطوع؟)) فتطوع اثنا عشر طالباَ وكنت واحداَ منهم.

 

رحلة الفحص الطبي والقبول

وفي اليوم التالي جاءت سيارة عسكرية الى المدرسة ونقلنا الى مستشفى الهنيدي (مستشفى الرشيد العسكري) وأُجري لنا الفحص الطبي الشامل فنجح في الفحص الطبي اثنان فقط!! (أنا وقاسم البزركان) ولم يوافق اهل قاسم على انتسابه للقوة الجوية فأجبروه على الانسحاب فأنسحب ولسد النقص الحاصل بسبب فشل الطلبة بالفحص الطبي اختارت الحكومة ان تسد النقص بخمسة طلاب من المدرسة العسكرية فصار عددنا ستة طلاب وقد ارسلتنا الحكومة الى لندن في بعثة لدراسة الطيران. وكانت هذه أول بعثة عراقية في الطيران وكنا كل من: محمد علي جواد، وموسى علي، وناطق الطائي، وناصر حسين الجنابي وأنا!.

 

الرحلة إلى بريطانيا

كانت الرحلة الى سوريا بالسيارة واستمر في الصحراء زهاءَ عشرين ساعة الى ان وصلنا الى دمشق ومنها الى بيروت وبعد ثلاثة ايام ركبنا على متن الباخرة الجبارة (شامبليون) الى مرسيليا في فرنسا وهناك استقبلنا ممثل شركة (كوك) للسفريات وأركبنا في احدى عربات القطار التي كانت قد حجزت لنا الى ميناء (دوفر) ومن هناك ركبنا باخرة الى ميناء (كاليه) ومن ثم ركبنا الى لندن بواسطة القطار فوصلنا الى محطة فكتوريا العظيمة فوجدنا باستقبالنا عددا من موظفي السفارة العراقية في لندن منهم/ عباس مكي خماس وتوفيق صالح مع موظف ثالث وتم نقلنا الى احد فنادق لندن. ثم اردف قائلاَ.. وهناك قد هيأت لنا السفارة البريطانية مدرساَ لتدريسنا اللغة الانكليزية يدعى المستر (كاستيلي) وطلبت السفارة منا ان نسكن معه في دارهِ الواقعة في مدينة (كيلدفورد) التي تبعد ثلاثين ميلاَ جنوب لندن. اما المستر (كاستيلي) فهو رجل تجاوز السبعين من العمر يسكن مع زوجته فقط. فانتقلنا الى هناك وكان هذا الرجل يسهر على راحتنا بشكل كبير ويهتم بنا كل الاهتمام. ويقول حفظي عزيز والحقيقة لقد استفدنا في تدريسهِ لنا اللغة الانكليزية فائدة كبيرة سهلت علينا مهمة الالتحاق بالكلية البريطانية.

 

الدخول الى كلية الطيران

ويروي لنا حفظي عزيز فيقول بعد ان انهينا المدة المقررة لدراسة اللغة الانكليزية التحقنا بكلية الطيران البريطانية واسمها كلية (كرانول) على بعد مائتين وعشرين ميلاَ عن مدينة لندن. وهي كلية ليلية عسكرية مدة الدراسة فيها سنتان يتدرب فيها الطالب على الطيران ويعطى دروساَ نظرية ايضاَ كالرياضيات العالية والفيزياء والكيمياء والمثلثات والجبر والجغرافية والتاريخ العسكري والسياسي وهذه العلوم ليست لها علاقة بالطيران.

 

مؤامرة أعدت لإفشالنا

ويقول حفظي عزيز ان قبولنا في هذه الكلية (مؤامرة) انكليزية الهدف منها افشالنا في الدراسة لصعوبة المواد النظرية فيها وعندها سوف تقول بريطانيا ان الضباط العراقيين غير قادرين على الدراسة الصعبة وانهم لا يستطيعون استيعابها أو فهمها. ولقد تنبهنا لهذهِ المؤامرة وصرنا ندرس ليل نهار ونتنادى بيننا على الجد والمثابرة حتى نخيب ظنون الانكليز وآمالهم. ومما اذكره في هذا المجال.. اجتمع بنا المرحوم (جعفر العسكري) عندما عين وزيراَ مفوضاَ للحكومة العراقية في لندن في مبنى السفارة العراقية وصار يحثنا على السعي المتواصل والجد والمثابرة واكد لنا ما عرفنا من اننا ضحية مؤامرة دبرتها بريطانيا ضدنا لإفشالنا في الدراسة حتى تقول (أنظروا… ان العراقيين غير قادرين على الاعتماد على انفسهم) وقد فعلت اقوال جعفر العسكري فعلتها في نفوسنا فأثارت الحماس وصرنا نسعى ونقرأ ليل نهار حتى نجحنا بتفوق وخيبنا آمال الانكليز وظنهم وعززنا ثقة العراق والعراقيين بأبنائهم في الوقت نفسه. ان نجاحنا بالدراسة شكل نقطة تحول في سياسة بريطانيا تجاه طلبة البعثات العسكرية حيث غير الانكليز نظريتهم وطريقتهم في التعامل مع الطلبة فعندما جاءت الدورة الثانية بعدنا قبلت في كلية خاصة للطيران اسمها (فلاي ترين سكول) ومدة الدراسة فيها احد عشر شهراَ بينما كانت مدة الدراسة في كليتنا (سنتان) وكان لهذه الكلية نظام خاص وتقاليد خاصة لم نشاهد مثلها في بقية الكليات فمثلاَ كان لها لباس خاص يرتديه الطلبة اثناء الدرس وكذلك لباس خاص عندما يتوجه الطلبة الى تناول الطعام وللحفلات لباس خاص ايضاَ وهكذا.

 

ذكريات دراستنا

ويقول حفظي عزيز ومن ذكرياتي عن دراستنا في هذه الكلية كان من جملة المواد الدراسية التي كنا ندرسها هي مادة (البلاغة) الانكليزية وكانت هذه المادة من اصعب الدروس لأننا كنا حتى ذلك الوقت لا نحسن القراءة والكتابة باللغة الانكليزية فكيف لنا ان نتقن البلاغة فاجتمعنا فيما بيننا نحن الطلبة العراقيين وذهبنا الى آمر الكلية وطلبنا منه إعفائنا من هذه المادة فوافق على ذلك. وهكذا وبعد دراسة لمدة سنتين تخرجنا من  هذه الكلية /١٩٢٩/٧/٢٦م ووزعنا على الاسراب البريطانية وقد التحق كل واحدٍ منا في دورة خاصة اختارها حسب رغبتهِ فالتحقتُ في دورة الاسلحة والتحق موسى علي بدورة اللاسلكي ومحمد علي جواد بدورة تعاون القوة الجوية مع الجيش وناطق الطائي بدورة التصوير الجوي.

 

الخدمة في الأسراب البريطانية

وبعد نجاحنا في هذه الدورات وزعنا على الاسراب البريطانية وقد التحقت بسرب (١٦) في مطار (اولوسيوم) والذي يقع في مدينة سالبوري وكان معي في السرب الملازم موسى علي وصرنا في رفٍ واحد ومعنا ملازم بريطاني ثالث ورابعنا آمر الرف. تقع مدينة سالبوري في جنوب لندن على بعد مائة وثمانون ميلاَ وبقينا فيها اربع سنوات وفي اثناء هذه المدة دخلنا مسابقات عديدة مع الطيارين الانكليز فزنا عليهم بتفوق وحصلنا على جوائز وكؤوس عديدة لا زلت احتفظ بقسم منها في بيتي.

 

شراء طائرات جبسي موث

ويروي لنا حفظي عزيز.. كنا أثناء وجودنا في الكلية نزور السفارة العراقية في العطل والاجازات بين الحين والآخر ونلتقي بالوزير المفوض جعفر باشا العسكري وفي احدى الزيارات لدار السفارة علمنا ان الحكومة العراقية قررت شراء طائرات عسكرية من الحكومة البريطانية وسألنا جعفر باشا اي الانواع من الطائرات افضل؟ فقدمنا له مواصفات طائرتين حربيتين أدخلتا في خدمة الاسراب البريطانية في اواخر سنة ١٩٢٩م والتي تعتبر يومها من احدث الطائرات وأحسنها الاولى اسمها (اتلاس) والثانية اسمها (هوكر هارت) وقد ارسل جعفر العسكري هذه المواصفات الى وزارة الدفاع العراقية ولكن البعثة العسكرية البريطانية في بغداد لم توافق على ذلك مدعية ان النوع المقترح شراؤه من تصميم جديد وأن وزارة الطيران البريطانية لا بد انها سوف ترفض بيعها لأية دولة اخرى خشية سرقة مواصفاتها لذا تقترح البعثة شراء طائرات (جبسي موث) التدريبية المجردة من السلاح. فعجبت لاقتراح البعثة وقلت لها هناك طائرات احدث منها واحسن وان هذه الطائرات من النوع الذي تستعمله النوادي لتدريب الشباب والشابات وهي لا تطير اكثر من ساعة ونصف. وسرعتها لا تزيد عن ٨٠ كم في الساعة واخيراَ تمت الصفقة واشترت الحكومة العراقية. خمس طائرات جبسي موث.

 

?>