جعفر لبجة
عن تأسيس مدرسة (حقوق بغداد) سنة 1908 صدرَ كتاب (مذكرات محمود الدفتري) وهو من منشورات دار الرفاه للطباعة والنشر لسنة 2020. ولقد قام بتحقيقه المحامي أحمد مجيد الحسن وهو من الشخصيات المعروفة والتي لها منجزات مهمة، ولد المحقق في بابل-المسيب عام 1949، وأقام في بغداد/ الكرادة الشرقية، حصل على دبلوم معهد المعلمين/ بغداد عام 1968 وبدرجة جيد جداً، وبكالوريوس قانون/ بغداد 2002 وبنفس الدرجة وله مشاركات وبحوث ودراسات تاريخية وقانونية منشورة في الصحف العراقية والمدونات الالكترونية، عمل محاضراً في المعهد القضائي وفي الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد، وهو عضو لجنة تشريع قانون العقود العامة في وزارة التخطيط مع البنك الدولي بغداد-عمان-اسطنبول عمل مستشاراً للجنة المالية في مجلس النواب لتشريع قانون الخدمة المدنية العامة، وهو مؤسس متحف نقابة المحامين سنة 2018 ومستشار نقابة المحامين، وله مؤلفات منها (أغلاط شائعة 2017) و (تاريخ نقابة المحاميين العراقيين ج1 2019)، وبهذا فأن الاستاذ المحقق يكون قد اختط بقلمه تشريع القوانين المهمة كمحام ومؤلف وخبير في مجال المحاماة وليمهد الطريق أمام المشتغلين بالمحاماة لينهلوا من معيّنة القانوني وتجاربه في ذلك المجال الحيوي. والآن لنعكف على السيرة الذاتية للدفتري كما وردت بقلم المحقق الحسن فهو محمود صبحي (أسم مركب) بن فؤاد بن إسماعيل بن إبراهيم بن خليل الدفتري، وآل الدفتري عائلة بغدادية عريقة لها جذورها العميقة ببغداد، ورأس هذه الأسرة هو (خليل أفندي بن إسماعيل أغا بن طاهر افندي الذي تولى منصب متصرف بغداد في زمن الوالي داود باشا سنة 1823 ثم تولى منصب دفتر دار الولاية على عهد الواليين (داوود باشا وعلي رضا باشا)، أما جد أبيه (إبراهيم الدفتري) فهو أول رئس لبلدية بغداد التي أنشأها الوالي المصلح (مدحت باشا) سنة 1868 وبعد وفاة إبراهيم الدفتري تسنم هذا المنصب جده (إسماعيل الدفتري) من (1881-1889) على عهد الواليين (تقي الدين باشا ومصطفى عاصم باشا) ومن بعده تولى المنصب خاله ووالد زوجته (رفعت الجادرجي). وهو والد السياسي المعروف كامل الجادرجي أما رفعت الجادرجي المعماري المعروف فهو حفيده.. ورؤوف رفعت الجادرجي (1882-1959) هو حقوقي وسياسي عراقي من الشخصيات البارزة في العهد العثماني وهو الأخ غير الشقيق لكامل الجادرجي السياسي المعروف، تولى وزارة المالية ووزارة العدلية، ومنصب رئيس كلية الحقوق العراقية أما أبوه (فؤاد الدفتري) فقد تولى منصب متصرف لواء بغداد عام 1923 ثم نهض مرتين باسم أمين العاصمة.. والدفتري هي نسبة إلى الدفتر دار وهو أكبر منصب للشؤون المالية في ولاية بغداد على عهد الدولة العثمانية.. ولد محمود صبحي الدفتري عام 1889 في بغداد تخرج من المدرسة الاعدادية.. ومن ثم تخرج من مدرسة حقوق بغداد عام 1912 التي تأسست عام 1908 وكان الأول عليها ولذكائه اختير وهو في الصف الثالث للحقوق مدرساً للجغرافية والتاريخ في شعبة الاحتياط… شارك في الحركة الوطنية مع والده والتي ساندت ثورة العشرين وزجا في السجن عام 28 آب 1920 ونفيا إلى أسطنبول حتى اعتلاء الملك فيصل عرش العراق حيث عادا عام 1921، كان الدفتري يجيد اللغات العربية والتركية والفارسية، كتب في الصحف التركية دفاعاً عن العرب وكانت له صلاة وثيقة بالعراقيين من رجال الفكر والأدب والشعر كالسياسي والأديب والكاتب فهي المدرس والشاعر العراقي الكبير معروف عبد الغني الرصافي، عين الدفتري أميناً للعاصمة سنة 1930، ثم أوكلت له رئاسة كلية الحقوق سنة 1931 ن لكنه أثر الاستقالة ثم عاد اميناً للعاصمة مرة ثانية سنة 1933.. فمديراً للبلديات عام 1936 من أبرز أعماله في أمانة العاصمة، فتح شارع (غازي) الذي يحمل اليوم اسم شارع الكفاح وشارع الصالحية في الكرخ، فبغداد لم يكن فيها عدا شارع الرشيد الذي أفتتحه القائد العثماني (خليل باشا) سنة 1916 وسمي آنذاك (شارع خليل باشا – خليل باشا جادة ستي)، ويعني الأزقة (درابين) ضيقة في أحياء مختلفة.. وهناك أيضاً بهو الأمانة للضيوف الرسميين لعدم وجود الأماكن الملائمة لإقامة الحفلات الرسمية للهم وكان لزيارة ولي عهد السويد لبغداد آنذاك تعجيل في تنفيذ هذه الفكرة وكانت من مميزات هذا البهو في ذلك الوقت أنه أول قاعة مزودة بالتدفئة المركزية، بعد ذلك عين الدفتري عضواً بمجلس (الأعيان) عام 1937 تولى منصب وزير العدلية ثلاث مرات في وزارات نوري السعيد الثالثة والرابعة والخامسة من 25/12/1938 إلى 18/2/1940 ثم وزيراً للخارجية في وزارة نوري السعيد الثامنة بين عامي 1943-1944 ثم وزيراً للمالية وكالة عام 1939 عند سفر رستم حيدر إلى لبنان. استمر عضواً في مجلس الأعيان حتى 17/10/1945 وأعتزل الحياة العامة وأنصرف إلى أشغاله الخاصة.. وأن اعتزاله فيما يبدو كان بسبب معارضته على تعديل المادة (26/6) من القانون الأساسي بعد الاحتلال الثاني للعراق والتي زادت من حقوق الملك والوصي على العرش تبعاً لذلك وأصبح من صلاحياته إقالة الوزارة إذا كانت سياستها لا يقر عليها البلاط خلافاً للدستور وهذا ما أدى إلى أن يقف الوصي موقفاً سلبياً من الدفتري كان ذلك عام 1943.. و(الدفتري) يعد من رجالات الثقافة في العراق وله صالون أدبي عن أجداده يعرف بـ(ديوان الدفتري) في محلة الحيدرخانة ومن ثم انتقل إلى داره في منطقة الشواكة واستمر على هذا النحو في المجال الأدبي لمدة 40 سنة حتى وفاته عام 1979. وكان للدفتري مجال السبق في هذا الديوان لمعرفته ببغداد وبيوتها الكريمة ونوادر رجالها فكان أستاذاً ومحاضراً يروي القصص التاريخية والطرائف والنوادر الأدبية ويستحضر الفائق من الشعر والنثر، إضافة إلى أن معرفته بترجمة التركية أو الفارسية إلى العربية من طرف وتحف تدل على ذوقه السليم وكان من رواده في الثلاثينات والأربعينيات والخمسينيات إضافة إلى ما ذكر سابقاً إبراهيم صالح شكر وعبد المسيح وزير ونوري ثابت المعروف بـ(حبزبوز) وطه الراوي وغيرهم الكثير من الإعلام. والأدباء عدا السياسيين ومنهم ياسين الهاشمي وطه الهاشمي وجميل المدفعي وحكمة سليمان ويونس السبعاوي.. كذلك جذب صالونه الأدبي الكير من الشخصيات العربية والأجنبية منهم عبد العزيز الثعالبي والسنهوري وسعد الله الجابري ورياض الصلح وعلي الجارم والدكتور زكي مبارك والفيلسوف التركي رضا توفيق وفؤاد كويرلي الأديب والوزير التركي المعروف.. والحديث عن ذكريات الدفتري حديث شائق يجرنا إلى الزمن الجميل بكل فنونه وبكل شخصياته التي لم استطع أن أتناولها في مقدمتي الوجيزة هذه وأن عذري هذا له ما يبرره إذا ما تصفحتم وريقات هذا الكتاب الكبير بمضمونه والذي أجاد المحقق أحمد مجيد الحسن في استيعاب تلك الشخصيات لما لها من أهمية ودور في تاريخنا المعاصر.. فأعطاها من الاهتمام ما تستحقها من سِيرة ذاتية وأدوار في تاريخ العراق المعاصر.. وهنا لا بد لي أن أذكر أن وقائع تأسيس مدرسة الحقوق مدونة بكاملها كما هي مدونة الأحداث والوقائع التي سايرت تأسيسها ومعارضة الولاة العثمانيون على تأسيسها ومحاولة عرقلة ذلك يقابله إصرار من طلابها بمن فيهم الدفتري الذي يعتبر أول طالب في تلك المدرسة وبجهد جهيد تم أقرار تأسيس تلك المدرسة برغم معارضة الوالي (جمال باشا) ومحاولة الغائه مدرسة الحقوق والذي يطلق عليه بـ(السفاح) لتنكيله بالأحرار العرب حينما كان حاكماً على سوريا وبلاد الشام عام 1915. أن ما يحتويه هذا الكتاب من معلومات لهو جدير بالمطالعة والأخذ به كمصدر مهم إذ أن فيه معلومات تنشر لأول مرة ولم يسبق لأحد أن تطرق إليها من قبل وهنا تكمن أهميته وأهمية شخصيته المثالية متمثلة بالدفتري الذي عنى بسيرته وسيرة شخصياته التي رافقته في مشواره الطويل المهم المليء بكل ما يحزن ويسر من خلال معاصرته لحقب الدولة العثمانية والاحتلال الانكليز ومن ثم حقبة الحكم الجمهوري وقبله حقبة الحكم الملكي، وعلى كل متذوق كريم أن يدلو بدلوه في الحكم على مكنونات هذا الكتاب وبالجهد البالغ الذي بذله المحامي المحقق أحمد مجيد الحسن ليظهره للقارئ الكريم على هذا النسق الرائع بعد أن غاص في أعماق تاريخنا المعاصر ليستخرج اللؤلؤ الكامن فيه.. ومن الله السداد والتوفيق.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة