الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / متصرفو كربلاء ومحافظوها (1920 – 2018م)

متصرفو كربلاء ومحافظوها (1920 – 2018م)

جعفر لبجة

 

ابتداءً علينا ان نعرف القارئ الكريم بهذا الكتاب الذي بين يدينا والموسوم بـ (متصرفو كربلاء ومحافظوها (1920-2018م)) وهو من موسوعة الاوسي لتراث كربلاء والصادر عام 2018 من دار التراث للثقافة والاعلام- العراق- بابل، هذا الكتاب من تأليف الاستاذ مرتضى على الاوسي والذي يعرفه المتابعون لشؤون التراث الكربلائي من خلال مؤلفاته ومقالاته المنشورة في المجلات والصحف العراقية  والعربية والذي عرف بشغفه بتراث كربلاء وتغلغله في جذور هذا التراث من خلال ما تركه الاجداد والابناء من مواد تراثية… وعرف ايضاً بولعه في جمع الكتب والمجلات والصور القديمة لكربلاء… والاستاذ مرتضى الاوسي من تولد كربلاء عام 1977 اكمل دراسته الاعدادية فيها وتخرج من كلية التربية – جامعة بابل عام 2005م – قسم اللغة الانكليزية وعمل مدرساً لتلك اللغة في محافظة كربلاء، وله مؤلفات عدة صدر منها:

كربلاء في دليل الخليج العربي عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة/ 2014م.

كربلاء ومكامها (1920- 2015) عن نفس الدار اعلام لعام 2015م.

معجم المؤلفين والادباء في كربلاء – ج1- عن نفس الدار اعلاه لعام 2016م.

كربلائيون في الذاكرة لعام 2017م عن نفس الدار اعلاه.

كربلاء بعيون الرحالة والمستشرقين عام 2017م عن نفس الدار اعلاه.

تاريخ الطب في كربلاء لعام 2017م.

بساتين المعرفة في كربلاء عام 2017م.

وكل مؤلفاته صادرة عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة.

ومما يلاحظ ان نتاجه التراثي اخذ بالازدياد وباضطراد مما يدل على ان تراث كربلاء قد شكل فكره واهتماماته عما عداها… وهذا المؤلف مُزدان بصورة رائعة تمثل حقباً عديدة مرت بها كربلاء من عام 1920 وحتى عام 2018، وعلى هذا فأن بوصلة الاستاذ الاوسي التراثية تتجه نحو العمق الكربلائي التراثي وهذا عمل شاق ومجهد الا انه مثمر من ناحية اخرى. وكتاب اليوم كتاب شيق وممتع تناول مختلف الفترات التي مر بها العراق منذ العهد الملكي والى يومنا هذا…. أي ما يقارب القرن من الزمان…  سقطت ملوك وجمهوريات وكربلاء وكل يوم تزداد ألقاً وشموخاً…  والحديث عن متصرفي كربلاء لتلك الفترة الطويلة حديث مليء بالاحداث التي مر بها كربلاء في ظل تلك الانظمة التي حكمت العراق… وسنحاول جهدنا ان نختار بعضاً من المتصرفين لكل حقبة من حقب الانظمة التي حكمت العراق عسى ان  نوفق في اختيارنا.. وسنبدأ من:

العهد الملكي: وقبل ان نذكر متصرفيه وجب علينا ان نذكر بأن لاول متصرف لكربلاء هو محسن ابو طبيخ أحد قادة الثورة العراقية الكبرى من مواليد القادسية عام 1876… لقد شارك بمعية عشيرته والثوار في قتال البريطانيين في الشعيبة الى جانب الجيش التركي الا ان الثورة قد فشلت فهرب الى الحجاز لاجئاً عند الشريف حسين..  ولقد لعب دوراً مهماً في الاعداد لثورة العشرين ومن ثم عاد الى العراق وعين متصرفاً لكربلاء في 6/10/1920 بعد تشكيل الثوار حكومة كربلاء… ولكن ابعد الى ايران لمواقفه المناوئة للبريطانيين والحكومة الملكية العراقية بعد تتويج الملك فيصل لكنه عاد بعد 5 اشهر في المنفى.. توفي في 5/5/1961 بعد خط جهادي متواصل.

صالح جبر: وزير ورئيس وزراء سابق ولد في الناصرية عام 1900 ودخل مدرسة الحقوق في بغداد وشغل منصب قاضياً ومتصرفاً لكربلاء عام 1935 والعمارة 1941 انتخب عضواً في مجلس النواب للفترة من (1930- 1939) وتقلد الكثير من المناصب المهمة… عُرف بموالاته للوصي عبد الاله في انقلاب 1941  تولى رئاسة الوزراء مرة واحدة (1947- 1948) لذا فهو أول سياسي شيعي يشغل هذا المنصب بعد ربع قرن من تأسيس الدولة العراقية… وبعد عقد معاهدة بورتسموث العراقية  البريطانية عام 1948 جوبهت حكومته برفض تام من القوى الوطنية والقومية مما ادى الى استقالة هذه الحكومة … وفي عام 1957 بينما كان صالح جبر يلقي خطاباً مناوئاً للحكومة القائمة اصيب بنوبة قلبية ادت بحياته. كان صالح جبر تقدمي النزعة وحينما ولي متصرفية كربلاء (1935- 1936) أخذ يقوم باجراءات أصلاحية تتعارض وتقاليد اهل كربلاء الا انهم  دفعوا الى طريق التجديد هذا لما وجدوا فيه خير وصلاح.

عبد الرسول الخالصي: ولد في بغداد عام 1910 من عائلة شيعية… وشغل وزارات عدة في عهد وزارة نور الدين محمود والوزارة السعيدية (13)… والوزارة الايوبية الثالثة والوزارة المرجانية التي تزعمها عبد الوهاب مرجان… تولى مقاليد متصرفة كربلاء بين عامي (1948- 1950) واول مشكلة امنية اتم بازالة معوقاتها واسبابها هي مشكلة المواكب الحسينية وتزاحمهما على الشوارع المطلة على المرقد الحسيني وتداخلها اثناء السير مما يؤدي الى تصادمها واشتباكها وحدوث مشاجرات بين رؤساء تلك المواكب ومن ثم عرقلة الشعائر الحسينية فعمل المتصرف الخالصي على استيعاب تلك المشكلة وذلك بمباعدة تلك المواكب بعضها عن بعض وايجاد فاصل بين تلك المواكب وخاصة في ايام محرم الحرام والزيارة الشعبانية التي تبلغ الذروة في عدد الزائرين وعدد المواكب مما اوجد ارتياح لدى تلك المواكب فازال بذلك كل انواع التصادم والتنازع. اما المسألة العمرانية في لواء كربلاء والمدن التابعة له كالنجف وغيرها فأنه عمل بارادة صلبة في تحقيق ما كان يرجو ويصبو اليه… اذ كان يرى في توسعة الشوارع الرئيسية المؤدية الى العتبتين الحسينية والعلوية حُلماً لكل ابناء تلك الاماكن المقدسة وكان يتطل من اجل ذلك استملاك الاراضي التي تعيق عمله.. وادى ذلك الى تصادمات بين مالكي تلك الاراضي والشرطة الا انه استطاع بالتالي ان يحقق مبتغاه بسعي دؤوب وجهد جهيد وبذلك ترك بصماته على تلك الناحية العمرانية التي خصص لها مبالغ كبيرة انذاك  هذا ايجاز وجيز من اعمال الخالصي وان المؤلف الاستاذ مرتضى الاوسي قد أسهب  في سرد تلك الاعمال وبأسلوب يبعث على التشويق فلم يفته شيئاً الا وذكره…  توفي الخالصي رحمه الله عام 1958 بعد ان بعث الحياة في تلك المراقد المقدسة وسيظل ذكره وتظل بصماته شاخصة في مخيلة كل محبي سبط الرسول (ص).

مشكور ابو طبيخ (1957-1958): هو حاكم كربلاء ما قبل الاخير في العهد الملكي…. وهو نجل السيد عبد المحسن ابو طبيخ عضو مجلس الاعيان وحامل لواء ثورة العشرين .. ولد عام 1915. ترعرع في كنف ابيه حيث مضايف السادة ال طبيخ في الرميثة او الحمزة او الغماس انهى جميع مراحل دراسته وتخرج من كلية الحقوق عام 1939 … زاول المحاماة في عام 1944 اسندت اليه قائممقامية الهاشمية ثم المسيب فالشطرة والكاظمية اخيراً عام 1947.

 

المتصرفون في عهد الحكم الجمهوري

عبود الشوك (1959- 1962): هو عبود عباس الشوك ولد ببغداد سنة 1913.. تخرج من كلية الحقوق عام 1940… تدرج في الوظائف الادارية حتى عام 1959 حيث عين متصرفاً للواء كربلاء وبقي في منصبه هذا حتى ايلول / 1962.

جابر حسن الحداد (1965- 1968): ولد جابر حسن الحداد الخفاجي عام 1921 في محافظة الديوانية وبعد ان اكمل دراسته الاعدادية دخل الكلية الحربية الملكية في بغداد وتخرج منها برتبة ملازم عام 1946 صنف المدفعية.. اشترك في حرب فلسطين كآمر رعيل استطلاع مدرع تحت أمرة الرائد عبد الكريم قاسم وجرح ثلاث مرات في منطقة جنين وتخدم تل أبيب وقد الف كتابا عن احداث هذه الحرب عام 1967 بيّن فيه تخبط القيادة العربية وخيانة الحكام العرب تدرج في الرتب العسكرية حتى وصل الى رتبة عقيد دروع. في عام 1961 اتصل به احمد حسن البكر وصالح مهدي عماش ليشترك معهم في انقلاب يطيح بالزعيم قاسم فردهم اقبح رد… اشترك في ثورة تموز 1958.. وفي 1963 تم اعتقاله وزجه في سجن رقم /1  ومن ثم اطلق سراحه بعد القضاء على البعثيين في عهد عبد السلام عارف… في عام 1965 عُين متصرفاً لكربلاء .. وكان عهده عهد اعمار وتطوير رغم قلة الموارد، وقام بأعمال جليلة وصفها المؤلف الاوسي في كتابه هذا وصفاً دقيقاً لا غبار عليه لتركها لاطلاع قراءنا الكرام. وفي 17 تموز 1968 بعد نجاح البعث في الوصول الى السلطة وقدم استقالته احتجاجاً على وصول البعث فكانت هذه الاستقالة نذير شؤوم عليه مما ادى الى تصفيته عام 1970 مع 57 شخصاً بعد محاكمة صورية عُرفت بمؤامرة عبد الغني الراوي.

عبد الرزاق الحبوبي (1972- 1975):- ولد عام 1932 في النجف وفي بيوت السادة آل حبوبي. تخرج من كلية الحقوق… نال شهادة كلية الفقه عام 1965 اختير لمنصب محافظ كربلاء عام 1972… ثم سفيراً للعراق في البحرين واخيراً عضو في المجلس الوطني بدورته الاولى، ولقد استهل الاوسي سيرة الحبوبي بذكر المناصب التي تقلدها وهي كثيرة لا يمكن حصرها في هذه الصفحات القليلة، لكن الامانة تقتضي ذكر بعضاً من الاحداث التي مرت عليه في زمن حكم البعث. في انتخابات لمجلس الوطني في النجف الاشرف وكان عدد المرشحين عشرة اشخاص حاز الحبوبي وهو مستقل على الدرجة الاولى وفاز بعده ثلاث بعثيين وكان الفارق بينه وبين الفائز الثاني حوالي 13 -14 الف صوت  مما حدا بصدام حسين ان يلوم عبد الامير معله وبلهجته (ليش غلبكم عبد الرزاق وهو مستقل؟)!. اما الحادثة الثانية وهو حينها كان سفيراً للبحرين عمل الحبوبي على تطوير العلاقة بين البلدين فكان محبوباً من امير البحرين والشعب البحراني وحينما تم نقله الى بغداد أغتنم امير البحرين وارسل رسالة الى صدام حسين يقول فيها ان الحبوبي هو احسن سفير في البحرين في كافة  السفارات وهو الذي وطد العلاقة بين الدولتين طالبا بقائه الا ان صدام الذي كان يكره كل الناجحين رفض ذلك مما حدى بأمير البحرين الى اهداء الحبوبي سيارة مرسيدس حديثة الا ان صدام حسين استحوذ عليها وقال الحبوبي (ابعث بكتاب شكر الى أمير البحرين)!. وفي عام 1985 احيل  على التقاعد لاسباب مجهولة… والسيد الحبوبي يسكن الان المدينة المنورة … ولقد ذكر الاستاذ الاوسي كثير من ابداعات الحبوبي يضيق المجال بنا عن ذكرها وخاصة فيما يتعلق بكربلاء وللقارئ ان يحكم بالابداع على هذا التسلسل الزمني الذي اداره الاستاذ الاوسي. وها هي المقدمة البسيطة توشك على نهايتها.. لكن البداية ستكون مع هذا الكتاب ومع مؤلفه الاستاذ مرتضى الاوسي الذي لم يَدعْ شيئاً الا وذكره وغاص في اعماقه مستخرجاً كنوز الزمن التي ابي ان يراها وقد آلت الى الاندثار … فلقد بذل جهداً رائعاً في سبر غور الاعماق لاستخراج اللؤلؤ فخرج علينا بهذا الكتاب ذي القيمة التراثية والتاريخية وهو ما زال يبحث ويتقصى ليظهر لنا من جديد بروائع تلفت النظر.. ومن الله التوفيق.

?>