د. سعدي الابراهيم
لا يُمكن للمجتمع ان يسهم في بناء نفسه اذا لم يكن له رأس يقوده، على هذا الاساس تعد الطبقة الوسطى في اي دولة هي القائدة. هذه الطبقة من المفترض ان تتكون من تلقاء نفسها، عن طريق تجمع رؤوس الاموال لدى بعض الافراد، ومن ثم قيامهم بتوظيفها في مشاريع تنموية قد تفوق ما تقدمه الدولة من مشاريع. لكن في بعض المجتمعات قد تتأخر ولادة هذه الطبقة، فتكون الدولة مجبرة على التدخل في خلقها ودعمها، حتى تقف على اقدامها فتحل محلها في تسيير الاقتصاد وتوجيهه، وعندها سيتقلص دور الدولة الى الحماية والمراقبة فقط. المفارقة التي حدثت في العراق، ان الطبقة لم تولد فيه الى حد هذه اللحظة، والاسباب التي تقف وراء ذلك كثيرة، ومنها:
اولا– في مرحلة ما قبل عام 2003: في مرحلة الحكم الملكي، كان العراق مشغولا ببناء الدولة، نظامها السياسي والعسكري والاقتصادي، وهي فترة غير كافية لخلق الطبقة الوسطى، مع ان البلاد قد شهدت وجود نظام الاقطاع المدعوم والمحمي من قبل الدولة، لكنه لم يتطور ليصل الى ان يكون صناعيا، بل بقي الفلاح لا يفكر الا في زراعة بعض المحاصيل الموسمية وليس في التحول الى امتلاك المصانع. وعندما حدثت عملية الانتقال الى النظام الجمهوري عام 1958، تحولت فلسفة الحكم في العراق نحو الاشتراكية، ومعها صارت الدولة هي الممسكة بكل شيء وليس لديها الاستعداد لاعطاء مجال كبير للأفراد، كي يكون لهم شأنهم الاقتصادي الكبير والمؤثر في الحياة، واستمر الحال هكذا حتى عام 2003.
ثانيا– في مرحلة ما بعد 2003: في هذه المرحلة حتى وان وجدت الطبقة الوسطى، بمعنى انها امتلكت الاموال الا ان ذلك لم يؤهلها للعب دورها المنتظر. والسبب انها مثل كل رأس مال، تحتاج الى حماية الدولة ورعايتها، وبما ان الدولة ضعيفة وتعاني من مشاكل كثيرة، لذلك لم تستطع ان تمارس وظيفتها الطبيعية في قيادة اقتصاد البلاد بجوار الدولة او بمراقبتها. لذلك، تكاد ان تكون معدومة. امام هذا الواقع غير الصحي فلكي يخلق العراق طبقته الوسطى، فلا بد له من توفير شروطها، ومن تلك الشروط، الاتي:
1– ان تسن وتطبق القوانين الخاصة بحماية المستثمر المحلي. واعتبار حمايته جزءا من حماية الاقتصاد الوطني، والامن القومي العراقي.
2– تشجيع اصحاب رؤوس الاموال لتشغيل اموالهم في البلاد، ومحاولة الحيلولة دون ذهابها الى الدول الاخرى، لأن اغلب المستثمرين العراقيين يشغلون الاموال في خارج بلادهم.
3– خلق ثقافة الفرد المستثمر، او الفرد المساهم في بناء اقتصاد بلاده، فليس كل صاحب رأس مال، بمقدوره ان يكون مستثمرا ناجحا.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة