الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
هل صحيح أن الأمريكيين تآمروا على إسقاط نظام حكم عبد الرحمن عارف بسبب عدم حصولهم على استثمار كبريت المشرق؟
لماذا كان التنافس الأمريكي – الفرنسي كبيرا للحصول على استثمار كبريت المشراق؟
أدركَ السفير سترونغ أن نجاح الشركات الاستثمارية الأمريكية في إنجاز أعمالها في العراق، مرتبط بالأساس باتفاقية عراقية – أمريكية تبعث بالاطمئنان في نفوس المستثمرين الأمريكيين. ويبدو من خلال مضمون برقية السفارة الأمريكية في بغداد الى وزارة الخارجية الأمريكية في 8 نيسان 1967، ان السفير سترونغ ركز أثناء لقائه مع الرئيس عارف، في 6 نيسان 1967، في الحديث عن أهمية عقد الاتفاقية قائلاً: “هناك العديد من الشركات الأمريكية ذات سمعة ممتازة، ترغب في استثمار رؤوس أموالها وخبراتها في مشاريع مشتركة مع الحكومة العراقية، ولكنها مترددة بسبب عدم وجود اتفاقية تضمن حقوق أموالهم المستثمرة في العراق، وفي حال تمكنت الحكومة العراقية من دراسة هذا الأمر من وجهة نظر اقتصادية، أعتقد انه لن تكون هناك مشكلة في توقيعها، لأنها ليست اتفاقية سياسية”، ومن جانبه، فهم الرئيس عارف، مقصد السفير سترونغ كما اشارت الى ذلك البرقية، بقوله: “إنه يفهم أن الاتفاقية ضرورية لهذا الغرض، وهي معروضة حالياً أمام أنظار مجلس الوزراء العراقي للبت فيها”. ونظراً لأهمية الاستثمارات الأمريكية في خطط الإستراتيجية الأمريكية، انصبت جهود الإدارة الأمريكية في متابعة سياسة الحكومة العراقية الجديدة تجاه الاستثمارات الفرنسية بشكل عام بعد نشوب حرب 5 حزيران 1967. فقد اشتدت المنافسة على استثمار الكبريت في حقل المشراق بين الشركات الأمريكية والفرنسية. الأمر الذي يفسر، زيارة وزير الخزانة الأمريكي الأسبق أندرسون بغداد في كانون الأول 1967، وهي الزيارة الثانية لبغداد في السنة نفسها. برفقة ممثلي الشركة الأمريكية “تكساس جلف سلفر” وشركة “بان أمريكان سلفر”، وأجرى الوفد الأمريكي مفاوضات مع المسؤولين العراقيين، وغادر أندرسون بغداد في 18 كانون الأول بعد أن أدلى بتصريح صحفي قال فيه: “إنه بذل أقصى جهوده ليقدم أفضل عرض حتى يمكن إصلاح العلاقات الأمريكية – العراقية التي قوضتها الحرب العربية – الإسرائيلية”. تابعت الأوساط الرسمية الأمريكية التنافس الأمريكي- الفرنسي للحصول على استثمار كبريت المشراق، ولا سيما بعد أن قدمت الشركة الفرنسية سي . أف . بي طلباً للحكومة العراقية تضمن رغبتها باستثمار الكبريت، وقد حاولت الشركة الفرنسية أن تقدم عروضاً مالية أعلى من الشركات الأمريكية، ومجموعة دولية أخرى، من أجل استكشاف مناجم الكبريت في المشراق، كما ورد في وثيقة أمريكية. تشير الوثيقة الأمريكية نفسها، إلى العرض الأمريكي الذي وصف بأنه “أكثر جذباً للعراقيين من العرض الفرنسي، والأكثر من ذلك أن العراقيين يبدون معجبين بشكل خاص بدور أندرسون” في المفاوضات التي جرت مع المسؤولين العراقيين الذين فسروا تدخله في الموضوع بأنه يعني اهتمام الإدارة الأمريكية بالقضية. وعلى الرغم من ذلك، رأى مدير الاستخبارات والبحث الأمريكي هيوز في مذكرته إلى وزير الخارجية الأمريكية راسك، في 2 شباط 1968، أن العراقيين لا يميلون – على الأقل في الوقت الحاضر – إلى منح الأمريكان أي امتياز، بسبب تراجع العلاقات بين البلدين، وقد سوغ هيوز الموقف العراقي بانه من جرّاء موقف الإدارة الأمريكية من حرب 5 حزيران، وان الحكومة الفرنسية استغلته لتطوير مصالحها الاقتصادية في العراق ودول المنطقة على حساب مصالح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. على أية حال، بعد انتشار أخبار هذه المنافسة والعروض، واشتداد النقد من قبل القوى السياسية العراقية لسياسة الحكومة العراقية في هذا المجال، فقد قررت حكومة طاهر يحيى إيقاف المحادثات مع الشركات الأجنبية فيما يتعلق باستثمار كبريت حقل المشراق، وأعلنت وزارة النفط العراقية، يومها، أنها ستقوم باستثمار الكبريت استثماراً مباشراً. وكانت الأوساط الدبلوماسية الأمريكية، قد توقعت أن تحصل فرنسا على استثمار الكبريت في حقل المشراق، خلال زيارة الرئيس عارف لباريس في 7 شباط 1968، إلا أن قرار الحكومة قد أنهى هذه التوقعات، ولاسيما بعد أن بدأت الحكومة العراقية مفاوضات مع الكويت لتشكيل شركة كويتية – عراقية لاستثمار الكبريت، ولكن هذا الاتفاق لم يوضع موضع التنفيذ، على الأقل خلال الإطار الزمني لهذه الدراسة. على أية حال، عد الرئيس عبد الرحمن عارف، فيما بعد، أن عدم حصول الأمريكان على امتياز كبريت المشراق، قد دفع الشركات الأمريكية الى التصادم مع نظام حكمه، بمعنى آخر، وبحسب توصيف فيبي مار، فإن الأمريكيين “قد تآمروا على إسقاط نظام حكم الرئيس عبد الرحمن عارف”. ومهما يكن من أمر، فإن الإدارة الأمريكية، قد ركزت جهودها، كما يبدو خلال هذه المرحلة، على تنمية علاقاتها الاقتصادية مع العراق في التبادل التجاري الذي شهد تطوراً واضحاً، ولا سيما قبل تراجع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد قيام حرب 5 حزيران 1967.
رابعاً: التبادل التجاري بين واشنطن وبغداد
اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة اقتصادية، كانت قائمة في جوهرها على أساس تزايد تغلغلها الاقتصادي في العراق، من خلال البحث عن أسواق لتصريف بضائعها، واستيراد المواد الأولية التي تدخل في صميم الصناعات الأمريكية، الحقيقة التي استندت الى تخطيط أمريكي مفاده سعي واشنطن الى تطور التبادل التجاري على أساس أنه سيكون الأداة التي تضمن امتداد نفوذها السياسي في العراق، وكان هدف واضعيه استغلال حاجات العراق الملحة الى أقصى حد ممكن. والأمر المهم في هذا السياق وجود رغبة واضحة لدى المعنيين في الحكومة العراقية في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف لتطوير علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد جاءت هذه المساعي في جو ملائم، ولا سيما بعد ان حددت الحكومة العراقية في عهدها الجمهوري، سياستها التجارية بالتعاون مع جميع الدول ومن دون تمييز، وبغض النظر عن أنظمتها السياسية والاقتصادية، لتحسين مستوى المعيشة للشعب العراقي، ولبناء التنمية الاقتصادية على النحو الذي ورد في منهاج وزارة عبد الرحمن البزاز الثانية. وانطلاقاً من تلك السياسة، دعت صحيفة “الجمهورية” الناطقة باسم الحكومة العراقية آنذاك في عددها الصادر يوم 15 مايس 1966، في مقال افتتاحي لها وتحت عنوان “تجارة العراق الخارجية وأساليب تنظيمها وتطويرها”، الى تنظيم سياسة الاستيراد والصادرات للمحافظة على النقد الأجنبي وحماية الصناعة المحلية، وعلى الأسس الآتية:
1- تنويع الصادرات العراقية عن طريق إعادة النظر في تشكيل هذه الصادرات في الحقل والمصنع، وعدم الاعتماد على الصادرات الزراعية فقط، ولا سيما الحيوانية والنباتية.
2- توزيع الصادرات العراقية على الكتل والبلدان الأخرى التي يتعامل معها العراق وإيجاد ترابط بين المستوردات وبينها، عندما تقتضي الضرورة لذلك.
3- إعادة النظر بالاتفاقيات التجارية بين العراق والبلدان الأخرى، وتوسيع هذه الاتفاقيات مع بلدان أخرى.
4- البحث عن أسواق جديدة لتصريف صادرات العراق، في ضوء الإحصاءات التي أصدرتها الأمم المتحدة، والتي أكدت أن الإنتاج العالمي دون حاجات المستهلك.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة