الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
عام 1967 قدمت أميركا قرضا رفضه العراق باعتباره مساسا بالسيادة الوطنية
شكلت الاستثمارات أحد الأساليب الرئيسة الأخرى للتغلغل الاقتصادي الأمريكي في العراق
فِي مطلع عام 1967 قدمت إحدى المؤسسات المصرفية الأمريكية عرضاً مغرياً تضمن قرضاً مالياً مقداره 150 مليون دولار عن طريق وسيط لبناني هو جوزيف صعب، الذي أبدى استعداده لتسهيل ترويج القرض الأمريكي، إلا أن الحكومة العراقية، وكما أشارت الوثائق العراقية الرسمية، رفضت العرض الأمريكي، لأنها عدته “مساساً بالسيادة الوطنية”، فضلاً عن كون العرض قدم عن طريق وسيط لبناني، الذي من المحتمل “أن يكون أضاف مبلغاً إضافياً لحسابه الخاص” كفائدة عند ثبوت حصول العراق على القرض الأمريكي. وعلى الرغم من رفض الحكومة العراقية للقرض الأمريكي المذكور، أمل الرئيس عارف في أن تستمر الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المساعدات للعراق، في مجال الخبرات العلمية والفنية إذ رأى عارف أن “استجابة واشنطن لاحتياجات العراق ستساعده على الاستمرار بدحر القوى الشيوعية” وشدد خلال لقائه السفير سترونغ في 6 نيسان 1967، على أن هدف حكومته هو تطوير العراق إلى الحد الذي يمكن لشعبه أن يحظى بالكرامة والوظائف وأمور أفضل وبعض المال يدخره المواطن العراقي وأنه “سيسعى لتوفير المال من أجل استقرار العراق وتطوره”. من جانبه أشاد السفير سترونغ، بدور الرئيس عارف في تطوير العراق، وأكد له أن “حكومته مستمرة ضمن الوسائل المتاحة لها بتقديم المساعدات الأمريكية”. عموماً سعت الحكومة العراقية للإفادة من علاقاتها الدبلوماسية الحسنة مع واشنطن حتى قيام حرب 5 حزيران 1967، للحصول على مساعدات أمريكية (قروض – منح) من أجل بناء أسس التنمية الاقتصادية العراقية. بالمقابل، أبدت الإدارة الأمريكية رغبتها بتقديم المساعدات الاقتصادية للعراق من أجل تعزيز مواقفها ومصالحها في العراق، بما في ذلك زيادة استثماراتها المالية في المجالين النفطي والصناعي العراقيين.
ثالثاً: الاستثمارات الأمريكية في العراق
شكلت الاستثمارات أحد الأساليب الرئيسة الأخرى للتغلغل الاقتصادي الأمريكي في العراق، واتخذت أشكالاً متعددة، منها الاستثمارات في المجال النفطي، التي سبقت الإشارة إليها في المبحث السابق، وكذلك في المجال الصناعي والزراعي وإنشاء الشركات المساهمة، من أجل المحافظة على مصالحها الاقتصادية في العراق التي يعود تاريخها الى العهد الملكي. وقد وظفت واشنطن ذلك كله، مستفيدة من السياسة الاقتصادية للحكومة العراقية في تلك الحقبة، التي اتسمت بقدر من الانفتاح من اجل جلب الاستثمارات الأجنبية الى العراق. ولغرض ضمان استثمار الرساميل الأمريكية في العراق، قدمت الإدارة الأمريكية عن طريق سفيرها في بغداد سترونغ، مشروع مسودة اتفاقية مع الحكومة العراقية لضمان رؤوس الأموال الأمريكية العاملة في العراق، إذ رأت أن مثل هذه الاتفاقية “تبعث بالاطمئنان في نفوس المستثمرين الأمريكيين” وغيرهم، وتضمنت مسودة الاتفاقية التي عرضت على مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 24 نيسان 1966 “اعتراف الحكومة العراقية مسبقاً على تقديم مثل هذه الضمانات للشركات العاملة في الحقول التي توافق الحكومة العراقية على العمل فيها”، وبناء على ذلك حصلت موافقة مجلس الوزراء في الجلسة نفسها، على تشكيل لجنة مختصة، ضمت وزراء الخارجية والبلديات والأشغال والمالية والإصلاح الزراعي والتخطيط لدراسة مسودة الاتفاقية، وعرضها، فيما بعد، على المجلس من أجل المصادقة عليها. ويفسر مثل ذلك الواقع نشاط السفير الأمريكي في بغداد سترونغ ولقاءه وزير الصناعة صادق جلال، برفقة المستشار التجاري في السفارة في 17 مايس 1966 وقد شددت صحيفة “الجمهورية” على أن الزيارة ودية ومثمرة، وجرى خلال اللقاء مناقشة العلاقات بين البلدين، وأساليب تطويرها في المجالات الاقتصادية والصناعية. وفي السياق نفسه التقى السفير سترونغ في 18 آب 1966 رئيس الوزراء العراقي ناجي طالب كما أشارت إلى ذلك برقية السفير الأمريكي من بغداد إلى وزارة الخارجية الأمريكية في 19 آب 1966، إذ أعلم السفير سترونغ خلال اللقاء، رئيس الوزراء العراقي، بـ”قلق حكومته من فقدان التقدم في المفاوضات مع الحكومة العراقية فيما يتعلق بديون مقاولين أمريكيين سابقين عملوا في العراق”. والملاحظ هنا أن الأمر لم يؤثر على نشاط السفير سترونغ، إذ التقى السفير سترونغ وزير التخطيط محمد يعقوب السعيدي في 29 آب 1966، وجرى خلال اللقاء الحديث عن تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بحسب ما اوردته صحيفة “الجمهورية” آنذاك. في غضون ذلك علم المكتب الإقليمي العراقي للمقاطعة “مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل”، أن شركة “كوكو كولا” الأمريكية رغبت بمنح امتياز شركتها إلى إسرائيل، وعليه أرسل المكتب إنذاراً للشركة من اجل إلغاء الامتياز، وبعكسه فإن المكتب سيضع اسم الشركة في قائمة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، الأمر الذي دفع نائب رئيس الشركة الأمريكية هوبرس للقدوم إلى بغداد بغية إيضاح الأمر وتقديم الوثائق التي تبرئ الشركة من إعطاء الامتياز لأحد الأشخاص الأمريكيين لتعبئة المشروب في إسرائيل. وفي إطار الاهتمام المتزايد من السفارة الأمريكية في بغداد بالتطورات الاقتصادية في العراق، ومنها الاستثمارات الأمريكية، أعلم السفير سترونغ وزارة خارجية بلاده في 30 تشرين الثاني 1966، أنه تحدث في لقائه مع الرئيس عارف في 29 تشرين الثاني، بشأن وجود مجالات متنوعة لتعاون أمريكي في تطوير العراق وذلك بتشجيع شركات أمريكية ذات سمعة حسنة للبحث عن عقود في العراق، فضلاً عن دخول الشركات الأمريكية نفسها في مشاريع مشتركة مع الحكومة العراقية، مثل استثمار الكبريت، وإنشاء مجمع “المركبات والإطارات” ولكن والكلام لسترونغ “ان عدم توقيع اتفاقية لضمان استثمار رؤوس الأموال الأمريكية”، يعد عائقاً خطيراً بوجه عمل الشركات الأمريكية في العراق، وأشار السفير إلى أن الرئيس عارف فهم قصده لكنه “تجنب الالتزام أو التعهد بذلك”..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة