الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة الثانية والأخيرة : عبد الرحمن عارف رئيس عراقي غادر التاريخ بهدوء

الحلقة الثانية والأخيرة : عبد الرحمن عارف رئيس عراقي غادر التاريخ بهدوء

د. سيّار الجميل                                                                                                             

 

قاسم والعارفيان وآخرون

عاشَ عبد الرحمن عارف حياته ضابطا ليست له مؤهلات عليا أو لامعة في القيادة، ولكنه كان في منتهى التواضع لا السذاجة، وقد سمعت عنه من اقرب الناس اليه ان لا يهتم بمأكله كثيرا.. كانت وجبته الاساسية قطعة لحم مطبوخ يلفها برغيف خبز ويأكلها، ويتلوها بكأس من الشاي العراقي الثقيل.. كان لا يهتم بمظاهر الفخفخة والتظاهر والعجرفة والاستعراضات الفارغة.. وهذا ما وجدته فيه عندا التقيت به عندما كان منفيا خارج السلطة.. كان زميلا للزعيم عبد الكريم قاسم (ولد عام 1914) ايام الكلية العسكرية وربما سبقه قاسم بدورة او اثنتين فكان آمرا عليه.. وكثيرا ما كان قاسم ـ رحمه الله ـ يدّبر له المقالب البريئة، وخصوصا عندما قصّر بنطاله وخاطه فخرج عبد الرحمن صباحا ببنطال قصير!. والكل يدرك الفروق الكبيرة بين اخوين ضابطين عراقيين، اذ ان بينه وبين اخيه عبد السلام مسافات واسعة في شخصية كل واحد منهما ولكنهما يشتركان بمزية واحدة هي نزاهة اليد، فقد دخل كلاهما قيادة العراق وخرجا منها من دون ان يملكا شيئا الا راتبهما التقاعدي.. ولكنها صفة غير استثنائية ايضا في حياتهما، اذ ان كل القادة والزعماء العراقيين السابقين كانوا يقدسون جميعهم المال العام للبلاد وحتى اولئك الذين اتهموا بالاختلاسات الكبرى ملوكا وامراء وقادة وزعماء ورؤساء حكومات لم يعرف عنهم انهم نهبوا العراق او اعتدوا على المال العام، والكل كان يسمع بما اشيع عن طاهر يحي ـ رحمه الله ـ كونه (حرامي بغداد) كذا، واذا به يرحل وهو لا يملك غير بيته!!.. كان عبد الرحمن قد وقع تحت تأثير عبد السلام منذ عهد بعيد، اذ كان للاخير شخصية قوية ومسيطرة، ويقال ان اشتراكه في التخطيط للانقلاب العسكري على العهد الملكي كان بالاسم فقط في بداية الامر، ولكن وجد نفسه ينساق مع مصير كل من اخيه عبد السلام وصديقه عبد الكريم!.

سابقة عراقية: أخ يرث الحكم الجمهوري من أخيه!

ليس غريبا على العراقيين ان يرث الابن اباه والاخ اخاه في اي سلطة اجتماعية.. ولكن ان يرث الاخ الحكم عن أخيه في حكم جمهوري جديد، فهذه سابقة خطيرة تسجل على العراق.. كما سجل العراقيون اول انقلاب عسكري في تاريخ المنطقة عام 1936! وليكن معلوما بأن تنصيب عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية العراقية لم يكن شرعيا او انه اكتسب الارادة الشعبية من خلال اية انتخابات عامة وبنفس السيناريو الذي حدث في مصر على عهدي كل محمد نجيب وجمال عبد الناصر.. لقد نصّب البعثيون عبد السلام عارف رئيسا ومنحوه رتبة مشير ركن في انقلابهم الدموي الشهير ضد الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1963 وقيامهم باعدام عبد الكريم قاسم.. ولما قتل عبد السلام في حادث غامض لم تكشف اسراره حتى اليوم اذ انفجرت طائرته الهيلوكبتر قرب البصرة عام 1966.. ولم يكد يذاع خبر مصرع عبد السلام عارف، في حادث الطائرة المروحية، حتى بدأ الصراع على قمة السلطة، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين، عسكرية ومدنية.. والعسكريون كانوا ممسكين بزمام القوة، حيث يسيطرون على كل المراكز الأساسية في الجيش،وقد وقفت هذه الجبهة الي جانب اللواء عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، وكان بمنصب وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالاضافة الي قيادة الفرقة العسكرية الخامسة المدرعة. اما الجبهة الثانية فكانت مدنية تتمثل برئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز. وبموجب الدستور فإن انتخاب رئيس الجمهورية، في حالة شغور المنصب، يتمّ من قبل مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة. وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل، في 16 نيسان / ابريل 1966، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد طُرحت في الاجتماع ثلاثة أسماء: اللواء عبد الرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، وقائد الفرقة الخامسة المدرعة. والدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء، واللواء الركن عبد العزيز العقيلي، قائد الفرقة العسكرية الأولى وزير الدفاع. وفي دورة الاقتراع الأولي، حصل البزاز على 14 صوتاً، من مجموع 28 صوتاً، فيما حصل عبد الرحمن عارف على 13 صوتاً، ونال عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط (بمعنى ان الجميع لم يقبل به)، وكان الضباط المصوتين لعبد الرحمن عارف 11 ضابطاً من مجموع 12 باستثناء العقيلي، فيما صوت 14 من الوزراء للبزاز، وعضوان لعارف. ولكون أن أحداً لم يفز بأغلبية الثلثين، بموجب الدستور فقد جرت دورة ثانية، كان فيها تأثير الضباط حاسماً، فقد أصروا على انتخاب عبد الرحمن عارف مهما كان الثمن، رافضين قبول تولي البزاز رئاسة الجمهورية، مما اضطر البزاز الى سحب ترشيحه تحت ضغط العسكريين لصالح عبد الرحمن عارف، فقد كانت القوى المسيطرة على الجيش، وخاصة عدد من أقرباء عارف، وفي المقدمة منهم (سعيد صليبي) رجل النظام العارفي القوي، لها القول الفصل في عملية الانتخاب، كما أن عبد الناصر، والناصريين، وقفوا الى جانب عبد الرحمن عارف، ضد البزاز، بسبب كره عبد الناصر للبزاز، وكان مشروع عبد الحكيم عامر الذي وصل بغداد مبعوثا من عبد الناصر بعد وفاة عبد السلام بساعات، ان يتولى السلطة عارف عبد الرزاق، فلم تفلح جهوده فآثروا عبد الرحمن عارف.

 

مصر وامتداد الحكم العارفي

ولقد سجلت وانتقدت معلومات تاريخية كتبها امين هويدي السفير المصري ببغداد وقت ذاك حول دور الرئيس جمال عبد الناصر في تنصيب عبد الرحمن عارف، واستهزاء كل من عبد المجيد فريد وامين هويدي بعبد الرحمن عارف عندما كانا ضمن المستقبلين في مطار المثنى قادما من الاتحاد السوفييتي، وهما يبلغانه في السيارة بانه سيكون رئيسا للعراق قبل ان ينعقد اي اجتماع لاختيار الرئيس، وكيف تهكما عليه وعلى مشاعره (راجع: الرهانات المستحيلة). هذا بالاضافة الى أن عبد الرحمن عارف، كما وصفوه، يتسم بالضعف، وعدم القدرة على إدارة شؤون البلاد، وقلة طموحه، جعل الجميع يرضخون لانتخاب عارف، ويفضلونه على أي مرشح آخر، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره على مراكزهم في السلطة. وهكذا تولى عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة، وكان نظام عبد الرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبد السلام وبقي محور النظام يستند على الحرس الجمهوري. ويقول مراقبون انه ساد العراق في عهده تصارع الأجنحة، المدنية منها والعسكرية، فلم يكن العسكريون راضين على وجود البزاز رئيساً للوزارة، واضطر البزاز في آخر الأمر الى تقديم استقالة حكومته تحت ضغط العسكريين.

 

الرئيس الذي دعوه بالحمل الوديع

عرف عن بعض العراقيين انهم ان لم يرضوا سياسيا على شخص معين نعتوه بصفة سيئة او ساخرة، وان وقفوا ضد جماعة معينة اطلقوا عليها كل المنكرات.. كنت اسمع بأذني كيف يسمّون عبد السلام عارف بـ(حجي مشن) وطاهر يحي يلقبونه بـ(سفن أب) وعبد الرحمن عارف بـ(الخروف) (كذا).. الخ كان عبد الرحمن عارف يحب كل الناس ولم اسمع ابدا انه كره احدا، او كان له موقف من احد، بل ولم تكن له اي نزعة طائفية او شوفينية بل يبدو انه قد تشّرب بالروح العراقية ولكنها مشوبة بفكرة قومية ودينية بحكم تكوينه واصوله وتربيته ابان الثلاثينيات التي شهدت ايام غازي الاول موجة قومية عارمة في العراق.. كان يصدّق القول من دون ان يشك ابدا في اي من الذين يعمل معهم او الذين يقودهم.. بل يقال ان احمد حسن البكر الذي كان يتردد على مكتبه في القصر دوما برفقة محمود شيت خطاب يخبره بكل صغيرة وكبيرة وفي كل مرة يطلعه على اي مؤامرة ويخدعه لحين ضرب ضربته بالاستيلاء على السلطة، ويقال ان عارف استدعى البكر يوما بعد سماعه بتدبير انقلاب بعثي ضده، فوبخه كثيرا، فما كان من البكر الا ان اقسم اغلظ الايمان باخلاصه له وانكر التهمة الموجهة اليه.. ومضت الايام، ونجح البكر بالتآمر مع اخلص الضباط العارفيين وفي مقدمتهم: ابراهيم الداوود وعبد الرزاق النايف وفاروق عمر.. وتلك كانت واحدة من مثالب عبد الرحمن عارف انه بحسن نيته وتصديقه هذا وذاك ضيّع السلطة من بين يديه.. ان من صدّق بهم خانوه، وان من اعتمد عليهم غدروا به.. وان من وثق بعهودهم انقلبوا عليه.. لم يدرك كيفية حكم العراق، وان لا سبيل لتقدمه وازدهاره الا منح الحقوق لكل مواطنيه باساليب مدنية.. وقف في العام 1967 وقفة عراقية مشرّفة، وانني اذكر حتى اليوم كما يتذكر غيري كيف انتقده العراقيون وهو يودّع قطعات الجيش العراقي بتوصيتهم الا يقطعوا شجرة، ولا يقتلوا طفلا أو شيخا! وقد اثارت توصياته تلك تهكم العراقيين عليه خصوصا وان الحرب الحديثة لا تعرف الرأفة ابدا!.

 

وأخيرا.. كلمة للتاريخ!

هذا ما احببت ان اسجله في هذه المناسبة من معلومات وافكار عن الرئيس الراحل عبد الرحمن عارف.. الذي اوصله القدر الى حكم العراق ولم يستطع البقاء في السلطة كونه لا يصلح اساسا للحكم بهكذا قياسات واساليب وحسن نوايا، وخصوصا للعراق الذي يعد من البلدان الصعبة.. لقد غادر هذا الرجل التاريخ منذ ان سّلم مقاليد العراق الى البعثيين فجر يوم 17 تموز/ يوليو 1968.. ولن يترك اية بصمات تاريخية حقيقية في تغيير العراق.. كما ولم يستطع ان يفرض هيمنته على القادة من العسكريين العراقيين الكبار الذين كانوا يسيطرون على مراكز القوى، وجّلهم من بني جلدته، ولعل من افظع ما يحزن الانسان ان يخونه اقرب المقربين اليه.. كما ولم يستطع ان يحّول نمط الحكم الى الحياة المدنية وبناء المؤسسات.. وبالرغم من مسالمته ووطنيته، الا ان مغادرته التاريخ جعل العراق كله يسلك تاريخا من نوع آخر نعيش كل كوارثه واهواله هذه الايام.. رحم الله عبد الرحمن عارف، فلقد دخل التاريخ وخرج منه من دون ارادته!.

?>