الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
رئيس الوزراء ناجي دعا في لقائه مع السفير سترونغ إلى ضرورة التجاوب مع حاجات العراق لتقديم المساعدات له
أميركا كانت تعرف أن تقوية اقتصاد العراق يجعله قادرا على الإسهام في الحفاظ على المصالح الأمريكية الأمنية في دول المنطقة
أن قيمةَ استيراد الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العراقي، طرأ عليها تغيير ملموس للعامين 1967 و 1968، إذ انخفضت كميات النفط المستوردة في العامين المذكورين، بسبب القرارات التي اتخذتها الحكومة العراقية بعد نشوب حرب 5 حزيران 1967، وتراجع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبغداد، وينطبق الشيء نفسه على المساعدات الاقتصادية الأمريكية للعراق خلال المرحلة نفسها.
ثانياً: المساعدات الأمريكية للعراق
شكلت المساعدات التي قدمتها الإدارة الأمريكية لدول المنطقة، ومنها العراق، إحدى الوسائل المهمة لربط عجلة الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الأمريكي، التي كانت تقدم أساساً إلى الأنظمة السياسية التي تتناسب مع أهدافها التجارية. وكانت توجهات الدوائر الأمريكية في واشنطن، ترى أن تقوية اقتصاد العراق يجعلها قادرة على الإسهام في الحفاظ على المصالح الأمريكية الأمنية في دول المنطقة بعامة. ضد الخطر “الشيوعي” المزعوم. ويتضح من خلال برقية السفير سترونغ الى وزارة الخارجية الأمريكية في 19 آب 1966، رغبة الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم المساعدات للعراق. فلقد ورد في برقيته ما نصه “إن الإدارة الأمريكية مستعدة للعمل مع الحكومة العراقية الحالية، كما هو الحال مع الحكومات العراقية السابقة، سعياً وراء هدف أساسي لعراق مزدهر ومستقر”. ومن جانب آخر، دعا رئيس الوزراء العراقي ناجي طالب في لقائه مع السفير سترونغ، كما ورد في برقيته المذكورة ، الإدارة الأمريكية الى ضرورة التجاوب مع حاجات العراق لتقديم المساعدات له ، لإثبات حسن نية واشنطن تجاه العراق ، وبعكسه فإن حكومة العراق قد تطلبها من الاتحاد السوفيتي” صديق العراق الذي بحاجة فعلية الى مساعدة سوفيتية. في ذلك الحين اتضحت للحكومة العراقية حاجة البلاد إلى المساعدات الاقتصادية الخارجية ، بسبب الأزمة المالية التي عانت منها ، وبناء على ذلك شكلت لجنة وزارية من وزراء المالية والاقتصاد والصناعة والتخطيط ومحافظ البنك المركزي، لدراسة التقرير الذي قدمته وزارة المالية “حول الأوضاع الاقتصادية في العراق” في 13 آب 1966، وانطوى التقرير على حلول جذرية في كيفية معالجة تردي الأوضاع الاقتصادية في العراق. ويتضح من خلال الوثائق العراقية غير المنشورة، أن اللجنة قررت تقليل مصروفات الحكومة العراقية في أمور متعددة من اجل تعزيز الاقتصاد العراقي. كرر وزير الخارجية العراقية عدنان الباجه جي رغبة الحكومة العراقية في الحصول على المساعدات الأمريكية، في لقائه وزير الخارجية الأمريكية، راسك، في نيويورك في 5 تشرين الأول 1966، عندما أوضح للوزير الأمريكي، أن “الإدارة الأمريكية تستطيع أن تقدم مساعدات سخية من أجل إعادة الإعمار في شمال العراق”. وفي إطار التوجُّهات الجديدة للسياسة الأمريكية، نبهت الدوائر الرسمية الأمريكية في واشنطن، الإدارة الأمريكية في تشرين الثاني 1966، إلى أن “ميول الحكومة العراقية لبرنامج مساعدات سوفيتية سيعطي السوفيت نفوذاً أو تأثيراً لدى الحكومة العراقية نفسها”، وأن المسؤولين العراقيين قد اتخذوا من المساعدات الاقتصادية السوفيتية قوة موازنة أمام المساعدات التي قدمتها الإدارة الأمريكية للعراق، وعليه اقترحت الأوساط نفسها على الإدارة الأمريكية ضرورة استغلال “رغبة الحكومة العراقية للحفاظ على الهوية العراقية الوطنية، وتفاديها بالاعتماد على مساعدات سوفيتية”، وذلك بتقديم مساعدات إغاثة للحكومة العراقية من أجل إعادة إعمار المناطق الشمالية في شكل غذاء فائض، وستكون تلك المساعدات وغيرها احدى العوامل المهمة للمحافظة على علاقات “ودية وصحيحة” مع الحكومة العراقية. هذه الأمور، وغيرها، تفسر عرض بنك التصدير والاستيراد الأمريكي المرسل إلى مجلس إدارة المصرف الصناعي العراقي في 15 تشرين الثاني 1966، الذي تضمن تقديم قرض مالي للمصرف، والذي وافق عليه من حيث المبدأ، وأعلم البنك الأمريكي بأنه بصدد دراسة مقترحاته واستشارة وزارة الصناعة بالأمر للبت بالموضوع. تشير إحدى الوثائق الأمريكية المنشورة، إلى ان الحكومة العراقية قبلت من حيث المبدأ المساعدات الاقتصادية الأمريكية المتعلقة ببرنامج الغذاء من اجل إعمار المناطق الشمالية. فقد أبدى الرئيس عارف في لقائه مع السفير سترونغ في 29 تشرين الثاني 1966، ارتياحه من موافقة الإدارة الأمريكية على استمرار تقديم المساعدات من اجل إعادة إعمار المناطق الشمالية في العراق . وفي اللقاء نفسه، طلب الرئيس عارف أيضاً “مساعدات مالية أمريكية لسدّيْ الفرات وأسكي موصل”، إلا أن السفير سترونغ أوضح للرئيس عارف أن “حكومته تولي اهتماماً في الوقت المناسب بتقديم المساعدات إلى سد أسكي موصل، ضمن عروض أمريكية خاصة لهذا الغرض، وأنها غير مهتمة في الوقت الحاضر بسد الفرات، الأقل اهمية”، – من وجهة نظره – ودعا السفير سترونغ الرئيس العراقي لتقديم “مقترحات عراقية وبكفالة مؤسسات مالية عراقية محكمة” لتمويل سد الموصل. وفي موضوع آخر اقترح السفير سترونغ تقديم مساعدات أمريكية في المجال الزراعي، وذلك بتدريب فنيين عراقيين في الولايات المتحدة الأمريكية. وينبغي القول إن الحكومة العراقية وافقت على دعوة شركة اليس جلموس (A . Jalmos co.) الأمريكية لايفاد مدير عام المكائن والآلات الزراعية حسام الدين يونس، للتدريب والإطلاع على المنشآت والخبرة الأمريكية في مجال الزراعة لمدة ثلاثة أسابيع، كما أشارت إلى ذلك إحدى الوثائق العراقية الرسمية. ومما يذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية قدمت مساعدات مالية بلغ مقدارها قرابة 71 مليون دولار أمريكي ضمن اتفاقية ” فائض السلع الأمريكية”. وعد أحد الباحثين العراقيين المختصين، يومها بأن غاية واشنطن من تلك المساعدات فرض نفسها على الأسواق العراقية، على حد تعبيره.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة