الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
السفير الأميركي تابع تصريحات رئيس الوزراء طاهر يحيى عند زيارته للكويت حينما شدد على أن (علاقات بلاده مع فرنسا جيدة)
لماذا أولت السفارة الأميركية اهتماما خاصا بزيارة عبد الرحمن عارف إلى باريس؟
وتأسيساً على ما تقدم، علق السفير الأمريكي ولينر، كما ورد في برقيته المؤرخة في 1 كانون الثاني 1968، الى وزارة الخارجية الأمريكية بالآتي: “سواء أكانت زيارة عارف سوف تنتج عقوداً بشأن النفط أو بعكسه، فإن وفداً من موظفي شركة سي. أف. بي، موجود الآن في بغداد، ويفترض أنه يعمل على الموضوع بقوة، وأن وصف ليبل تقديم مساعدات فرنسية للشركة العراقية أمر مستبعد، لأن الشركة الفرنسية تتباحث لحسابها وليس كغطاء للشركة العراقية، وهي تهدف الى القيام بشيء مع العراق، بعد عقد اتفاقية معه بشأن حقل الرميلة الشمالي”. وبالمستوى نفسه، تابعت السفارة الأمريكية في الكويت، تصريحات رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى عند زيارته للكويت في كانون الثاني 1968، فقد شدد على أن “علاقات بلاده مع فرنسا جيدة، وأن احتجاجات الشركات الأجنبية المستثمرة للنفط العراقي حول امتيازات النفط الجديدة، قد رفضت من قبل الحكومة العراقية. استأثر موضوع النفط العراقي باهتمام الدوائر الاستخبارية الأمريكية التي انتابها قلق حقيقي بشأن مستقبل ذلك النفط، عندما غدت الحكومة العراقية على مقربة من توقيع عقد اتفاقية نفط مع شركة ايراب الفرنسية. ويبدو هذا الأمر في غاية الوضوح من مضمون مذكرة أرسلها مدير الاستخبارات والبحث توماس هيوز (T. Hughes) الى وزير الخارجية راسك في 2 شباط 1968. فقبيل زيارة الرئيس عارف الى باريس بأيام قليلة كتب هيوز مقالاً تحت عنوان “هل إن زيارة عارف الى باريس مقدمة لاتفاقية النفط مقابل السلاح؟”. بيَّن فيه أن أحد أهداف الحكومة الفرنسية بعد حرب 5 حزيران، توثيق العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع الدول العربية بعامة، والعراق تحديداً، وأرجع هيوز أسباب اهتمام الحكومات الفرنسية المتعاقبة بدول المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل “زيادة النفوذ الفرنسي في المنطقة” في أكبر عدد ممكن من الدول العربية، ولا سيما بعد “موقف الرئيس تشالز ديغول (Charles De Gaulle) ( 1890-1970). المؤيد لحقوق العرب منذ 5 حزيران 1967، وقد انعكس هذا الموقف الفرنسي بقوة على تطور العلاقات مع الدول العربية، على حساب تراجع علاقات الدول العربية، ومنها العراق تحديداً، مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. أوضح هيوز في المذكرة نفسها، أن “المصالح الاحتكارية والتجارية هي المنافع المباشرة التي تبتغيها فرنسا “من علاقاتها مع العراق، ولا سيما تحقيق استثمارات جديدة في قطاع النفط، في ضوء المباحثات التي استمرت لمدة شهر بين باريس وبغداد، وأن زيارة عارف المرتقبة لفرنسا ستضع النقاط على الحروف، وربما “تمنح مؤشراً على درجة نجاح سياسات فرنسا الجديدة تجاه العراق”. على الرغم من أنها أولت العراق اهتماماً قليلاً في العقود الأخيرة. وشدد هيوز على ان الحكومة الفرنسية ستسعى خلال زيارة عارف الى ضمان توقيع اتفاقية بين شركة ايراب وشركة النفط الوطنية العراقية، لتطوير مناطق نفطية غير مكتشفة في العراق، في حين تحاول شركة سي. أف. بي، التي تملك الحكومة الفرنسية حصة قليلة فيها، وهي جزء من شركة نفط العراق، التفاوض بشأن صفقة مستقلة مع الحكومة العراقية لاستثمار النفط في حقل الرميلة الشمالية، وفي حال تحقيق ذلك، فإنها بذلك “كسرت النظام مع شركائها في شركة نفط العراق”. وتوقع هيوز أن يحصل “الفرنسيون على امتياز استثمار النفط في حقل الرميلة الشمالي”، لأن “الحكومة العراقية من وجهة نظرها ترى أن فرنسا الشريك المثالي لها” بسبب حاجتها للموارد المالية من تصدير النفط، وكذلك مرونة الفرنسيين في مباحثاتهم بشأن عقد الاتفاقية بين البلدين. صحت توقعات الاستخبارات الأمريكية، بشأن اتفاقية العراق مع شركة ايراب الفرنسية. فقد عقدت شركة النفط الوطنية – اتفاقية “عقد شراكة” مع شركة إيراب في 3 شباط 1968 وانعكس توقيع الاتفاقية على السفارة الأمريكية في بيروت، التي أعلمت وزارة الخارجية الأمريكية في برقيتها المؤرخة في 5 شباط 1968، بأن الحكومة العراقية قد صادقت على الاتفاقية المعقودة بين شركة النفط الوطنية العراقية وشركة ايراب في 4 شباط 1968، ضمن الأسس التي تم الاتفاق عليها سابقاً. بعد مرور ثلاثة أيام على تصديق الحكومة العراقية للاتفاقية، وصل الرئيس عبد الرحمن عارف إلى باريس، أي في يوم 7 شباط 1968، وقد أولت السفارة الأمريكية في باريس اهتماماً خاصاً بها. ونقلت تفاصيل جدول أعمالها والنتائج التي توصل إليها الطرفان الفرنسي والعراقي. فقد اشارت برقية السفارة إلى وزارة الخارجية الامريكية في 12 شباط 1968، إلى ان “الزيارة سادها جو ودي جداً”، وأبدى الرئيسان ديغول وعارف رغبتهما المشتركة في إيجاد صيغة تفاهم بينهما لتطوير الحقول النفطية العراقية، وقد شكل هذا الأمر نقطة انطلاق أمام فرنسا للتعاون الاقتصادي المشترك مع العراق في المستقبل. وفي السياق نفسه تابعت السفارة البيان الختامي الذي صدر يوم 13 شباط للزيارة وصادق عليه مجلس الوزراء الفرنسي الذي أشاد بتطور العلاقات بين باريس وبغداد، وبلوغها مستوى أعلى من المرحلة السابقة وشدد وزير الخارجية الفرنسية، في تصريح صحفي له على أن “الاتفاقية التي وقعت في بغداد قبل زيارة الرئيس عارف الى باريس، مهمة بالتأكيد، ومن الممكن ان تتقدم العلاقات في مجال النفط أكثر في حال توقيع اتفاقيات أخرى بين البلدين”. وفي الأحوال كافة، تمثل اتفاقية العراق مع شركة ايراب، وموقف الولايات المتحدة الأمريكية، منها بداية مرحلة جديدة اتسمت بخصائص جديدة، ولا سيما بعد أن أقدمت شركة النفط الوطنية على خطوة أخرى في 10 نيسان 1968، عندما قررت تنفيذ سياسة الاستثمار المباشر في حقل الرميلة الشمالي. وقد أحدث هذا القرار صدمة عميقة في الأوساط النفطية العالمية، ومنها الأمريكية التي أبدت عدم ارتياحها من القرار، كما ظهر في مجلة “بتروليوم أنتجلنس ويكلي” المتخصصة بالشؤون النفطية، التي أشارت صراحة الى أن رجال الصناعة النفطية الأمريكية فوجئوا بقرار الشركة العراقية، وفي الوقت نفسه نبهت إلى أن “الحكومة العراقية لا تعتقد بأن لديها مشكلة لتسويق النفط، وذلك بسبب العروض العديدة التي قدمت لها لشراء النفط العراقي”. على أية حال عد الرئيس عارف، فيما بعد، توقيع اتفاقية ايراب، قد دفعت الشركات النفطية للتآمر على نظام حكمه وإسقاطه في 17 تموز 1968. وأخيراً من المفيد في هذا الشأن الإشارة إلى واقع استيرادات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العراقي، التي تؤلف خطاً بياناً تنازلياً فإنها كانت على النحو المبين في الجدول الآتي في غضون المدة الممتدة بين عامي 1966 و 1968.
الجدول رقم (1)
استيرادات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العراقي بين عامي 1966 و 1968.
السنة كمية النفط المستوردة بالأطنان قيمتها بملايين الدولارات تسلسل الولايات المتحدة في قائمة صادرات العراق للنفط
1966 1511914 21.8 المرتبة 9
1967 291859 4.1 المرتبة 20
1968 131350 1.9 المرتبة 25
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة