الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
الرئيس عبد الرحمن عارف اعتبر أن شركات النفط هي إحدى القوى التي تعمل للإضرار بالعراق
فشل السفير سترونغ في إقناع الرئيس عارف بالاستجابة لمطالب شركات النفط
أعلمتِ الخارجية الأمريكية سفيرها في البرقية نفسها، بأن الوزارة ناقشت الأمر مع شركة موبايل (Mobil Co.)، وأوضحت لها أن السفير سترونغ، راغب في مناقشة المشكلة مع الرئيس عارف، وكان ردها أنها “توافق على ذلك، وتثق بالسفير سترونغ”. وفي الوقت نفسه، نبهت الخارجية الأمريكية سفيرها، في حال سنحت له الفرصة لمناقشة أية فكرة تسوية، “يتوجب عليك أن لا تعطي لعارف انطباعاً أن الشركة ستقبل بتسوية مختلفة عن تلك التي حددتها اتفاقية عام 1965″، وتأمل الوزارة من هذه المناقشة استبيان “موقف الرئيس وتفكيره، ورؤيته المستقبلية”، في هذا الموضوع تحديداً، والتأكد من أنه “يفهم الجهود التي بذلتها الشركات من أجل إيجاد تسوية ترضي الحكومة العراقية”. استجاب السفير سترونغ لتعليمات وزارته، وقابل الرئيس عارف في 6 نيسان 1967، وبحسب الوثيقة الأمريكية الرسمية التي أشارت الى هذا اللقاء، فشل السفير سترونغ في إقناع الرئيس عارف بالاستجابة لمطالب شركات النفط. والأكثر أهمية من ذلك أن الموضوع سبَّب إحراجاً غير متوقع لسفير واشنطن سترونغ، عندما عد الرئيس عبد الرحمن عارف أن “شركات النفط هي إحدى القوى التي تعمل للإضرار بالعراق، وتفضل تجاهل مصالحه، ولم تدرك أن جهودها في عدم الاستجابة لمطالب الحكومة العراقية تسهم في تدمير البلاد مع القوى الأخرى”. وهي في الوقت نفسه – والكلام للرئيس عارف – “مهتمة بزيادة أرباحها وأنه استنتج ان دوافعها تلك ترجع الى أسباب سياسية” كما أشار الى ذلك السفير سترونغ في برقيته المرقمة 1744 في 8 نيسان 1967 الى وزارة خارجية بلاده. عموماً أدى قيام حرب 5 حزيران 1967، الى تحول مفاجئ في سياسة العراق النفطية، نتيجة لضغط القوى السياسة العراقية وتأثيرها على مصدر القرار في الحكومة العراقية، التي استجابت لتأثيرات قومية، أيضاً، ولذا لا يبدو الأمر غريباً عندما اتخذت الحكومة العراقية النفط سلاحاً في المعركة ضد إسرائيل، ومن أجل تحقيق هذا التوجه أصدرت الحكومة العراقية قانون تخصيص مناطق الاستثمار لشركة النفط الوطنية رقم 97 لسنة 1967. وبذلك توسعت مسؤوليات شركة النفط الوطنية لغرض تطوير الاستثمار النفطي، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي. وكان من الطبيعي أن أحدث القانون ردَّ فعلٍ قوياً لدى الشركات التي احتجت لدى الحكومة العراقية، وهددت باتخاذ إجراءات شديدة بهذا الاتجاه، على اساس انه “يتعارض مع مبادئ القانون الدولي”، على حد تعبيرها، كما هددت، أيضاً، الأطراف التي تتعاون مع العراق لتحقيق أهداف القانون، وستسعى الى مقاضاتها أمام المحاكم الدولية. وعلى الرغم من التهديدات، آنفة الذكر، فتح القانون رقم 97 الباب على مصراعيه أمام شركات النفط الأخرى لمنافسة شركة نفط العراق، فتقدمت شركات متعددة الجنسيات، منها الأمريكية، فتقدمت شركة فيليبس وسنكر (Phillips and Snkr Co.) بطلب للحكومة العراقية للحصول على امتيازات في المناطق المهمة، ولا سيما منطقة الرميلة المعروفة باحتياطاتها الكبيرة، إلا أن الحكومة العراقية رفضت الطلب. ازداد قلق الأوساط الصحفية الأمريكية بشكل اكبر، بعد أن توصلت الحكومة العراقية مع شركة ايراب الفرنسية الى مشروع اتفاقية “اتفاق أولي” في 23 تشرين الثاني 1967، كما توصلت الحكومة العراقية مع الحكومة السوفيتية الى توقيع “رسالة نوايا” في بداية كانون الأول 1967، قدمت بموجبها الحكومة السوفيتية المساعدات التقنية لتطوير الصناعة النفطية في العراق. فقد عدت صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها الصادر في 13 كانون الأول 1967، التعاون العراقي – السوفيتي، بمثابة ناقوس الخطر لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تفقد سيطرتها على الدول المنتجة للنفط، في حين رأت صحيفة “الوول ستريت” الأمريكية في عددها الصادر في 25 كانون الثاني 1968، أن سياسة العراق النفطية الجديدة “ضربة قاصمة للمصالح الغربية في المنطقة، ولا سيما شركات النفط”. ومهما يكن من أمر الصحافة الأمريكية، أعلن الرئيس عارف في كانون الأول 1967، أن “العراق سيكون هو المتحكم في ثرواته لا الشركات، وفي هذا المجال سيكون العراق مستعداً للتعاون مع أقطار العالم كافة”، تزامن ذلك كله مع ميل الحكومة العراقية الواضح نحو عقد اتفاقية مع شركة ايراب الفرنسية، وهي الأمور التي رصدتها السفارة الأمريكية في باريس، وحاولت قدر الإمكان استيضاح الأمر من الأوساط الرسمية الفرنسية، لغرض إعلام وزارة الخارجية الأمريكية بالتوجهات الفرنسية الجديدة تجاه نفط العراق قبل زيارة الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف إلى باريس. فقد التقى السفير الأمريكي في باريس ولينر (Wilinar) مع مدير دائرة الشرق وأفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية ليبل (Leepil) في 1 كانون الثاني 1968. وقد استهل الأخير الحديث بالقول: إن بلاده ارتبطت بعلاقات طيبة مع العراق منذ تأسيس الكيان العراقي في عام 1921 مع ذلك، فإن “الفرنسيين لا يعرفون في الحقيقة ماذا يتوقعون من زيارة عارف”، بيد أن ليبل اوضح أن حكومته لديها الرغبة بتجهيز شركة النفط الوطنية العراقية ومساعدتها على استكشاف حقول “الرميلة الشمالي” التي شكلت “عقدة نفسية” للحكومة العراقية على حد تعبير ليبل، الذي توقع أن – تدخل شركة سي. أف. بي(C. F. B) ، – وهي شركة فرنسية مملوكة للحكومة الفرنسية وتدار من قبل القطاع الخاص – في منافسة مع شركات نفطية إيطالية وروسية ويابانية للحصول على حق لامتياز..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة