صلاح الحسن
حدثني زميلي (الدكتور جميل حامد الدليمي) عن سؤال طرح على مجموعة من طلاب الماجستير في احدى الجامعات من هو الأب؟ كانت الأجوبة جميلة وتقليدية، إلا جوابا واحدا استوقف المحاضر وأدمع عينيه… يقول الجواب: الأب… في صغرك تلبس حذائه فتتعثر من كبر حذائه وصغر قدمك.. تلبس نظاراته فتشعر بالعظمة.. تلبس قميصه فتشعر بالوقار والهيبة.. يخطر ببالك شيء تافه فتطلبه منه.. فيقبل منك ذلك بكل سرور ويحضره لك دون منَه.. يعود الى المنزل فيضمك الى صدره ضاحكاً وانت لا تدري كيف قضى يومه وكم عانى في ذلك اليوم في عمله.. واليوم في كبرك… انت لا تلبس حذاء ابيك، فذوقه قديم وهو لا يعجبك… تحتقر ملابسه العتيقة وأغراضه القديمة لأنها لا تروق لك… أصبح كلامه لا يلائمك وسؤاله عنك هو تدخل في شؤونك، وذلك لا يروق لك… حركاته تصيبك بالحرج.. وكلامه يشعرك بالاشمئزاز… إذا تأخرت وقلق عليك وعاتبك على التأخير حين عودتك تشعر أنه يضايقك وتتمنى لو لم يكن موجودا لتكون أكثر حرية… برغم أنه يريد الاطمئنان عليك ليس إلا.. ترفع صوتك عليه وتضايقه بردودك وكلامك.. فيسكت ليس خوفا منك بل حبا فيك وتسامحا معك..
إن مشى بقربك محدودب الظهر.. لا تمسك يده فلقد أصبحت انت أطول منه.. أنت بالأمس القريب كنت تتلعثم بالكلام وتخطئ في الحروف فيضحك مبتسما ويتقبل ذلك برحابة صدر.. وانت اليوم تتضايق من كثرة تساؤلاته واستفساراته بعد أن أصابه الصمم أو العمى لكبر سنه.. لم يتمنَ ابوك لك الموت ابدا لا في صغرك ولا في كبرك… وانت تتمنى له الموت.. فلقد ضايقك في شيخوخته وقد يضايق من معك أيضا.. تحملك ابوك.. في طفولتك.. في جهلك.. في سفهك.. في كبرك.. في دراستك. في عوزك.. في فاقتك.. في شدتك.. في رخائك.. تحملك في كل شيء.. فهل فكرت يوما ان تتحمله في شيخوخته ومرضه؟؟ أحسن اليه… فغيرك يتمنى رؤيته من جديد.. اللهم أحفظ الاحياء من آبائنا… وارحم الموتى منهم يا رب العالمين.. اللهم سامحنا ان قصرنا فيما مضى ووفقنا لبرهم فيما بقى.. عن البر أتحدث.. لا تجادل ابيك.. حتى لو كنت على حق… يا بني البر ليس مجرد قبلة تطبعها على رأس أمك، أو أبيك، أو على أيديهما، أو حتى على قدميهما، فتظن أنك بلغت غاية رضاهما! ولا أن تجعل لها كلمات في صورة واتس او فيسبوك ولا أن تسمع انشودة عن البر فتدمع عينك، ليس هذا هو البر الذي نقصد.. فما هو البر؟ البر هو: أن تستشف ما في قلب والديك، ثم تنفذه دون أن تنتظر منهما أمرا.. البر هو: أن تعلم ما يسعدهما، فتسارع إلى فعله، وتدرك ما يؤلمهما، فتجتهد ألا يرونه منك أبداً!. يا بني البر هو: أن تحرص على راحة والديك، ولو كان على حساب سعادتك، فإذا كان سهرك في الخارج يؤرقهما، فنومك مبكراً من البر بهما، حتى لو فرطت في سهرة شبابية، قد تشرح صدرك! فالبر هو: أن تفيض على والديك من مالك، ولو كانوا يملكون الملايين – دون أن تفكر – كم عندهم، وكم صرفوا وهل هم بحاجة أم لا، فكل ما أنت فيه، ما جاء الا بسهرهما، وتعبهما، وقلقهما، وجهد الليالي التي أمضوها في رعايتك! البر هو: أن تبحث عن راحتهما، فلا تسمح لهما ببذل جهد لأجلك، فيكفي ما بذلوه منذ ولادتك، الى ان بلغت هذا المبلغ من العمر! البر هو: استجلاب ضحكتهما، ولو غدوتَ في نظر نفسك مهرجاً! كثيرة هي طرق البر المؤدية الى الجنة، فلا تحصروها بقبلة، قد يعقبها الكثير من التقصير! بر الوالدين؛ ليس مناوبات وظيفية، بينك وبين إخوانك، بل مزاحمات على أبواب الجنة ان كانوا احياء او من الأموات.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة