الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الحلقة السابعة: منيف الرزّاز .. فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

الحلقة السابعة: منيف الرزّاز .. فيلسوف البعث الذي اغتاله صدام بالسم

فايز الخفاجي  

أحسستُ بأنني تلقيت ألف صفعة في دقيقة واحدة, وبدأ جسدي يرتعش، من رأسي إلى أخمص قدمي, أرتعش بقوة, جسدي يرتعش، خواطري ترتعش، المقعد الذي أجلس عليه يرتعش سألته: مؤامرة؟ لكنه يموت (غراماً) بصدام؟.

ابتسم معن وقال على طريقته الفذة في سرعة البديهة: بعرف أنه على علاقة غرام سياسي مع صدام، مش هاي المشكلة؟ المشكلة أنه صدام على علاقة (انتقام) سياسي مع الدكتور منيف.

خارت قواي دفعة واحدة ووجدتني أنتحب كطفل, أخفيت وجهي بكفي وانطلق سؤالي من بين أصابعي التي تغطي وجهي وتحجب فمي: هل (يعدمونه) مثلما أعدموا عبد الخالق السامرائي وعدنان حسين ومجموعتهما؟

قال معن بلهجة حازمة واضحة لا لبس فيها: طبعاً لا. إعدام الدكتور منيف غير وراد على الإطلاق.

سألته والدموع مالحة تنهمر وأصابعي تخفي وجهي: كيف تعرف؟

قال بلهجة الواثق: أعرف. لأنني أعرف الحزب وأعرف صدام وأعرف الأجواء في العراق. ألم أزر العراق مع (بشارة مرهج) قبل عدة أشهر؟

سكت لحظة ثم قال: مؤنس.. لازم تتماسك. لا زم ما تنهار. هذا أهم عامل في صمود د. منيف. إذا أصبت بانهيار وعرف د. منيف فسوف يوقع لهم على بياض. سوف ينهار هو أيضاً, أنا أعرف ماذا تعني له أنت بالذات.

كانت دموعي تنهمر بشكل مستمر وكنت مروعاً قد سلكت بي الصدمة كل مسلك، وذهب بي الذهول كل مذهب هتفت: سوف يعدمونه. لكن لماذا؟ كيف تفسر ما حدث؟

شبك معن أصابع يديه وجعل يهز ساقه بعصبية قال: الدكتور منيف احتج على الطريقة التي تعامل بها صدام وجماعته مع الذين سموهم متآمرين.

قلت: يعني أنت متأكد أنهم لن يعدموه.

قال: أنا متأكد مليون في المئة المهم تماسك.. الدكتور منيف لم يأخذ موقفاً حازماً يعرب فيه عن استيائه إلاّ بعد أن تأكد إنك غادرت بغداد وبت في بيروت. مؤنس.. لا تخذله.

سألته: طيب. ليش ما صار هيك مع (ميشيل عفلق)؟ ليش ميشيل عفلق ما أحتج؟ مش معقول عفلق يسكت, عفلق قال لي أن والدي أقرب إنسان إلى قلبه على وجه الأرض مش ممكن يسكت.

أعاد معن بشور نظارته إلى عينيه وقال وهو يهز رجله فتهتز المائدة قائلاً: أنت تعرف الفرق بين والدك وميشيل عفلق. د. منيف حاد، ميشيل عفلق صبور.

قلت له إنني لم أفهم شيئاً إنني شاهدت فيلم الفيديو عن المؤامرة برفقة رئيس لجنة التحقيق (نعيم حداد), ولم يذكر أحد اسم أبي لا من قريب ولا من بعيد وكان رئيس لجنة التحقيق يجلس إلى جانب والدي إذن كيف تفسر نظريتك عن سيناريو جديد إضافي وملحق لعقد صلة بين المتآمرين وأبي؟

قال معن بشور بثقة: بسيطة لما شاهدتم فيلم الفيديو لم يكن والدك قد (احتج), وبعد أن شاهد فيلم الفيديو، لم يتمالك نفسه احتج فعاقبوه صدقني أنا أعرف الناس بالدكتور منيف لا يسكت مهما بلغ الثمن بينما ميشيل عفلق يسكت إلى أن يأتي وقت مناسب فيحكي ويفضح! أبوك لا يأخذ التوقيت بعين الاعتبار.

عدت إلى بيت (أبو عرب) أتصبب عرقاً وأشعر إن حرارتي تجاوزت مليون درجة مئوية. كنت حريقاً يمشي على قدمين. هرع (أبو عرب) وسألني بلهفة: شو قال معن؟

قلت: أنه أكد لي أنهم لن يعدموه ويعتقد أن والدي عوقب لأنه احتج.

فتح أبو عرب فمه ذهولاً ثم قال: احتج.. على ماذا؟ ألم يقل لنا قبل نحو شهر واحد فقط أن (صدام عبقري) مثل (تيتو) اليوغسلافي؟

رن جرس الباب و دخل مازن الساكت قال وهو يفرك يديه: أين أبو عرب؟

تأملته واكتسحني فضول لرؤية وجهه هذا وكيف ستتغير ملامحه حين أخبره عن المكالمة الهاتفية من بغداد.

حضرنا جلسات المؤتمر في (سوق الغرب)، ولم نعلن أي نبأ لأن النبأ الذي نخفيه غامض. لكنني لم أتمالك نفسي ناديت الصديق (ذياب مخادمة) خرج من قاعة المؤتمر أخبرته بأمر المكالمة الهاتفية, كنا نتمشى في الشارع الذي يمر بتلك البلدة الجميلة. توقعت أن يجمد في مكانه ذهولاً حين يسمع النبأ. لكنه دس يديه في جيبي بنطاله وقال: لا أعتقد أن صدام يجرؤ على اتهام الدكتور منيف بل لا أعتقد بوجود مشكلة كبيرة, لكن طبيعتك تميل إلى المبالغة في ردود الفعل أعتقد في أسوأ الأحوال أن د. منيف الرزاز وصدام حسين وميشيل عفلق يجتمعون الآن لمحاولة احتواء المشكلة. وأضاف (ذياب المخادمة): لعل الدكتور هدد بالاستقالة، (وهم) يحاولون إقناعه بالعدول عنها, لذلك قال لك لا تعد حتى لا يستخدموك أداة ضغوط عليه، لا داعي للمبالغة، سحابة صيف خفيفة وتمر بسرعة. رأى مازن الساكت أن نستشير كمال الفاخوري (رئيس الوفد الأردني البعثي) الذي جئت إلى بيروت عضواً فيه, قلت لمازن أن كمال فاتر ولن يأخذ موقفاً واضحاً. قال مازن أن انطباعي الشائع هذا عن كمال غير صحيح، وأنه ذكي لكنه كتوم وممسك في آرائه واجتهاداته. احتقن وجه كمال فاخوري ما إن سمع النبأ وقال بحزم ودون تردد: ينبغي أن لا تعود معنا إلى بغداد يا مؤنس لا يعرف أحد ردود فعل القيادة العراقية على أي شيء. ثم استدرك: ألم نر فيديو المؤامرة معاً؟ لماذا لم يتطرق أحد لاسم الدكتور منيف؟ لماذا زجوه الآن في ملحق لسيناريو المؤامرة؟

ويسترسل مؤنس الرزاز: فهمت بعدها أن (منى) زوجة مازن الساكت وابنة المناضل (شاهر أبو شاحوت) سوف تأتي قريباً إلى بيروت لتضعني في تفاصيل صورة ما جرى إذ كانت تقيم في بيتنا حتى لا تبقى وحدها في الشقة، فتجد أنيساً مع أمي إلى أن أعود أنا وزوجها إلى بغداد غير أني لم أعد. لم تأت منى فكتبت ثلاث رسائل واحدة إلى (ميشيل عفلق) وثانية إلى (صدام حسين) وثالثة إلى (نعيم حداد) المسؤول عن مكتب الأردن وتنظيم الأردن، ورئيس اللجنة التي حققت بما سمي في تلك الأيام (المؤامرة)!!!. في الرسالة التي بعثتها (منى) عن طريق أحد الأصدقاء الموثوقين إلى صدام حسين، طالبت فيها بتشكيل لجنة (محايدة) لمحاكمة والدي محاكمة علنية إذا ظل صدام مصراً على التهمة الرسمية وهي الإطلاع على خبايا المؤامرة والاحتفاظ بهذه المعلومات سراً، دون اللجوء إلى القيادة القومية ونقل هذه المعلومات الخطيرة لها, واقترحت أن يشارك في لجنة التحقيق والمحاكمة بعثيون سابقون يتمتعون بالنزاهة منهم:

1- بهجت أبو غربية.

2- سليمان الحديدي.

3- محمد فارس الطراونة.

4- وليد عبد الهادي.

ثم عرضت على صدام أن يوافق علناً على إعدام والدي إذا ثبتت عليه التهمة، وستكون أول من يطلق عليه النار. ذكرت ذات الاقتراح لميشيل عفلق, أما نعيم حداد فقد كتبت له استقالتي من الحزب باعتباره المسؤول عن مكتب الأردن في القيادة القومية. أمنت وصول الرسائل بطرق مضمونة لكنني لم أسمع جواباً من أي منهم.

 

 

مشادة كلامية بين منيف الرزاز وصدام حسين تؤدي إلى اعتقاله

يواصل مؤنس الرزاز حديثه عن والده في مذكراته غير المنشورة: بقيت بانتظار منى زوجة صديقي مازن. ولست أذكر إن جاءت منى أو غيرها، لكنني أتذكر أن رسولاً جاءني من طرف والدي (لا أتذكر من) وتحدث أو تحدثت عن تفاصيل وهي: أن والدي اتصل بصدام بعد أن اطمأن إلى وصولي لبيروت، وطلب مقابلته وأنه قابله فوراً بحضور عضو سوداني من القيادة القومية, وأن والدي احتج على طريقة تعامل القيادة القومية مع قضية المؤامرة، فأعضاء القيادة القومية لم يعرفوا بتفاصيل سيناريو المؤامرة إلاّ من الصحف ثم قال والدي لصدام: حين جئت إلى بغداد بعد انتخابي أميناً عاماً مساعداً في القيادة  القومية قلت لك أنني لن أقبل القيام بدور (المستشار)، وإنني أفضل البقاء في الأردن إذا لم تمنحوني حق المشاركة في صنع القرار وقد أقنعتني حتى بروز (حادثة المؤامرة) أنني أساهم فعلاً في صنع القرار, لكن تعاملك أنت وبعض الرفاق العراقيين مع ما تسمونه (مؤامرة) جعلني أطلع على التفاصيل المعلنة من الصحف، شأني شأن أي مواطن عادي، وكان الأجدر بك أن تشركني وتشرك ميشيل عفلق على الأقل في التحقيق لكنك أبعدتنا، وهذا يعني أننا نلعب دور (المستشارين) فقط, وإذا كان ميشيل عفلق مضطراً للسكوت على هذا (التهميش) لأنه لا يستطيع العودة إلى بلده، فإني لا أجد مانعاً من تقديم استقالتي والعودة إلى الأردن, وتأكد تماماً أنني سأعود للمشاركة في (قيادة صفوف المعارضة)، وأن الملك حسين، بالرغم من ذلك، سوف يأتي إلى بيتي يزورني ويطمئن على صحتي ويرحب بعودتي سالماً.

فقد صدام أعصابه فهتف بحدة: لماذا لا تصمت كما صمت الأستاذ ميشيل؟ لماذا تتدخل في شؤون عراقية داخلية؟

رد منيف الرزاز على صدام قائلاً: أنه أمين عام مساعد في القيادة القومية وحين يتخذ قرارا بإعدام (25 كادراً متقدماً) من كوادر الحزب، فإنه لا يسمح بتجاهل وجوده, والقيادة القومية مسؤولة عن العراق شأنها شأن مسؤوليتها عن التنظيم في اليمن أو في لبنان.

 

محي عبد الحسين المشهدي يشهد زوراً على منيف الرزاز

عند ذاك ثارت ثائرة صدام وضغط على زر الجرس، فدخل الرجل الذي لعب دور الشاهد الذي يعرف تفاصيل المؤامرة كلها كما يدّعي (محي عبد الحسين) فسأله صدام وقد تجهم وجهه: هل كان الدكتور منيف على إطلاع وعلم بالمؤامرة؟

فقال محي عبد الحسين: نعم.

سأله صدام: وهل تلقى أموالاً من سورية كما فعل المتآمرون.

فرد الشاهد: لا.. عرضنا عليه ورفض.

أشار صدام للشاهد (محي عبد الحسين) فانصرف, التفت صدام إلى منيف الرزاز وقال: هل سمعت ورأيت… إذن دعنا نتفاوض بعقلانية الآن.

إلاّ أن منيف الرزاز انتفض منتصباً وقال لصدام وقد أظلم وجهه: وهل تقارن بين كلمة خسيس كهذا، وبين كلمة منيف الرزاز. لا يا رفيق، هذه لعبة لن تنطوي عليّ.

غادر الرزاز القصر الجمهوري من فوره, وما أن وصل إلى البيت حتى صرف رجال الحماية وأمر السواقين بقيادة السيارات الرسمية كلها وإعادتها للقيادة.

 

منيف الرزاز يطرد طارق عزيز وسعدون شاكر من بيته

حين عرف صدام أن منيف الرزاز لجأ إلى هذا الإجراء استدعى (طارق عزيز) وأمره أن يزور الرزاز في البيت وأن يفهم منه إذا ما كان مستعداً لحل وسط أم أنه مصمم على تصعيد الموقف. جاء (طارق عزيز) يرافقه وزير الداخلية ومدير المخابرات السابق (سعدون شاكر)، ففتحت لهما الباب زوجة الرزاز لمعة بسيسو ورحبت بهما بارتباك وأدخلتهما غرفة الضيوف, كان منيف الرزاز راقداً على سريره وقد اعتراه توتر شديد, ما إن سمع من زوجته أن (طارق عزيز وسعدون شاكر) في البيت حتى صرخ بانفعال: ليذهبا إلى الجحيم لن أقابلهما، لن أساوم قولي لهما إن استقالتي ستكون بين يدي صدام خلال ساعة, وإنني سوف أغادر العراق إلى الأردن فور إعداد الحقائب. غادر طارق عزيز وسعدون شاكر البيت, ونقلا لصدام ما قاله الرزاز. بعد أقل من ساعة، جاء رجال حماية جدد تحملهم سيارات مختلفة، وتقدم ضابط ليبلغ الرزاز أنه بات قيد (الإقامة الجبرية)، وأن زوجته وابنته الصغيرة سوف تبقيان معه، وستخصص لهما سيارة أمن خاصة تتكفل بنقلهما حيثما تشاءان أما هو فممنوع من مغادرة حديقة البيت.

 

رابعاً: موقف ميشيل عفلق من اعتقال منيف الرزاز

اتصل النجل الأكبر لمنيف الرزاز (مؤنس الرزاز) بالقيادي البعثي عبد الوهاب الكيالي في لندن فأجابه الأخير بأنه قادم إلى  بيروت بعد يومين وسيحكي في الموضوع, فرد عليه مؤنس الرزاز: لا تأت إلى بيروت من لندن مباشرة ميل على باريس، وقابل ميشيل عفلق، ينبغي أن ألتقي به، وأن أفهم منه سبب اعتقال والدي. وصل عبد الوهاب الكيالي إلى بيروت فالتقى بمؤنس وتعانقا وقد اغرورقت عينا الكيالي بالدموع  قائلاً: مررت بميشيل عفلق في باريس يقول أنه نصح الوالد، بل رجاه أن يؤجل اعتراضه على طريقة تعامل صدام مع من اتهمهم بالتآمر من الرفاق, قال له: اعترض ولكن ليس الآن, أنتظر حتى يبرد دم صدام، إنه الآن في ذروة انفعاله، ولا نضمن ردود فعله إذا تدخلنا واعترضنا. لكن منيف الرزاز أصرّ قائلاً: لعلنا إذا تعجلنا وضغطنا كي تتوفر للمتآمرين!! محكمة حزبية عادلة، ويمنحوا حق الدفاع عن أنفسهم شرط وجودنا أنا وأنت وشبلي العيسمي في صورة التحقيق بل الجزء الأهم من التحقيق ربما أنقذنا حياتهم. أخذ عبد الوهاب الكيالي رأسه بين يديه وصمت ثم رفع رأسه، بدا مرهقاً قد أعيته نفسه وأتعبه ضميره فقال: أن الدكتور منيف الرزاز بدأ يضغط على ميشيل عفلق في سبيل اتخاذ موقف ضاغط مشترك قائلاً لعفلق: لماذا تقول لي أننا ينبغي أن ننتظر حتى يهدأ روع صدام، وتخف حرارة انفعاله، وتبرد أعصابه, الحزب مؤسسة مدنية لا علاقة لها بمزاج شخص واحد مهما كان هذا الشخص عبقرياً أنت تعرف حبي واحترامي لصدام، لكن أن يقف أمين عام الحزب ومساعده متفرجين ينتظران أن يبرد دمه، فهذا يعني أننا في عصابة (مافيا) لا في حزب يعبر عن مؤسسة مدنية ذات تقاليد.

أدرك ميشيل عفلق أن  منيف الرزاز ركب رأسه العنيد فرفع ذراعيه مستسلماً. صمت عبد الوهاب ثم أدخل يده في جيبه وتمخط قائلاً لمؤنس الرزاز: اقترحت على ميشيل عفلق أن يستقبلك في باريس ويضعك في التفاصيل، ويغدق عليك بالمعلومات التي تتحرق للحصول عليها ويجيب على أسئلتك الملحة لكنه رفض حرصاً عليك, قال لي أن رجال حمايتي ينتمون إلى (المخابرات العراقية) فإذا ضمنت دخول مؤنس إلى بيتي، فإنني بصراحة لا أضمن مصيره بعد أن يخرج ويبتعد مئة متر عن منزلي, ثم إن مسألة المؤامرة هذه ليست جلية واضحة حتى بالنسبة إلي لم أتوقع أبداً أن يبدأ صدام عهده رئيساً للجمهورية بحمام دم ضد رفاقه, لكنني أعتقد أنه أراد التخلص من مجموعة (شباب) من قادة الحزب الذين يستطيعون أن  يقولوا له (لا) إذا أقدم على (مجازفات) غير محسوبة, قل لمؤنس إنني حزين لما آل إليه مصير الدكتور منيف الرزاز, لكن الدكتور منيف لم يسمع نصيحتي, وكان مثالياً عنيداً كعادته, ألم يقل له صدام ذات يوم حين احتج على طرد رفيق من موقعه جراء خطأ تافه: يا دكتور منيف الذي يريد احتراف السياسة ينبغي أن يضع أعصابه وعواطفه ومشاعره الإنسانية في ثلاجة وإلا فليذهب ويعتكف في خلوة (صوفية) ويكتفي بالأحلام النظيفة الطاهرة, على كل حال قل لمؤنس أن يتماسك، فأنا أخاف عليه، قل له أن لا يستسلم لليأس، وأن لا يستفز الإخوان في العراق، فأنت تعرف أن يدهم طائلة.

يؤرخ مؤنس الرزاز للكلام الذي سمعه من عبد الوهاب الكيالي قائلاً: بدأت أرتجف غضباً، خرجت عن طوري، فقدت صوابي قلت لعبد الوهاب الكيالي لا يريد أن يقابلني ميشيل عفلق لأنه (خائف) على نفسه لا لأنه خائف عليّ, فأنا مستعد للسفر إلى باريس والاجتماع به برغم المخاطر التي أشار إليها, سوف أجازف مجازفة غير محسوبة على مسؤوليتي الشخصية, لكنه (جبان), قيل لي أنه (جبان) ولم أكن أصدق لكنه (جبان) يخشى على مستقبل (أولاده وزوجته)، وإلا لماذا يخاف وقد بات في حيطان الثمانين من عمره.

لم ينبس عبد الوهاب الكيالي بكلمة، لم يدافع عن عفلق بعد سماعه كلام مؤنس الرزاز. هذا يدل على أن ميشيل عفلق شخص انتهازي يبحث عن مصلحته الشخصية ليس إلا ويتخذ الحزب مجرد مظلة لتحقيق مصالحه الشخصية والنفعية.

?>