عدنان الباجه جي يدعو الإدارة الأميركية إلى الضغط على شركات النفط لاتفاق مرض للعراق
رأى روستو (إن استقرار العراق والخروج من مظلة عبد الناصر يعد من الأمور المهمة لشركاتنا النفطية)
الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
قبيل بدْء المحادثات التمهيدية بين الحكومة العراقية والشركات للبحث في القضايا المعلقة بينهما، دعا وزير الخارجية العراقية عدنان الباجه جي في 5 تشرين الأول 1966 الإدارة الأمريكية الى التعاون مع الحكومة البريطانية للضغط على شركات النفط العاملة في العراق، من أجل التوصل الى اتفاق مرضٍ مع الحكومة العراقية، وقد نقل هذا الطلب أثناء لقائه مع وزير الخارجية الأمريكية دين راسك في 5 تشرين الأول 1966 في نيويورك، كما أشارت الى ذلك وثيقة أمريكية رسمية. بعد هذه الخطوات، وافق مجلس الوزراء العراقي في 16 تشرين الثاني 1966، على تسوية المشكلات مع الشركات الأجنبية استناداً الى روح القانون رقم 80 (المادة الثالثة منه)، وتسوية عرض استثمار حقل الرميلة الشمالي من قبل الشركات نفسها، على وفق اتفاقية النفط الفرنسية الإيرانية المنعقدة مع شركة ايراب Eerp Co. إثر هذا التطور في سياسة العراق النفطية بادرت إحدى الشركات الاستثمارية الأمريكية للنفط في بداية عام 1967، وهي شركة فرونتر (Frontier Co.) الى تقديم طلبٍ الى وزارة النفط العراقية لاستثمار النفط في العراق، فطلبت وزارة النفط من الشركة، تقديم البيانات عن إمكانياتها وقدراتها على إنتاج النفط وتسويقه، وبعد دراسة الطلب وجدت الوزارة ان عرض الشركة الامريكية لا يتلاءم مع التطورات الجديدة لامتيازات النفط. في ذلك الحين، حدث خلاف بين شركة نفط العراق والحكومة السورية، بشأن تقدير الأرباح من نفقات نقل النفط العراقي عبر الأنابيب، الى البحر المتوسط، والثابت بالفعل، أن المفاوضات بين الطرفين بدأت في أيلول 1966، إلا أن ممثلي الشركات في المفاوضات مع الجانب السوري، استخدموا أسلوب المماطلة والتسويف، وبذلك لم يتوصل الطرفان إلى حل مرضٍ، وكان ذلك كله، قد أضر بالمصالح النفطية العراقية، حتى بلغت الأزمة ذروتها في كانون الثاني 1967، عندما أعلن الرئيس عبد الرحمن عارف أن “الأزمة مفتعلة”، وأن “تعنت الشركة، تجاه الحكومة السورية، وتعمدها بالتأخير وتجاهلها الحق مع الحكومة العراقية أيضاً، قد أدخلت العراق في أمور لا دخل له فيها”. انعكست هذه الأزمة على الصحافة الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين في واشنطن، فقد رأت صحيفة “واشنطن بوست”، في مقالها الافتتاحي في عددها الصادر يوم 21 كانون الأول 1966، أن الحكومة السورية، ترغب في كسب حرب النفط ضد الغرب، و”إيجاد المتاعب للحكومة المعتدلة” في العراق، وشددت الصحيفة على أن “موقف واشنطن ضعيف في الوقت الحاضر في سوريا والعراق” حتى أن الشركات نفسها، طلبت من الإدارة الأمريكية عدم التدخل في الأزمة، ودعت الإدارة الأمريكية الى مراجعة سياستها تجاه الدول العربية المنتجة للنفط، وأن تتأهب في حال حصول “عواصف” قد تضر بالمصالح الأمريكية. وعلى هذا الأساس رأى روستو السكرتير الشخصي للرئيس في مذكرته الى الرئيس جونسون في 21 كانون الثاني 1967، أن “استقرار العراق، والخروج من مظلة عبد الناصر، يعد من الأمور المهمة لشركاتنا النفطية التي تحاول شق طريقها خارج الصندوق الذي تحاول الحكومة السورية وضعها فيه”. ازداد قلق الحكومة العراقية، نتيجة للأضرار التي لحقت بالاقتصاد العراقي، بسبب هذه الأزمة، مما دفع رئيس الوزراء ناجي طالب إلى استدعاء سفراء كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وممثل عن شركات النفط ديلي (Dile) في 4 شباط 1967، وأكد طالب في اللقاء أن “الأزمة فرضت على العراق الذي انتظر طويلاً لحل المشكلة من دون جدوى، وتعرض الاقتصاد العراقي للأضرار بسببها”، وطلب من السفراء بذل الجهود لدى حكوماتهم للضغط على الشركة للاستجابة للمطالب وإيجاد حل مرضٍ للطرفين. هذه الأمور دفعت رئيس الوزراء العراقي إلى ان يطلب من السفير الأمريكي، في شباط 1967، العمل على إقناع الإدارة الأمريكية بتقديم قرض نقدي للعراق، ليسد احتياجاته المالية بسبب الأزمة، إلا أن السفير سترونغ أبلغ طالباً بأن حكومته رفضت تقديم القرض النقدي، ولكنها رغبت بتمويل بعض المشاريع، في حال طلبت الحكومة العراقية منها كما ورد في دراسة جامعية متخصصة. ومما يذكر، أن أحد الباحثين الأمريكيين، قد حدد كمية انخفاض انتاج العراق من النفط، ولا سيما في الحقول الشمالية بما نسبته 10.5% عام 1967، عما كان عليه الحال في عام 1966، إذ تناقص الإنتاج ليصل الى ما يقارب 22.5 مليون برميل عام 1967، بعد أن كان ما يقارب 25 مليون برميل عام 1965. على أية حال، توصلت الحكومة السورية وشركات النفط الى اتفاق مرض للطرفين في 2 آذار 1967، وكلفت الأزمة خسائر كبيرة للعراق قدرت بما يقرب من 23.5 مليون جنيه إسترليني. تابعت الأوساط الأمريكية المهتمة بشؤون النفط، تصريحات المسؤولين العراقيين فيما يتعلق بسياسة العراق النفطية عن كثب. فقد دعا ناجي طالب رئيس الوزراء في مؤتمر النفط العربي السادس في بغداد في آذار 1967، الشركات الأجنبية المستثمرة للنفط في العراق الى إعادة النظر في علاقاتها مع البلدان المنتجة للنفط، ومنها العراق، والتوصل الى اتفاقات جديدة على ضوء استثمار النفط في الاتفاق الإيراني مع شركة إيراب الفرنسية. استوجبت هذه التطورات، ان تولي الإدارة الأمريكية نفط العراق اهتماماً خاصاً، فقد انتابها قلق حقيقي بشأن مستقبل مصالحها النفطية، عندما بدأت الحكومة العراقية تتبع سياسة نفطية جديدة، عدَّها المسؤولون الأمريكيون خطراً على مصالحها ليس في العراق حسب، بل في دول المنطقة المنتجة للنفط. ومن هنا يبدو التفسير المقنع لدعوة وزارة الخارجية الأمريكية سفيرها سترونغ في برقيتها المؤرخة في 5 نيسان 1967، الى مناقشة مشكلة شركات النفط مع الرئيس عارف عند لقائه في أقرب فرصة..
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة