حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979
كيف تمكن قاسم سلام من عقد لقاء بين صدام وعبد الخالق السامرائي؟
عبد الخالق السامرائي: الشباب في بيروت تبرعوا لي بثمن بدلة جديدة وأجبرت على قبول الهدية
شامل عبد القادر
فِي احدى اللقاءات وأنا اناقشه نصحته برغم اني اصغر منه سنا واقل تجربة لكن كنت خارج الاصطفاف ولم اكن جزءاً من تكتل لأني لا اعمل ضمن تكتلات منذ ان دخلت الحزب لأن التكتل ليس في مصلحة الحزب ويخالف نظامه الداخلي. عبد الخالق دخلت معه في مكتبه بالمكتب الثقافي بحكم مسؤوليته عن المكتب بنقاش عنيف حول موقف صدام حسين لحد أني قلت له أنت متآمر يا عبد الخالق. قال لي انت ابو موسى الاشعري. قلت له أفضل أن أكون أبو موسى الأشعري على ان أكون عمرو بن العاص. بعد هدوئه قلت له لماذا لا تلتقي معه. قال من يقدر ان يصل له هل يأتي. قلت له أنا احضره لك. قال يأتي. قلت له نعم. فذهبت لصدام وكلمته بالموضوع فلمست منه تفهماً واستعداداً قويا لزيارة الرفيق عبد الخالق في بيته. وسأله المحاور: متى لمستم الحساسية بين السامرائي وصدام؟ اجاب قاسم سلام: اثناء احداث ايلول 1970 والمواجهات بين الثورة الفلسطينية والنظام الاردني 1970 حيث طالب عبد الخالق مساندة الجيش العراقي للثورة الفلسطينية في حين ارتأت القيادة ابعاد الجيش. ويضيف قاسم سلام في روايته عن اللقاء الذي دبره بين صدام حسين وعبد الخالق السامرائي: ((نعم ذهبت لصدام ورافقته الى بيت الرفيق عبد الخالق ففوجئ عبد الخالق لانه كان يعتقد أن علاقته مع صدام انتهت وان صدام لن يأتي فتصافحا وتركتهما. قال لي صدام اقعد يا رجل قلت له اترككما لتتحدثا بحرية. وقال لي الاثنان فيما بعد أن الخلافات بينهما سويت والامور بينهما على خير ما يرام وتوضحت الكثير من الامور التي كانت مثار التباس. لقد كان صدام والسامرائي يتناقشان في القيادة القطرية والقيادة القومية بشكل موضوعي وكان صدام اقوى بعثي عرفته بموضوعيته وجدليته وبحواره)). وقال سلام: ((واذكر في اخر اجتماع للقيادة القومية كان يناقش ويحاور ويجادل ويختلف لكن بعد انتهاء الاجتماع ينتهي اي خلاف بينما الآخرون كانوا يخرجون يواصلون الجدال والتمسك بالخطأ وإضافة الفلفل عليه. لقد أخطأ عبد الخالق كثيراً بدءا من موقفه من صدام يتحول الى تآمر فشارك في محاولة ناظم كزار ولقد اعدم كل من شارك معه لكن القيادة بالنسبة لعبد الخالق وضعته تحت الاقامة الاجبارية تقديراً لتاريخه ونضاله ونظافته)). ويضيف قاسم سلام: ((عبد الخالق السامرائي كان متهورا, المؤامرة الاولى نجا منها, واعرف ان عبد الخالق لم تكن لديه حجة للجوء للقوة أو إقحام نفسه في حلبة التآمر لأنه لا يمكن اللجوء للعنف الا في حالة الاضطرار القصوى والخروج عن مبادئ وأهداف الحزب وهذا لم يحصل فالحزب موجود والمؤتمر القومي على الابواب عندك حرية ومساحة واسعة جدا تتكلم بها ما شئت داخل اطر الحزب)). في ايار عام 1970 زار السامرائي بيروت وفي المطار التقاه الصحفي اللبناني طلال سلمان فاعتذر السامرائي له عن البدلة الجديدة التي ارتداها لحضور ندوة فكرية في لبنان وقال له: ان الشباب في بيروت هم الذين تبرعوا بثمنها واجبر هو على قبولها هدية. وكتب عنه ذات مرة: (أحد النماذج النادرة التي تتجسد فيها الطهارة الثورية فتضيف الى عقل الرجل المفكر براءة الاطفال وتزيل الحقد من الصدر فيصير قادرا على استيعاب العالم كله). شغل السامرائي عضوية القيادتين القطرية والقومية ومجلس قيادة الثورة ويسميه اصدقاؤه ومحبوه بـ(القديس)، ووصفه منح الصلح: (الانسان النقي الذي فتح عينه ووعيه على طريقة مثالية في الحياة ولم تلوثه السياسة وملاعيب الحكم ولم تجرفه مزايا واغراءات السلطة). كان السامرائي باعتراف الذين التقوه وعاشروه وجادلوه واصغوا اليه (موسوعة) في السياسة والفكر وباحوال العراق العامة وطوائفه واحزابه وفرقه العلنية والسرية وشخصياتها ومطلع اطلاعا غزيراً على التركيب القومي والطائفي العراقي.. يعرف اشياء كثيرة وتفصيلية عن قضايا الجنوب والشمال.. عن الشيوعية والتجمعات القومية.. عن السنة والشيعة والصابئة واليزيديين والاشوريين والكلدان والنساطرة.. يعرف عن الاكراد وماضيهم.. وعشائرهم وكذلك عن التركمان.. غزارة في المعلومات.. تدفق مدهش في المعرفة الانسانية.. كان اضافة الى كل هذا وهو سر حب جميع السياسيين والمفكرين العراقيين لشخصه واحترامهم له امتلاكه لطاقة عظيمة من الحب.. حب الناس جميعاً على اختلاف انتماءاتهم السياسية والفكرية والقومية والطائفية والمذهبية. كان الذين يعرفونه عن كثب يسمونه بـ(ابو دحام) برغم انه كان أعزب. يرفض الكلام والتصريحات والصور والاضواء والظهور في المناسبات يعمل في الصباح الى الظهر وفي المساء الى الفجر وكما كتب عنه احد اصدقائه: وهو في مكتبه يقرأ يكتب يجتمع بالرفاق والاصدقاء…. في المكتب يأكل التكة وفي المكتب يطلع في الفترات القصيرة على كتبه.. والشباب يتندرون بحكايات اسرافه ويروي احدهم نكتة يقول: اليوم انفق ابو دحام دينارا كاملاً على الاكل.. ولا ينزعج عبد الخالق من هذه التشنيعات. يرد على الفور بما معناه: انها جريمة ان تصرف اموال الدولة والحزب في غير موضعها من ذلك ان ينفق على الاكل وعلى اي شيء يتعلق بشخصه. للسامرائي اراء نظرية مثيرة حول الحزب والسلطة.. يقول الذي ابتعد عن السلطة ليبقى في الحزب وفيه ومعه: لماذا نخاف على الحزب من السلطة؟ يجيب: طبعا نخاف وخصوصا ان لحزبنا بالذات تجربتين مفجعتين اولهما هنا في العراق عام 1963 والثانية في سوريا بعد انقلاب شباط 1966 ومن حيث المبدأ فأن العلاقة بين الحزب والثورة والسلطة تشكل التناقض الرئيسي الذي يتوجب على الحزب حله. ان استلام السلطة يعني تحطيم ماكينة الدولة القديمة والسيطرة على اجهزتها التي كونت اساسا من اجل حماية مصالح الطبقات الرجعية التي ناضلت القوى الثورية لازاحتها وتحقيق سلطة الطبقات الثورية وبناء الاجهزة يقتضي الاعتماد على الادوات الثورية واهمها كوادر الحزب خصوصا اذا كان يتحمل مسؤولية السلطة لوحده دون مشاركة القوى الثورية والتقدمية الاخرى على ان هذا يولد مخاطر لا تقل عن ترك اجهزة الدولة تحت رحمة الكوادر البرجوازية. ويعدد السامرائي ابرز المخاطر ويقول: انها عشرة في تصوري يمكن تكثيفها بالنقاط التالية:
* املاء ملاكات الدولة بالكوادر الحزبية وفقاً للتسلسل الحزبي لا على اساس الكفاءة السياسية والفنية.
* تركيز نشاط كوادر الحزب في انجاز مهمات السلطة الامر الذي قد يؤدي الى سيطرة عقلية السلطة عليها ومن ثم تحول الحزب الى ذيل لها.
* تخدير نضالية الحزب ودفع كوادره الى تبرير جميع الاخطاء التي قد تصدر عن السلطة واجهزتها وما يمكن ان ينتج عن مثل هذا الانحراف ربط الكادر لمصيره الشخصي بالسلطة ومحاولة تأمين اسباب الاستمرار فيها بأساليب غير مشروعة وبعيدة عن مبادئ الحزب ومنها منح الامتيازات والاهتمام بالوساطات وتصعيد الاقارب والاصدقاء واستغلال الحاجة الى الكوادر الفنية لتشغل اكثر من وظيفة واحدة وايجاد بطانة من المقربين والاعوان ومحاربة الخصوم الشخصيين باستغلال النفوذ الحكومي, مما يؤدي الى تنشيط تيار انتهازي مصلحي يضرب الاتجاه الثوري ويضعف دور الحزب.
* اضعاف دور النقد والنقد الذاتي لدى الكادر مما يفقده الصفات الثورية ويجعله يتصور انه الدولة ومنها هو فوق الحزب.
* نمو شعور كاذب لدى الكوادر بقدرة السلطة على انجاز المهام المرحلية للثورة بدون الحزب. فهذه الكوادر ستتعرض الى ضعف متزايد من الجماهير الحزبية المحرومة والجماهير الشعبية المسحوقة لتحقيق مطالبها بسرعة وتتصور ان وجودها في السلطة وتأكيد هذا الوجود باستمرار هو الطريق لتحقيق المطالب.
* ضياع الحدود بين الحزب والسلطة مع ظهور اي خطر عليها فقد ينبري الكادر الحزبي للدفاع عنها بحماسة منقطعة النظير مما يحوله الى جندي للسلطة بدل ان يظل جنديا للحزب وبذا يفقد اسس وجوده ومصدر ثوريته.
* امكانية استغلال الاخطاء والارتباكات التي ستقع حتما نتيجة لقلة خبرة الكوادر الحزبية في ضرب الحزب والثورة.
* امكانية نمو قناعة ذاتية لدى العناصر الثورية النشيطة في الحزب بعد توليهما مهام السلطة بقدرتها على رؤية الواقع وتنفيذ مقررات الحزب دونما حاجه الى ارشاداته ورقابته.
* فقدان الحزب لقدرته على استيعاب حاجات الجماهير وقيادتها اذ كلما ازداد عدد الكوادر المفرغة للعمل في اجهزة السلطة قلت قدرته على استقطاب الجماهير من حوله وربطها به وهذا سيحدث تباينا وتناقصاُ كبيرا بين التطور العددي والتطور النوعي في اجهزة الحزب.
* احتمال نسيان الطابع القومي لحزبنا والانطلاق من نظرة قطرية مما يؤدي الى عزل الكادر عن استيعاب استراتيجية الحزب الثورية وبروز تناقصات يصعب حلها.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة