الثلاثاء , مايو 19 2026
?>
الرئيسية / ذاكرة عراقية / الأيام الأخيرة في حياة الفريق عبد الجواد ذنون !

الأيام الأخيرة في حياة الفريق عبد الجواد ذنون !

محمد عبد الحق النعيمي 

اتصلَ بي حفيد المرحوم مصطفى وصفي ليلة يوم الخميس ١٢/١١/٢٠٢٠ معلماً اياي ان حالة المرحوم الصحية متدهورة وان نسبة الأوكسجين منخفضة عنده وكان حظر التجول مفروضا في عمان للايام الاربع التالية. فهرعت اليه مصطحبا الإسعاف. وصلت إلى بيته فرايته متعبا منهكا يعاني من صعوبة التنفس ونسبة الأوكسجين لديه ٥٠ بالمئة فقلت له مطمئنا لا تهتم يا عمي فكلنا هنا لأجلك فرد عليّ قائلا بلهجته الجميلة (يا ابني متوكلين على الله ما خفنا بيوم دنخاف هسه قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). ونظرا لحالته فقررت بالاتصال مع اهله لنقله إلى المستشفى. ونظرا لقلة العدد وبيته في الطابق الثاني لم نستطع انزاله بالنقالة فكان لا بد ان ينزل للاسعاف راجلاً فقلت له يا عمي يجب أن ننزل الان فنهض واستجمع قواه برغم ضيقِ نفسه فمشى الخطوات الأولى وحده برغم محاوطتي له فلم يقبل ان يتكئَ او يثقلَ على احد! فاحسست بتعبه وامسكته بيدي وهكذا بخطوات ضيقة حتى وصلنا قرب الإسعاف فاحسست بنفسَهِ قد ثقل جدا فاحتضنته وهنا خفت ان يسلمَ الروحَ الي بارئها ولكن مشيئة الله ولطفه حالت دون ذلك. فحملناه إلى الإسعاف واعطيناه الأوكسجين فتحسن قليلا حتى وصلنا الطوارئ وقام الفريق الطبي بعمل اللازم فتحسّن نفَسُهُ قليلا وبعد الفحوصات ثبتت إصابته بالفيروس وارتفاع انزيمات القلب والتخثر. وكان لا بد من إدخاله إلى العناية المركزة ولكن للأسف لم تتوافر الأسرة في كل مستشفيات عمان انذاك فقررنا ابقاءه في الطوارئ وبدء العلاج لحين توفر السرير. وهكذا مضت الليلة الأولى قضاها يتمتم بكلماتٍ مسبحاً الله تعالى ومستغفرا. في صباح اليوم الثاني تحسنت حالته قليلا واكل قليلا وطلب الشاي فشرب رشفتين او ثلاث ولم يستطع ان يكمل لان الاوكسجين ينخفض كلما اكل او شرب. خلالها كنت اراقب علاماته الحيوية واقفا فقال لي وهو غير راضٍ على أن يثقل على احد (يا ابني لا تبقى واقفا اجلس رجاء) فقلت عمي لا تقلق انا مرتاح هكذا فقال (يا ابني اقعد والله أتعبناك معانا ولا نعرف كيف نرد لك الجميل) فجلست وقلت له يا عمي هذا واجب فتبسم. بعد عده ساعات توفر سرير في العناية المركزة فقلت له يا عمي سوف نذهب إلى العناية فقال (توكلنا على الله) وطلب الاتصال ببناته الاثنتين، فاتصل بهما وقال لهما (توكلنا على الله والحمد لله رب العالمين). فنقلناه إلى العناية وهناك عرفه احد الاخوة فقال له ممازحا اهلا سيادة الفريق سوف نؤدي لك التحية كل يوم فضحك رحمه الله وقال (يا ابني شبعنا من التحيات العسكرية ناديني عبد الجواد بس) فقلت له يا عمي انت هنا بين اهلك وكلهم يعرفوك حق المعرفة فقال (الحمد لله بارك الله بيكم اتعبناكم)، وهنا كان نوعا ما متحسناً بعض الشيء مقارنة بما كان فيه في البيت ولكن فحوصاته المختبرية غير مستقرة وبدأ الاطباء بتقييم حالته وبدء علاجاته وهكذا مر اليوم الثاني. في اليوم الثالث فوجئنا بتوقف كليتيه عن العمل ومن هنا كان الانحدار الحقيقي فكان معظم الوقت نائما ولكن ان سألته عن اسمه عرفه ويقول (انا عبد الجواد ذنون) وقضى معظم اليوم نائما وكليتيه لا تعملان برغم الغسيل الكلوي ووضع على جهاز التنفس الاصطناعي. اليوم الرابع تدهورت حالته جدا ولم يعد يجيب السؤال الا مرة واحدة في ليلة اليوم الخامس الاثنين الححت عليه بسؤال كيف حالك يا عمي راجيا ان ينطق بكلمة تطمئننا فافتح عينيه وقالها مرتين او ثلاثة (الحمد لله الحمد لله الحمد لله) فكانت هذه آخر كلماته ويا حبذا من كلمات. في صباح اليوم الخامس ١٧/١١/٢٠٢٠ توقف قلبه عن العمل وقام الفريق الطبي ببدء الإنعاش القلبي الرئوي والحقن بالأدرنالين ولكنه كان قد اسلم الروح إلى بارئها وانتقل إلى رحمة الباري عز وجل. شهدتُ الايام الاخيرة لراحلنا العزيز الفريق الاول الركن عبد الجواد ذنون واشهد انه كان متحليا بعزة النفس والصبر والشجاعة حتى رمقه الاخير وكانت آخرَ كلماته (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وآخرُ دُعائِه (الحمد لله) واحسبه ممن قال الله فيهم ((دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)). رحمه الله واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

?>