
الدكتور محمد هاشم خويطر الربيعي
في 17 تموز 1968 تم عزل الرئيس عبد الرحمن عارف الذي كان ضعيفاً جداً على الحكم
الخارجية الأميركية طلبت في 2 تموز 1968 أن ينتبهوا إلى متابعة التطورات في العراق عن كثب
ازدادتِ الشكوك لدى وزارة الخارجية الأمريكية في بداية شهر تموز، بأن أمراً، متوقعاً حدوثه في العراق. فحسب وثيقة أمريكية مؤرخة في 2 تموز 1968، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية من موظفي سفارتها في بيروت أن “ينتبهوا إلى متابعة التطورات في العراق عن كثب، وكتابة التقارير عنها، آخذين بالحسبان قلة التمثيل في هذا البلد”، وعلى أية حال، لم يمض على كتابة هذا التقرير سوى خمسة عشر يوماً حتى نفذ البعثيون انقلابهم على وفق خطة مرسومة في 17 تموز 1968، واستولوا على الحكم، وتم عزل الرئيس عبد الرحمن عارف “الذي كان ضعيفاً جداً على الحكم، وطاهر يحيى المكروه تماماً”، كما أشارت إلى ذلك برقية وزارة الخارجية الأمريكية إلى سفاراتها في طهران وأنقره وعمان والكويت وبيروت وبروكسل وجدة ولندن والقدس والمخابرات الأمريكية في القاهرة، في 17 تموز 1968، وسوغت قيام الانقلاب بـ”استمرار عدم الاستقرار السياسي والضغوط السياسية الداخلية خلال الأشهر الماضية”، وأن “ضعف الحكومة فضلاً عن طموح العديد من المجموعات العسكرية السياسية” قد مّهدا الأرضية للانقلاب الذي “سيطرت عليه عناصر بعثية مشاركة في الظاهر” إلا أن “حزب البعث هو المسيطر الفعلي”، ولم تتوصل وزارة الخارجية الأمريكية حتى يوم 17 تموز 1968 إلى أية معلومات عن علاقة قادة الانقلاب بحكومة سوريا. لقد فرضت الظروف الدولية، وأهمية العراق الستراتيجية والاقتصادية، على الدوائر الدبلوماسية الأمريكية في واشنطن، ودول المنطقة، متابعة التطورات الداخلية في الساحة العراقية وعلى شتى الصعد، من حيث الأسباب والنتائج، وكانت تبغي من ذلك تعزيز أقدامها في العراق سياسياً واقتصادياً وثقافيا، في إطار سياسة عامة ارتبطت بمصالحها واستراتيجيتها الجديدة في دول المنطقة. وفي الأحوال جميعاً فإن نجاح انقلاب 17 تموز 1968 في العراق، أدى إلى قيام عهد جديد في تاريخ العراق المعاصر. وعندئذ بدأت مرحلة تاريخية جديدة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق اتسمت بخصائص جديدة في ظل ضرورات الحرب الباردة بين القطبين العالميين آنذاك.
الفصل الثالث
المصالح الاقتصادية الأمريكية في العراق
تمتع العراق بأهمية إستراتيجية واقتصادية جعلته محط أنظار القوى العالمية التي أخذت ترنو إليه منذ أقدم العصور. وقد أضاف اكتشاف النفط فيه بعداً اقتصادياً جديداً، وأهمية الى أهميته التقليدية، ولا سيما بعد أن أصبح النفط عصب المدنية، في ظل التطور التقني الذي شهدته الدول الصناعية. من هنا لا يبدو الأمر غريباً إذا ما اكتسب العراق أهمية خاصة واستثنائية بالنسبة للمصالح الاقتصادية الأمريكية، وبشكل يفوق بقية دول المنطقة، الى حد ما، لامتلاكه ثروات متنوعة، مع الأخذ بالحسبان، ارتباط العراق بالسوق الرأسمالية ومنها الأمريكية، منذ وقت مبكر. فقد ارتبط ازدياد التغلغل الأمريكي في العراق في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف الذي شمل المساعدات الاقتصادية – القروض والمعونات – والاستثمارات المالية والنفطية، والتبادل التجاري، بالسياسة الاقتصادية العراقية التي اتسمت بمقدار كبير من الانفتاح على متطلبات حاجات البلاد، ولا سيما بعد أن أفرز الواقع العراقي الجديد الذي انبثق بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، اتجاهات جديدة فرضت نفسها على السياسة الاقتصادية العراقية، وعليه اهتمت الحكومة العراقية بتطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم، والولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، على أساس المنفعة القائمة على الرغبة المتبادلة في توثيق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، الواقع الذي رأت فيه الإدارة الأمريكية، فرصة لإيجاد مجالات التقارب مع العراق وتطوير العلاقات معه، بعد تسنم الرئيس عبد الرحمن عارف مقاليد الحكم في 17 نيسان 1966، إذ تؤكد إحدى الوثائق الأمريكية الرسمية نفسها، هذه الحقيقة بصورة أوضح، ففي أول مقابلة رسمية بين السفير الأمريكي سترونغ والرئيس عبد الرحمن عارف في 17 مايس 1966، أبلغ سترونغ الرئيس عارف برغبة الإدارة الأمريكية في “تعاون أمريكي من أجل تعزيز الاستقرار والتطور السياسي والاقتصادي والتجاري للعراق للمدى الذي ترغب به الحكومة العراقية وضمن الوسائل المتاحة” لحكومته. وفي الأحوال كافة، تدل هذه الأمور بصورة واضحة على رغبة واشنطن في تعزيز التعاون الاقتصادي مع بغداد، بما في ذلك المجال النفطي، الموضوع الذي استأثر باهتمام أمريكي ثابت في جميع الأحوال.
أولاً: موقف الإدارة الأمريكية
من سياسة العراق النفطية
أدى النفط، بوصفه مصدراً مهماً للطاقة، دوراً فعالاً على الدوام، في تحديد السلوك السياسي لإستراتيجية الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه العراق. ومن هنا يلاحظ، أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت، وما تزال، تنظر بجدية لأهمية العراق في استمرار تدفق النفط العراقي الى الدول الغربية. ولأن موضوع النفط العراقي كان يمثل عامل الجذب الأول بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين في واشنطن، بادرت الدوائر الأمريكية المعنية الى اتخاذ إجراءات عملية، هدفت إلى حماية مصالح شركاتها النفطية في العراق، منذ تسنم عبد الرحمن عارف السلطة في 17 نيسان 1966. انتهج رئيس الوزراء العراقي عبد الرحمن البزاز سياسة واقعية تجاه شركات النفط، وذلك لأن البزاز كان يدرك جيداً أن تنفيذ خطط حكومته الإصلاحية، كانت تعتمد على واردات البلاد من ثروتها النفطية أكثر من أي شيء آخر. وعليه فإن أية خطوة تضر بمصالح تلك الشركات ستؤدي الى انخفاض عوائد النفط. وهذا ما يفسر تصريحه بوضوح بشأن نتائج المفاوضات السابقة مع شركة نفط العراق بشأن مشروعي الاتفاقيتين المنفصلتين في حزيران 1965 إذ شدد البزاز في 2 تموز 1966 على أن حكومته “ستدرس نتائج المفاوضات السابقة بين الحكومة والشركات، وإنه لن يوقع أي اتفاق قبل التثبت من أن أسسه تلبي مطالب العراق”. وفي السياق نفسه، سعى الرئيس عبد الرحمن عارف، الى إيجاد مخرج للجمود القائم في المفاوضات بين حكومته والشركات، وحل المشكلات القائمة بينهما، إذ رأى أن “مشروع الاتفاقية لعام 1965، جيد” وأبدى استعداده لقبولها، لكنه رأى “أن الظروف السياسية الداخلية العراقية لا تسمح بذلك” لأن العراق يعاني من أوضاع مالية صعبة وظروف سياسية شاذة، فضلاً عن “المنشورات التي أصدرها بعض السياسيين” التي جعلته يتردد في تصديق الاتفاق. على أية حال، تغير موقف الحكومة العراقية من المفاوضات مع شركات النفط، بعد تولي ناجي طالب رئاسة الوزراء ووزارة النفط وكالة في 9 آب 1966، إذ اتبع سياسة جديدة في المجال النفطي، يمكن تلخيصها بالآتي:
1- إن الحكومة العراقية لا تعترف بوجود اتفاقية 1965.
2- سياسة الحكومة انطلقت من القانون رقم 80 لسنة 1961، وسوف تعتمد في تنفيذها على شركة النفط الوطنية.
3- التفاوض مع الشركات للبحث في القضايا المعلقة بغض النظر عن اتفاقية 1965.
صحيفة المشرق| الصفحة الرئيسة يومية دولية مستقلة